|
في غرفتها المتواضعة بكلية العلوم السياسية جامعة الكويت التقيتُ بأستاذة العَلاقات الدولية الحاصلة على الدكتوراة من جامعة تكساس، تحدثتْ عن كل شيء: العَلاقة الزوجية، وهموم المرأة في بلدها الكويت، والمسلمة الشيعية، وصولاً إلى حياتها الخاصة، وتوفيقها بنجاح بين أسرتها بمطالبها واحتياجاتها وحياتها العملية والاجتماعية.
لا أحد في الكويت لا يعرف د. معصومة المبارك، وعندما داعبتُها بأن البعض يصفها بالمرأة الحديدية، ضحكتْ طويلاً، وقالتْ: أرجو ألاَّ يكون ذلك بسبب حجمي، ثم أردفت قائلة: نعم أنا حديدية إذا كان ذلك يعني الالتزام والثبات على المبادئ والأفكار، أما إذا كان ذلك يعني تصلب الفكر؛ فأنا أرفض الوصف تمامًا؛ لأنني متفتحة جدًّا… ليبرالية جدًّا جدًّا في فكري، وإن كان شكلي لا يدل على ذلك!
الحجاب والليبراليَّة
- فسألتُهَا: أنتِ تجدين تعارضًا إذن بين حجابكِ "شكلكِ" يا دكتورة والليبراليَّة؟!
فبادرتْ على الفور قائلة: لستُ أنا، ولكن البعض- وهم كثرة – للأسف يرون أن الليبرالية عليها أن ترتدي الميكروجيب، وهذا مرفوض بالنسبة لي فمبادئي لا تسمح بذلك؛ فأنا أفتخر بأنني ليبرالية الفكر، أُومِن بحرية الفكر والممارسة، ولكن في إطار أخلاقي ديني.
إلى عام 1967 رجعتْ د. معصومة بذاكرتها فقالتْ: في هذا العام 1967 التحقتُ بجامعة الكويت، وكان أول عام يُفتَتَح فيه قسم العلوم السياسية، جذبني للالتحاق به شيء ما.. ربما يكون حبِّي للتميز والجِدَّة والتفوق، وبالفعل أصبحتُ طالبة بهذا القسم ضمن 25 شابة وشابًّا كويتيين.
ضد التصنيف
- د. معصومة بوصفك إحدى الناشطات في مجال المطالبة بحقوق المرأة السياسية بالكويت، وشيعية المذهب، بصراحة هل للمرأة الشيعية بالكويت معاناة خاصة؟
ردَّت مبتسمة: بداية أنا لا أحب التصنيف؛ فالمرأة امرأة داخل المجتمع المسلم، لها معاناة بغض النظر عن انتمائها الفكري أو المذهبي؛ لأنها ببساطة - ولدينا في الكويت - حصلتْ على كل حقوقها تقريبًا ما عدا الحقوق السياسية.
- ولكنني لاحظتُ أن المرأة الشيعية الكويتية فاعلة في مجتمعها، ناشطة في المطالبة بحقوقها السياسية أكثر من سواها… فما تعليقك؟
ضحكتْ وقالتْ: "يا عزيزتي.. كلما زادتْ درجة الوعي زاد الاهتمام، وكلما زادتْ المعاناة كذلك زاد الاهتمام؛ فالجمعيات النسائية المنظمة أول مَن بدأتْ لدينا، كانت وما زالت نسبة النساء الشيعيّات العضوات بها أكثر من سواهن، ولكنَّني مصرّة على أن الكويتية بشكل عام امرأة يُمارَس ضدها إجحاف وتمييز قانونيان في الحقوق السياسية، ويُمارَس ضدها الأمر نفسه بالنسبة لعدد من القوانين منها: قانون الجنسية، الخدمة المدنية، الرعاية السكانية "وأنا مقتنعة تمامًا بأن هذا الإحجاف القانوني لا يمكن أن يعدل إلاَّ إذا أصبحت المرأة الكويتية في موقع اتخاذ القرار؛ لأن هذا خلل تشريعي، وأؤكد "تشريعي" وليس شرعيًّا؛ فالقوانين تُصَاغ ضد المرأة وأعضاء مجلس الأمة يعزرون ذلك؛ لذا فإنني أومن بأن الحق السياسي سيحوّل المرأة من مجرد رقم في المجتمع.. إلى قوة في الصناديق الانتخابية.. إلى مشرّع في البرلمان.
إرث العناد
- هناك تجارب خليجية لدخول المرأة المجالس التشريعية، فما هو تعليقكِ عليها مقارنة بالوضع في الكويت؟ وهل يتوافق ذلك مع التجربة الديمقراطية الكويتية؟
ردتْ على الفور: رغم أن تمثيل المرأة في هذه المجالس وغيرها في الدول العربية قاطبة قليل جدًّا؛ فإنهم على الأقل نجحوا في دول الخليج التي ذكرت عنها في كسر الحاجز النفسي ضد المرأة بنسبة 100%، فالمرأة في عُمان مثلاً لم تَعُد تحمل همَّ أن تكون مرشحة أو منتخبة؛ فالرفض الداخلي الاجتماعي كُسر.
أما في الكويت فلدينا عقدة كبيرة اسمها (العناد)، نحن لدينا موروث اجتماعي وسياسي ما زلنا "نجرجره" منذ 30 عامًا، ولو أن هذا الحاجز النفسي تم كسره منذ عام 1961 حينما أنشئ المجلس التأسيسي لما حدث ما حدث من جدل عقيم بين مؤيد ومعارض لسنوات طويلة متوالية حتى أصبح الأمر (إرثًا).
يا عزيزتي، لقد تقابلتُ مع أكثر من نائب بمجلس الأمة، فهل تصدقين أن أحدهم قال لي بالحرف الواحد مُربتًا على رقبته: "على رقبتي يا د.معصومة إذا دخلتْ المرأة الكويتية مجلس الأمة!".
لقد أصبح الأمر إذًا نوعًا من العند غير المبرر على الإطلاق، فهل رأيتِ مجتمعًا في العالم ديمقراطيًّا أو غير ديمقراطي يُقِرّ فيه رئيس الدولة (الأمير) الحقوق السياسية للمرأة؛ بل ويصدر رغبة نساء بمرسوم وهي أصلاً لها سند من الشريعة والدستور، ثم يقوم أعضاء مجلس الأمة بكل جسارة وتعسف لقتل ذلك كله؟! إنهم يخنقون الديمقراطية بدعوى ممارستها، وما يفعلونه نقطة سوداء في صفحة التجربة الكويتية وليس إلا حقًّا يُراد به باطل.
هل يَئِسْنَ؟!
- وماذا عن مسيرة نوفمبر الفائت والتي لم يمشِ فيها سوى 9 أو عشرة فقط تقريبًا من النساء كنتِ أنتِ واحدةً منهن، هل يئسَت المرأة الكويتية كما ردد البعض؟!
لا، ليس لدينا يأس، ربما هو إحباط… لا مبالاة… وأنا لا يهمني أن يسير ورائي في المسيرة الجحافل لأتباهى بذلك، فلو لم يكن هناك سواي لطلعت وحدي… أنا أعرف أن هناك شريحة عريضة في المجتمع لا تستطيع أن تقف هذه الوقفة بسبب الضغوط الاجتماعية، والأُسرية… وهناك شريحة كسولة… وهناك… وهناك… ولكن لنقل: إن هناك مبادئ لن نتخلى عنها.
والكرة الآن في ملعب مَن؟!
- وماذا عن استشرافك لمستقبل الحقوق السياسية للكويتية؟
على الفور أجابتْ: متفائلة طبعًا… وفي سنة 2003 –إن شاء الله- ستكون المرأة مرشحة وناخبة، وإذا أعطاني رب العالمين عمرًا فسأرشح نفسي… (ضحكت).
النموذج الإيراني.. التفسير والتطبيق
- محطة أخرى نتوقف لديها معك "د. معصومة" أستاذة العلاقات الدولية.. كم طالبة تدرس لديك؟
بداية نحن نعمل بنظام الفصول الدراسية وليس السنوات الدراسية، وأنا لديَّ 3 فصول بأحدها 70 طالبًا وطالبة، والآخر 50، والأخير 35، وفي كل فصل منها عدد الطالبات إلى الطلبة هو (النص بالنص).
- تحدثتِ كثيرًا عن التجربة الإيرانية مشيدة بإنصافها وعدالتها مع المرأة… هل من توضيح؟
إنني أنظر بتقدير شديد لأي تجربة تُوجَد بها درجة عالية من ممارسة الحقوق، خاصة لو كان ذلك يستند إلى الشريعة الإسلامية، وخاصة لو كان للمرأة فيه النصيب الأوفر… سواء كانت التجربة إيرانية، باكستانية… إلخ، أنا فعلاً أقدّرها.
ونموذج المرأة المسلمة في الجمهورية الإيرانية الإسلامية نموذج رائع… أتمنى ونحن قريبون جدًّا من إيران أن يُعمَّم هذا النموذج أو على الأقل نستفيد منه، فللرئيس الإيراني مستشارة ونائبة… هذا غير الكفاءات والطاقات النسائية الأخرى الموجودة، والتي لا تخلو من مثيلاتها الدول العربية والإسلامية كالكويت والبحرين ومصر… إلخ، ولكن المشكلة أن العرب لديهم عقدة.
وسألتُهَا على الفور: ماذا تقصدين بعقدة العرب؟ فأجابتْ ضاحكة: عقد كثيرة، وليست عقدة واحدة… فالفارق بين إيران مثلاً والعرب أن الأولى أي إيران، كان لديها الجرأة في الربط بين النصوص والتفسيرات الإسلامية والممارسات والتطبيقات الفعلية؛ بحيث يشعر متخذ القرار في الجمهورية الإسلامية بالانسجام مع دينه وشريعته؛ ولكن العرب حتى الآن لم يتحرروا من موروثات جاهلية كثيرة منها: التوزيع السلطوي للقيادة؛ حيث تُمنَح للرجل بصرف النظر عن الكفاءة، ومنها مفهوم الوأد الذي ما زال متأصلاً في داخل الشخصية العربية المسلمة؛ فالموءودة جسديًّا سابقًا هي اليوم كذلك ولكن فكريًّا وقمعيًّا ونفسيًّا… وأنا أتهم المرأة لأنها شريك في ذلك؛ حيث إنها نتيجة لهذه الممارسة السلطوية الوأدية الطويلة المتراكمة تأقلمت مع فكرة أنها أدنى وأقل وأضعف… و… و…، فكثير من النساء العربيات رَضين أن يقمن بالأدوار الخلفية، وأن يقبعن خلف الرجال في حين أن المجتمع يحتاج لكليهما على نفس الدرجة من التكافؤ والتكامل.
عن القوامة
- د. معصومة: يتهمكِ البعض بالتحريض ضد القوامة والولاية… وإلخ… فما ردك؟
ومَن قال هذا؟! إنني حينما أتحدث عن الموروث؛ فإنني لا أرفض العَلاقة بحد ذاتها… إنني أنتقد التطبيق، فمَن قال إن القوامة داخل الأسرة مثلاً ليس لها ضوابط؟
إن ربَّ العالمين أعطى القوامة للرجل… نعم… ولكن ليس لأنه ذكر؛ بل بما يقدمه من امتيازات، وعطاءات مادية وجسدية ومعنوية في داخل المجتمع الأسري الصغير، ولكن انظري إلى الجدل الذي لا زال مشتعلاً حول القوامة حتى الآن، وهل هي مُطلَقَة؟ أم أن الأدوار داخل الأسرة تكاملية حتى تنجح هذه الوحدة في عطائها للمجتمع.
القوامة ليست كما يفهمها البعض سلطة قهر وقمع مع الرجل يستخدمها ولو كان مخطئًا؛ لأنه لا أحد يسمح بذلك.. لا الدِّين، ولا الخُلق، ولا القانون؛ فالبعض يعتقد أن القوامة هي أساس العَلاقة الزوجية؛ بينما أساسها هو: المودة، والرحمة، واللباس: "هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ". التكامل يا عزيزتي ضد السلطوية تمامًا، ولا مانع داخل الأسرة من أن توزع الأدوار…، ودعيني أقول لكِ شيئًا آخر يتعلق بأهمية دور الرجل في حياة المرأة في مجتمعاتنا العربية… فأحيانًا - بل غالبًا - لا تبرز المرأة وتنجح إلاَّ إذا كان وراءها رجل هو زوج، أب، أخ متفهم، يحتضنها ويدفعها لمزيد من النجاح؛ فدور الرجل داخل الأسرة أساسي ولا يمكن القفز فوقه.
أسرار النجاح
- هل توفر لكِ ذلك شخصيًّا… ما هو دور الرجل في حياتكِ؟
أجابتْ مبتسمة: إنني أرفع رأسي إلى السماء دائمًا شاكرة لربِّ العالمين، إنني نشأت في أسرة مؤمنة بأهمية مساندة أبنائها وبناتها، وعندما تزوجتُ رزقني الله بزوج مشجع جدًّا، يؤمن بعطاءاتي وقدراتي أكثر مني، ففي الوقت الذي أُحبَط فيه، ويُثقَل فيه كاهلي، أجده يشد أزري ووراءه أبنائي، فهم مؤمنون بدوري في مجتمعي…، ضحكتْ وقالتْ: لِمَ لَم تسأليني عن دور المرأة في حياتي؟!
بل.. هو سؤالي التالي إليكِ؟: ابتسمتْ وأجابتْ على الفور: إنني نجحتُ كثيرًا في التوفيق بين متطلبات حياتي المزدحمة بتعدد الأدوار بفضل أمي -رحمها الله- وأهل زوجي، خاصة أخت زوجي؛ فقد ساعدوني كثيرًا في تربية الأبناء.
- أنتِ إذن تؤمنين بأهمية الأسرة في تنشئة الأطفال، ألا يمكن أن يُحدث ذلك مشكلات كما يرى البعض؟
أنا أومن بمساندة الأسرة الممتدة في تربية الأبناء إذا كان ذلك سيعزز ما لدى الأم والأب من مبادئ وسلوكيات يريدان توصيلها للأبناء… فكل أم تسعى لأن تكون هي المهندس لقيم وعقول أطفالها ووجدانهم، ولكن إذا تواجد مَن يعزز ذلك ويتشابه مع الأم فما المانع؟ هي إذًا حالات خاصة - هذا ما أعتقده - فأخت زوجي مثلاً كانت شابة متعلمة متفتحة ذهنيًّا وقريبة إليَّ جدًّا، فائتَمَنْتها على أحد أبنائي عندما سافرتُ للحصول على الماجستير، ولم أجد اختلافًا كثيرًا بين أسلوبي في التربية وأسلوبها… وكذلك الحال مع أمي… وهكذا.
مرونة وجدّية
- في نهاية حديثي معها… كان هناك سؤال يتردد على لساني… فأطلقتُه مشاغبة معها، د. معصومة/ يقولون: إن المرأة الشيعية متفوقة… لماذا برأيك؟
تنهدتْ وأجابتْ مبتسمة: مرة أخرى أكرر أنا ضد التصنيف الفئوي والمذهبي والطائفي للمرأة… وبالنسبة لهذا الأمر؛ فأنا أعتقد أن المرأة في الجانب السني لها نفس السمة في بعض نماذجها، وحتى المرأة المسيحية كذلك فهي متفوقة وتعطي في جوانب الحياة المختلفة، ولا نستطيع أن ننكرر ذلك مع اختلافنا معها عقائديًّا… ولكن حتى أريحكِ بالإجابة على هذا السؤال؛ فرأيي هو أنه ربما لدينا مرونة فكرية كبيرة، أنا لستُ فقيهة؛ ولكني أستطيع القول بأن في المذهب الشيعي نماذج مضيئة من تاريخ المرأة المسلمة نحن نتخذها قدوة وبشكل جاد، كما أن لدينا نوعًا من الانفراج في التعامل مع المرأة… نحن لا نقمعها… بل هناك ارتياح كبير لأن تعمل المرأة في الحياة العامة، وتشارك بلا حدود لدورها… نحن لا نرى ذلك بدعة كما يراه البعض… ليست لدينا نظرة متصلبة للمرأة ولا يوجد عندنا تفسيرات متشددة ضدها تصل إلى حد القمع والإغلاق.
صحفية مهتمة بالشأن الاجتماعي.
|