|
| هل أضافت حماس جديدا لتجربة الإسلاميين الوسطيين؟ |
مرة أخرى يقدم الإسلاميون الوسطيون في المنطقة -وهذه المرة عن طريق حركة حماس- تجربة مكثفة ومهمة تؤكد على الجوهر البرجماتي للفكر الحركي الذي تتبناه المنظمات والحركات الإخوانية أو القريبة منها أو المتأثرة بمنطلقاتها.
تمظهرات البرجماتية السياسية عند حماس والحركات الإخوانية بعامة تتبلور موضوعيا وذاتيا عند كل منعطف حاسم يستلزم من أي من هذه الحركات قرارا إستراتيجيا يحدد الوجهة وفق ما يمليه أو يشترطه ظرف الواقع الموضوعي.
ولا تتم هذه العملية في الغالب الأعم بوعي كامل يفرز مكونات ما هو سياسي مما هو أيديولوجي، ويقارن هذه بتلك، ومن ثم يقدم هذا المكون ويؤخر ذلك المكون بعملية شبه رياضية.
إنها عملية معقدة يجب أن يتسلل فيها السياسي إلى أرضية الأيديولوجي عن طريق تأسس قناعات ضميرية وفكرية تسوغ حدوث هذا التسلل؛ بكونه في نهاية المطاف لخدمة الأهداف الأيديولوجية الكبرى. وهذه القناعات تتبلور على شكل صيرورات عفوية استجابة لمسارات الواقع الصلب، والتي تفرض على الحركة المعنية الانخراط في الطرق المرسومة مسبقا، مع محاولتها توسيع هذه الطرق أو إجراء بعض التعديلات عليها، لكن ليس رفضها كليا والعزوف عن استخدامها بالمطلق... وهكذا، وفي حالة وجود حماس في الحكم بدا التقديم الأفضل للسياسة الواقعية على التشبث بالأحلام الأيديولوجية مظهرا بارزا في أداء الحركة خلال عامها اليتيم في الحكومة الفلسطينية.
لكن هذا المظهر البرجماتي لا يفاجئ المطلعين على التكوين الفكري والسياسي لحماس، وعلى تفاعلها مع المحيط الذي تعيش فيه بدءا من تاريخ انطلاقتها في أواخر عام 1987. فبذور الواقعية السياسية موجودة بكثافة في تنظيرات -والأهم من ذلك في ممارسات- حماس السياسية والفكرية.
فحماس في نهاية المطاف متأسسة وفق ركنين: واحد ديني إسلامي كواحدة من حركات جماعة الإخوان المسلمين التي تحمل برنامجها وشعاراتها، وثان وطني مقاومي كواحدة من تنظيمات الحركة الوطنية الفلسطينية، هدفها تحرير فلسطين ودحر الاحتلال الإسرائيلي. ومن كلا الركنين، ومن ثنايا التجربة التاريخية للحركات الأم -الإخوان المسلمين من جهة، والحركة الوطنية الفلسطينية من جهة أخرى- طورت حماس فكرا وممارسة تناغيان الأحلام الكبرى، لكن في الجوهر ينتميان إلى مدرسة الواقعية السياسية.
جذور واقعية حماس
وهذه واقعية تكونت -حماسياً- على ثلاث أرضيات، أولها: الجذر الإخواني لحماس، وما يحاول أن يوفره من مناهج تعامل عملية وبرجماتية مع الواقع، تنطلق على أساس إصلاحه وتغييره تدريجياً، وليس على أساس التخلص منه ثورياً وجذرياً ودفعة واحدة. فالفكر الإخواني المؤسس لفكر حماس لا يتصف بالثورية الاجتماعية، ولا يقاطع الواقع ويتعالى عليه بل ينطلق منه. وعلى الرغم من وجود عدد من الانزلاقات الفكرية هنا وهناك في عموميات وشعارات الفكر الإخواني، فإن تفاعله مع الواقع وانصياعه المباشر وغير المباشر لاشتراطاته يفوق بكثير الحمولة الأيديولوجية التي لو حدث أن زاد ثقلها في فكر وممارسة الإخوان لقاد ذلك إلى انحسار تلقائي وتدريجي لنفوذهم وشعبيتهم. باختصار، تبلور الفكر والقناعة والخبرة الإخوانية منتجاً سياسة تعمل على تغيير الواقع من داخله، وتبعاً لما يوفره من وسائل عملية، وليس من فوقه، وتبعاً لما تؤمله الأيديولوجيا من وسائل نظرية.
الأرضية الثانية التي تكونت عليها سياسة حماس الواقعية -كما تبدت خلال العام الماضي- هي اتساع حجم الحركة، وامتداد شعبيتها، وتشعباتها، والجمعيات الخدمية التابعة لها، وما يتفرع عنها من التزامات مع شرائح شعبية عريضة، خاصة في أوساط الفقراء. إضافة إلى ذلك تكثف علاقاتها مع أطراف عديدة، سواء في الساحة الفلسطينية، أو العربية، أو الدولية، وما فرضه ذلك من ضرورة صوغ خطاب وسياسة مقنعة ومفهومة تكرس مكتسبات الحركة وتزيد منها.
ويؤدي اتساع نطاق الحجم والشعبية إلى تبلور اعتبارات وحسابات دقيقة ضاغطة على أي حركة، تدفع باتجاه البقاء في مربعات الواقعية؛ بهدف الحفاظ على الامتداد الأفقي للحركة، وعلى بقاء تواصلها مع قواعدها الشعبية، وللحفاظ على شبكة علاقاتها الخارجية. بمعنى آخر، يمكن القول بأنه كلما اتسع النطاق الأفقي لأي حركة، وأصبحت علاقاتها مع محيطها الاجتماعي والسياسي والدولي مركبة، أعادت إنتاج نفسها مصلحيا وواقعيا، وأعادت تأهيل شعاراتها الأيديولوجية الكبرى وفق معايير جديدة. ومن هنا فلنا أن نلحظ أن التنظيمات الأقل حجماً وتأثيراً، والمحدودة الانتشار شعبياً، تكون أكثر راديكالية في تعاملها مع الواقع، وأكثر تحرراً من اشتراطاته، وأشد تشبثاً بما تراه من أحلام وتطلعات أيديولوجية وطوباوية. لكن ينطبق عليها نفس "القانون"؛ إذ لو ازدادت شعبيتها وتعقدت طبيعة علاقاتها ومصالحها وحساباتها مع الواقع، فإن التآكل التدريجي في يوتوبيا أيديولوجياتها يبدأ فعله شبه الحتمي دافعا الحركة نحو علاقة أكثر جدلية مع الواقع، وقائمة على فكرة تغييره من داخله، وبما يوفره من وسائل عملية.
الأرضية الثالثة التي كرست واقعية حماس السياسية هي الظرف الموضوعي المحيط بقضية فلسطين، فهنا احترقت أصابع حماس في نار السياسة المعقدة التي قلصت خيارات الفلسطينيين (منظمة التحرير، وحركة فتح، وبقية التيارات الفلسطينية قبل حماس)، وحشرتهم في زوايا بالغة الصعوبة.
فاللحظة التي فازت فيها حماس في الانتخابات، وسيطرت إثرها على السلطة الفلسطينية، هي ذات اللحظة التي تمثل خلاصة تدهور الوضع العربي والإسلامي وتشرذمه، وتراجع قضية فلسطين على الأجندة الإقليمية والدولية لصالح قضايا أخرى (العراق، وأفغانستان، والحرب الأمريكية على الإرهاب... إلخ). وهي ذات اللحظة التي ما زال فيها ميزان القوى يميل بلا رحمة ضد الفلسطينيين ولصالح إسرائيل، ويجعل هذه الأخيرة لا تشعر بأي ضغط حقيقي للاستجابة حتى لمشاريع الحلول السلمية التي لا تحقق إلا جزءا يسيراً من الحقوق الفلسطينية.
في قلب هذه اللحظة الصلدة وصلت حماس إلى الحكم، ولمست عن قرب -وعلى أرض الواقع- التعقيدات التي تواجه الشعارات الكبرى التي حفلت بها أدبياتها هنا وهناك. وبدلا من أن تشرع حماس في تطبيق تلك الشعارات، وترسم على الأرض ما يختلف عما رسمه النظام الرسمي الفلسطيني الذي سبقها، وكانت تعارضه، وجدت نفسها تغرق في تفاصيل الحياة اليومية لملايين الفلسطينيين الذين كانوا الضحية الأولى للحصار الذي فُرض على الحكومة التي انتخبوها. والمهم هنا هو التأمل في مقادير الواقعية التي أحاطت بحماس من كل جانب، ووضحت بجلاء تعقيدات الوضع الفلسطيني واعتماده على المساعدات الغربية بالدرجة الأولى (وليس العربية والإسلامية)، وكذا تعقيدات الوضع الإقليمي والدولي إزاء المسألة الفلسطينية، والإمكانات الفعلية للتحرك ضمن الهوامش الضيقة، ومن ثم كرست واقعية حماس وممارستها.
نجاح حماس في بقائها موحدة
مما لا شك فيه أن عددا لا يُستهان به من الاكتشافات الصادمة لم يتح لحماس أن تطبق برنامجها الانتخابي الذي شاركت على أساسه في الانتخابات التشريعية. لكن ربما أمكن القول أنه لولا الأرضيات الثلاث -التي ذكرت أعلاه- المؤسسة لقدرة كبيرة عند حماس على التأقلم الواقعي ومحاولة اجتراح معادلات حساسة بين ما هو أيديولوجي وما هو برجماتي، لكان مصير الحركة قد آل إلى التمزق والانشقاقات. من أجل هذا قد لا نجانب الصواب إن اعتبرنا أن النجاح الأكبر لحركة حماس خلال العام الماضي هو مرورها بهذه التجربة الصعبة والمفاجئة من دون أن تتصدع، والبقاء موحدة.
ولتوضيح هذا التقدير علينا أن نتأمل فيما يلي: يُعد قرار المشاركة في الانتخابات بحد ذاته افتراقاً إستراتيجيًّا عن الموقف التقليدي لحماس المعارض لاتفاق أوسلو، والمؤسسات التي أفرزها بما فيها المجلس التشريعي. وتأكيدا لهذا الموقف كانت حماس قد رفضت المشاركة في انتخابات عام 1996 على اعتبار أنها ناتج من نواتج أوسلو، وبهدف تكريس إحدى مؤسساته (المجلس التشريعي). وفي عام 2006 وضعت حماس كل جهدها للمشاركة في نفس الانتخابات، رغم أنها حاولت تسويغ ذلك بالقول بأن عملية أوسلو واتفاقاتها قد انتهت وماتت، وأن الانتخابات تجرى بعيداً عنها.
وفي سياق الدفاع السياسي والديني عن الموقفين، كل في وقته، كان بعض علماء الدين القريبين من حماس قد أفتوا بحرمة المشاركة في الانتخابات الأولى، فيما شددوا على وجوب المشاركة في الانتخابات الثانية، بما يشير للحاق الديني بالسياسي عند حماس، وليس العكس كما يظن الكثيرون. المهم هنا أن مثل هذا القرار كان من الممكن أن يخلق توترات كبيرة داخل حماس، خاصة أنه ترافق مع تكرس التهدئة من طرف واحد تقريباً بما يعني تكبيل الجناح العسكري عند حماس عن العمل.
بعد فوز حماس وتشكيل الحكومة نشأت تحديات هائلة، أولها فلسطينية داخلية إثر رفض كل الفصائل الفلسطينية مشاركة حماس في حكومتها، ثم ما تلا ذلك من توترات وإضرابات ضد حكومة حماس، وصلت في أسوأ لحظاتها إلى الاحتراب العسكري وسقوط العشرات من فتح وحماس في قطاع غزة، وخلال فترات هذا التوتر كان قرار حماس موزعاً بين الداخل والخارج، بين قادة حماس في السجون وقادتها خارج السجون، بين قادة حماس السياسيين وقادة حماس العسكريين، وكان من المحتمل أن يوفر هذا التشتت في صناعة القرار أجواء "مثالية" للانشقاقات، خاصة في ظل مرحلة انعطافية حادة، لكن حماس تجاوزته بنجاح أيضا.
ثاني تلك التحديات هو الحصار الدولي المضروب على الحكومة في ظل ظرف إقليمي بالغ الحساسية حيث التوتر الأمريكي الذي بلغ ذروته في مناخ الفشل العسكري والسياسي في العراق، وعلى خلفية تصاعد النفوذ الإيراني في المنطقة. وكانت حماس تعمل وسط ظروف كلها شد وجذب بين محورين: المحور الإيراني- السوري، والمحور المصري- السعودي، وكان ميلها إلى هذا المحور أو ذاك معناه توترات إضافية داخل حماس، وضد حماس أيضاً، خاصة مع اختطاف الجندي الإسرائيلي شاليت، والأهمية التي صار يتمتع بها ملف تبادل الأسرى، وفيما إن كانت حماس الداخل أو الخارج هي السيطرة عليه.
ثالث تلك التحديات تمثل في الخطاب السياسي الذي شعرت حماس بأنها يجب أن تتبناه لكسر الحصار الدولي أو تخفيفه على أقل تقدير، هنا أيضا كان على حماس أن تقوم بنقلة كبيرة تلتف من خلالها حول الشروط الثلاثة القاسية التي وضعتها لها اللجنة الرباعية (الاعتراف بإسرائيل، والالتزام بالاتفاقات السابقة، ونبذ العنف)، وكانت عملية الالتفاف هذه محفوفة بمخاطر سياسية وتنظيمية كبيرة، وتمت عبر وثيقة الوفاق الوطني (المتأسسة على وثيقة الأسرى)، ثم ترسخت عبر برنامج حكومة الوحدة الوطنية الذي تم التوافق عليه في اتفاق مكة.
وربما أمكن القول هنا: إن هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه حماس الآن: الخطاب والبرنامج السياسي الذي اقترب من برنامج منظمة التحرير، ووسع التهدئة لتشمل الضفة الغربية إلى جانب قطاع غزة، فبعض قادة وأفراد الحركة يرون الآن أنها قد قدمت تنازلات كبيرة على صعيد الموقف السياسي، وأنها بإعلانها "احترام" الاتفاقات السابقة فإنها عمليا تندرج في سياق العملية السلمية واتفاقات أوسلو. وهذا يضيف أيضاً توترات داخلية قد تهدد وحدة الحركة.
وعلى العموم ومن دون التورط بتوقعات ورسم سيناريوهات مستقبلية- يمكن القول إن الاختبار الكبير الثاني الذي تمر به حماس الآن، بعد اختبار السيطرة على الحكومة في العام الماضي، هو اختبار صيانة مشروع حكومة الوحدة الوطنية وإنجاحه، ونجاح حماس سيتمثل في استمرار الحكومة وصمودها لمدة السنوات الثلاث القادمة، والنجاح الأكبر سيتمثل في عقلنة الخطاب الفلسطيني وتوحيده على برنامج سياسي وطني موحد، وتضييق الهوة بين الخطاب الوطني الفلسطيني والخطاب الإسلامي الفلسطيني.
وبكل الأحوال قدمت تجربة حماس في الحكم -وما زالت تقدم- فصولاً ثرية في مسألة تعامل الإسلاميين الوسطيين مع السياسة. فهنا تتواضع الشعارات الكبيرة، ويصبح تنافس الإسلاميين مع خصومهم في أي ساحة وطنية قائماً على أساس البرامج السياسية وليس الوعود الكبرى، أو استخدام الشعارات الدينية والعاطفية، وهذا كله يعمل على إنضاج التجربة الديمقراطية في أي حالة من الحالات؛ حيث يتم تجريد الحركة الإسلامية (هنا أو هناك) من سلاح استخدام الشعار الديني وتوظيفه للحشد الانتخابي، ومن ثم خوض غمار المنافسة على قاعدة التساوي السياسي بين الإسلاميين ومنافسيهم.
ولأن حماس هي الحركة الإسلامية الوحيدة التي وصلت للحكم في العقود الأخيرة عن طريق الانتخابات الديمقراطية الحرة والنزيهة؛ فإن فصول التجربة وخلاصاتها سترسم علامات استرشادية مهمة يمكن عبرها فهم وتوقع بعض مسارات الإسلام السياسي الوسطي في المنطقة، خاصة على صعيد نوعية البرامج السياسية والاجتماعية المتبناة، وسياسات التحالف وبناء العلاقات الإقليمية والدولية، ومصالحة الأيديولوجي مع السياسي البرجماتي، والاعتراف بالآخر والتعامل معه ديمقراطيا، وكذلك إدارة الشأن التنظيمي الداخلي بصورة ديمقراطية، وتخطي عقبات الانشقاق أو الوقوع فيها، وغير ذلك من جوانب تكون آمنة وغير مُستثارة عندما تتمتع هذه الحركات بترف العيش في المعارضة، وانتقاد الوضع القائم والدعوة إلى تغييره، من دون أن تتورط في ذلك عمليا ويوميا.
باحث وأكاديمي فلسطيني، مدير مشروع برنامج الإعلام العربي بجامعة كامبردج، صاحب كتاب: "حماس.. الفكر والممارسة السياسية".
|