|
| المعارضة تعتبر التعديل الدستوري بمثابة انقلاب |
رغم أن تعديل 32 مادة دستورية من بين 211 في الدستور المصري، ليس سوى حلقة من سيناريو حكومي عام يضم عدة حلقات متتابعة، ويستهدف ضبط الساحة السياسية بشكل يستهدف بالدرجة الأولى حصار جماعة الإخوان ومنعها من مزاولة أي نشاط سياسي تنافسي أمام الحزب الحاكم بعدما ظهرت كمنافس قوي منذ 2005، فإن إقرار هذه التعديلات سوف يخلق وضعا وحالة سياسية جديدة تتطلب الرصد والدراسة.
صحيح أن السياسيين والخبراء ينقسمون، بين من يتوقع حدوث تغييرات مستقبلية سلبية أو إيجابية على الساحة السياسية المصرية، ومن يتوقع - مثل د. جلال أمين أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأمريكية - أن يظل الأمر على ما هو عليه بدون تغييرات وتداعيات كبيرة، لكن رسم صورة متخلية لسيناريوهات ما بعد التعديلات بات أمرا ملحا لأنه يعطي تصورات مستقبلية عن ملامح المرحلة القادمة.
وإذا ما استبعدنا – مبدئيا- السيناريو الذي يقول بأنه لا جديد سيحدث، وأن الأمور ستسير كما هو مقرر ومخطط له من جانب الحزب الوطني الحاكم، فإنه يمكن الحديث هنا عن نوعين من التوقعات.
توقعات آنية وسريعة
تتعلق التوقعات على المدى القريب ببعض الأمور منها:ـ
1 ـ تقنين أو تطبيع "الاستثناء" في الحياة السياسية المصرية وجعله "دائما"، أي جعل هذه الأوضاع الاستثنائية أوضاعًا طبيعية، مثل تطبيع حالة الطوارئ، وتطبيع المحاكم العسكرية، وتطبيع استبعاد الإشراف القضائي، وتقنين التصنت ومراقبة الحريات الشخصية للمواطنين بحجة محاربة "الإرهاب".
2 ـ تحجيم جماعة الإخوان المسلمين والتضييق عليها أمنيا بقانون الطوارئ وضرب القوى الإسلامية الصاعدة عموما، عبر سلسلة قوانين مستمدة من التعديلات الدستورية المقبلة مثل سن قانون جديد للانتخابات بالقائمة النسبية بدل القانون الفردي الحالي، ما يضيق الخناق على مرشحي الإخوان، بل وتغطية أو سد الثغرة التي ينفذ منها مرشحو الإخوان وهي التحالف مع الأحزاب القائمة والنزول على قوائمها الانتخابية عبر التهديد بحل الأحزاب القائمة التي تتحالف معهم.
ونشير هنا لتطور ذي صلة يستهدف منع نزول الإخوان على قوائم الأحزاب المصرية في الانتخابات المقبلة، وهو إحالة صفوت الشريف رئيس مجلس الشورى إلى لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بالمجلس "اقتراحا برغبة" قدمه النائب عن حزب "الأحرار" محمد فريد زكريا حول استطلاع رأي الحكومة بشأن عدم تنفيذ القانون رقم 40 لسنة 1977، والخاص بفرض عقوبات على الأحزاب التي تتحالف مع قوى سياسية محظورة، حيث جاء في اقتراح النائب محمد فريد زكريا المنشور بصحيفة "الجمهورية" الرسمية الأربعاء 21 مارس 2007 "إن قيام بعض الأحزاب بالتحالف مع جماعة الإخوان المحظورة أو الترويج لها أو فتح الصحف الحزبية لتسويق فكرها يتعارض مع القانون رقم 40 لسنة 1977 الذي ينص على عدم انتماء أي من مؤسسي أو قيادات الحزب أو ارتباطه أو تعاونه مع أحزاب أو تنظيمات أو جماعات معادية أو مناهضة لمبادئ القانون". وينص القانون هنا على أنه "يجوز لرئيس لجنة شئون الأحزاب السياسية بعد موافقتها أن يطلب من المحكمة الإدارية العليا الحكم بصفة مستعجلة حل الحزب وتصفية أمواله وتحديد الجهة التي تؤول إليها هذه الأموال".
3 ـ تحول في وظيفة الدولة من دولة "راعية" إلى دولة ليبرالية "جابية" بعد تغيير الطابع الاشتراكي والدور الاجتماعي للدولة، و"تخصيص" الخدمات والانطلاق في برامج رجال أعمال، ما قد يعمق الهوة بين الأغنياء والفقراء ويزيد من حالات الإحباط بين الفقراء، ومن ثم تزايد المظاهرات والإضرابات والاعتصامات العمالية وغيرها.. وهو ما ظهرت بوادره في صورة إضرابات عمالية عديدة مطلع العام الجاري 2007.
وقد تصب التعديلات الدستورية الأخرى الخاصة بالتعامل أمنيا وبعنف مع مثل هذه الحالات ـ عبر قانون الإرهاب ـ الزيت عليها لتمتد لاضطرابات عنيفة في الشارع يشارك فيها السياسيون والقوى المعارضة بدعوى أن أبواب التغيير السلمي سدت في وجهها.
4 ـ يتوقع مع صعود دور رجال الأعمال أن يثمر تزاوج الثروة والسلطة في إنتاج جيل جديد برجماتي في السلطة لا يعول كثيرا على الثوابت التاريخية للأمة أو يعتبر قضية التطبيع مع إسرائيل مشكلة باعتبار أن رأس المال ليس له هوية. وهو ما قد يرفع من حالة الاحتقان السياسي والشعبي خصوصا بين الطبقات الوسطى التي تحولت لطبقات فقيرة في ظل الفرز الاقتصادي العنيف في الساحة الاجتماعية المصرية. ولعل ذلك ما دفع الدكتور ثروت بدوي- أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة- للقول أن "اللصوص من رجال الأعمال والمرتمين في أحضان الحزب الوطني هم المستفيدون من هذه التعديلات مقابل حرمان 99% من الشعب المصري من حقوقه السياسية"، وأن "المنادين بالحرية والديمقراطية وسيادة القانون هم المقصودون بهذه التعديلات لإسكاتهم والزج بهم في المعتقلات تحت مسمى الإرهاب".
توقعات طويلة الأمد
تتعلق هذه التوقعات بعدد من الأمور منها:ـ
1 ـ أفسحت التعديلات الدستورية بشكل عام الطريق أمام سيناريو توريث الحكم بقوة، وأزالت عقبات أمام تطبيق هذا السيناريو بصرف النظر عن استمرار نفيه من قبل المؤسسة الرئاسية. ومن تلك العقبات (الإشراف القضائي وتحجيم دور القضاة – إبعاد الإخوان عن الانتخابات عموما – تدجين المعارضة وإغوائها بقانون انتخابي يعطي لها مقاعد أكثر – إلغاء منصب نائب الرئيس وتصعيد رئيس الوزراء – تحجيم دور الجيش من خلال إعادة تحديد دوره في الدستور بحفظ الأمن الخارجي فقط، ومن ثم ترتيب الساحة لتصعيد رئيس مدني يكون هو الأول منذ ثورة 1952.
2 ـ أصبح حل البرلمان واردا وبقوة في أعقاب التعديلات الدستورية ليس فقط لأن وجوده أصبح متعارضا مع التعديلات الجديدة، ولكن لأن التعديلات تسمح لرئيس الدولة بحل مجلس الشعب دون الرجوع للناخبين. ورغم نفي جمال مبارك ذلك، ورفض الإخوان فكرة الاستقالة من البرلمان لأنها تقدم المبرر للحكومة لحل البرلمان، فهناك توقعات كبيرة بحله، مع ادخار التوقيت المناسب للجدول الزمني الحكومي.
3 ـ خلقت التعديلات أمرا واقعا (دستوريا) داخليا يصعب تعديله بسهولة أمام الضغوط الخارجية المطالبة بالإصلاح خصوصا في ظل حاجة أمريكا للدور المصري الإقليمي وتغاضيها عن نشر الديمقراطية كأولوية في سياستها الخارجية. وهنا فإن توقيت التعديلات مقصود يستغل حالة التخبط الأمريكية وتزايد حاجة أمريكا للدور المصري الإقليمي، لكن الثمن الذي ستدفعه مصر بالمقابل سيكون مزيدا من الالتزام بـ "تحالف المعتدلين" الذي دشنته واشنطن في المنطقة العربية، ومزيدا من انهيار الدور الخارجي للدولة المصرية.
4 ـ من المتوقع أن يحدث مزيد من التضييق والحصار والتحجيم، وربما التحويل لمجلس الصلاحية (التأديب) للقضاة الإصلاحيين، خصوصا بعد "إنهاء" دورهم الرقابي ـ بالدستور ـ على الانتخابات والذي كان يقلق الحكومة.
5 ـ لن يتم فقط منع إنشاء أحزاب على أسس دينية إسلامية أو مسيحية، وإنما حظر أي "نشاط" سياسي للتيارات الإسلامية أو المسيحية بعدما تم النص على هذا في الدستور. وفي حالة كهذه، ومع ضيق مساحات التعبير وحظر الحركة، فإن ثمة قلق من عودة بعض الاضطرابات الطائفية التي وقعت على فترات سابقة، ويتوقع أن تزيد حدة الاحتقان العام في البلاد من قبل المعارضين والقوى الدينية.
6 ـ انهيار "النخبة"، وهو أمر متوقع أن يزيد في ظل التحجيم المستمر للنخب السياسية والعلمية والكفاءات خصوصا ذات التوجه غير الحكومي، لصالح الموالين للحكومة، ويترتب على هذا مخاطر داخلية بتعلية شأن الموالين غير الأكفاء وضرب الكفاءات حتى لو كانوا علماء أو رجال أعمال أو سياسيين.
السيناريو المتوقع حدوثه بالتالي، من قبل العديد من المحليين والمفكرين، في أعقاب إقرار التعديلات الدستورية الأخيرة سوف تكون له آثار عاجلة وسريعة متمثلة في إصدار حزمة قوانين سياسية، ما كان لها أن تصدر سابقا خشية العور الدستوري لها، وتتعلق بكيفية إجراء الانتخابات وإنهاء الإشراف القضائي، وبتغيير قانون الانتخابات لتصبح بالقائمة الحزبية النسبية، وبحظر تحالف الأحزاب القائمة مع جماعة الإخوان المسلمين.
أما آثار تلك التعديلات على المدى البعيد، فهي وإن كانت أكثر غموضا، إلا أنها وبالمثل غموضها أكثر إثارة للقلق، لأن ما كان محظورا دستوريا من قبل سيصبح دستوريا ولا يجوز الطعن عليه، وسيصبح المعارض له ليس فقط "معارضا"، وإنما خارج عن إجماع "الأمة" الذي يمثله الدستور، وما يستتبعه ذلك من التنكيل بالمعارضين وزيادة حدة الاحتقان الداخلي.
والخطورة الأكبر أن هذا السيناريو قد يقود للعنف ضمنا، ليس فقط من قبل المعارضين الذين باتوا يشكون من استبعادهم من العملية السياسية وانفراد الحزب الوطني الحاكم وعدم وجود سبل للتعبير أمامهم خصوصا المستقلين وغير المصنفين حزبيا، وإنما أيضا من جانب (المهمشين) اجتماعيا واقتصاديا والذين يتزايد عددهم بقدر تزايد فقرهم، دون أن نغفل أن هناك تيار إسلامي آخر (سلفي شبابي) متصاعد، من غير المنتمين لجماعة الإخوان، وهو تيار غير منظم وساخط ليس فقط على الفساد السياسي، وإنما على انهيار القيم الاجتماعية والظلم الاقتصادي ويحمل الحكومة مسئولية كل ذلك!.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|