English

 

الأربعاء. سبتمبر. 6, 2006

حواء و آدم » للرجال فقط

 

عباس ناصر: تغطية الحرب لحظة جنون

مجاهد شرارة

عباس ناصر ومجاهد شرارة
عباس ناصر ومجاهد شرارة

لم يختلف كثيرًا خلف الكاميرا عن أمامها فتراه هادئًا رغم ثورته وساكنًا رغم كثرة نشاطه يعتلي نبرته الحزن والأسى وهو يتحدث عن مجزرة قانا، وترى الحنين والحب عندما يتذكر بكاء والدته على الهاتف أيام الحرب. انتهى العدوان الإسرائيلي الغاشم وتوقف إطلاق النار إلا أن ما حدث لعباس وما شاهده ونقله لن ينساه أبدًا.. وإذا كانت الحرب قد خلّفت جرحى وقتلى من الأطفال والنساء والشيوخ إلا أن صمود المقاومة حتى آخر يوم فاجأ الجميع وكان عنوانًا ينهل منه المراسلون جميعًا..

إعلامي بالصدفة

عباس ناصر شاب لم يكمل عامه الثلاثين بعد، كانت دراسته في علم الاجتماع ودخل إلى الإعلام عن طريق الصدفة، فمن خلال نشاطه الطلابي أشار عليه أحد زملائه بالكتابة لبعض الجرائد المحلية، وبالفعل كتب عباس بعض المقالات التي كانت الخطوة الأولى لدخوله المجال الإعلامي الذي أحبه وتعلق به وأصبح مهنته التي يسترزق منها ورسالته التي يؤمن بها كمراسل يجب أن ينشر الحقيقة كما هي بدون إفراط أو تفريط...

يقول عباس: كنت مراسلاً لإذاعة البحرين لمدة سنتين، وكتبت لبعض الصحف المحلية وانتقلت للجزيرة أول عام 97، وعملت كمراسل لها في طهران، ثم انتقلت إلى وطني لبنان.

وعندما دقت أجراس الخطر وبدأت الحرب تدق أبوابها تحرك فريق الجزيرة لتغطية الحرب السادسة، وكان لعباس نصيب كبير منها.. أضاف عباس: بدأت بتغطية الضاحية الجنوبية أول 10 أيام من الحرب، وعند بداية المجازر مثل قرية دوير في الجنوب توجهت وأرسلت رسالة إنسانية من الجنوب اللبناني، ثم عدت لتغطية الحرب من الضاحية الجنوبية مرة أخرى.

بعد ذلك توجهت إلى منطقة مرج العيون وتعرضت سيارتنا لغارات طيران أعاقت وصولنا فعدنا للجنوب مرة أخرى، ومكثت بالجنوب 26 يومًا تشمل أيام الحرب وبعد وقف إطلاق النار.

يوم في حياتي

وعن كيفية قضاء يومه كمراسل أيام الحرب أوضح عباس أن يومه كان متباينًا فيقول: عندما كنا في صور وقت ما حاصرونا في مكان يفترض أنه مكان سياحي، كنا نتخذه للنوم والإقامة، وكنا نقوم بعملنا من خلال الهاتف وننقل رسالتنا بشكل روتيني، وهناك أيام أخرى نبدأ من الساعة 7 صباحًا حتى الواحدة مساء.

سأحكي لك كيف كان يومي وقت وقف إطلاق النيران...

توجهنا مباشرة من صور ورصدنا حركة وقف إطلاق النار الساعة الثامنة صباحًا، ثم حدثت غارة جوية إسرائيلية في منطقة قريبة من مخيم البرج الشمالي هو مخيم فلسطيني فانتقلنا إليها، ثم توجهنا إلى الطريق الساحلي ووضحنا للمشاهد القنابل العنقودية التي وضعتها القوات الإسرائيلية على الطريق، ثم ذهبنا لرأس الناقورة وهي أقصى نقطة حدودية، وكانت ما زالت هناك بعض الأمور متوترة، ولم يكن هناك أحد لا قوة حدودية ولا أي شيء آخر كانت تشبه لحظة جنون، لكن لحظات الجنون تأتي بالسبق، وصورنا أيضا منطقة البوري التي حدث بها اشتباكات متواصلة حتى الليلة الأخيرة.

ثم توجهنا إلى عيت الشعب وصورنا بناية بها ثلاث ضحايا تحت الأنقاض، ثم ذهبنا إلى تلة الطيرية وكان بها دبابة إسرائيلية صورناها وتوجهنا إلى يارين، ورأينا كيف قامت القوات الإسرائيلية بإنشاء طرق فرعية حتى تتحاشى العبوات الناسفة التي زرعها رجال المقاومة على الطرق.

تلى ذلك منطقة بنت جبيل صورنا ثلاث جثث لضحايا ليسوا تحت الأنقاض، بل في بيوتهم التي لم تتهدم ومع أقاربهم ورغم موتهم منذ أربعة عشر يومًا، إلا أن أقاربهم لم يستطيعوا دفنهم من كثرة الغارات.

كما صورنا أحد الأهالي أخذ الجيش الإسرائيلي أهله كدروع بشرية، ووجدنا الأهالي في حالة خوف ورعب شديدين، ويقولون إن اليهود ما زالوا موجودين بالقرية مختبئين في البيوت فقررنا أن نذهب ونشاهد الأمر عن قرب..

فوجدنا اليهود واضعين مذياعًا كبيرًا يحدث صوتًا وهمسًا ومكبرات الصوت تعمل لنقل أصوات إلى أهالي القرية حتى يتأكد الجميع أن اليهود ما زالوا موجودين وهذا أسلوب ترهيب نفسي.

ثم ذهبنا لعيت الشعب وكان المشهد مرعبًا ومؤثرًا.. دمار شديد ورغم ذلك ما استطاع اليهود الاستيلاء عليها، وهناك قابلنا لأول مرة مقاتلي حزب الله وأجرينا مقابلة على الهواء مباشرة، وكانت أول مرة خلال الحرب نقابل مقاتلي حزب الله، ثم عدنا على صور لعمل التقرير ووصلنا الساعة العاشرة مساء، وما أكل أحد منا شيء منذ الصباح، وقمنا بإنجاز التقرير الساعة الثانية عشرة مساء وأرسلناه للدوحة ويعتبر هذا أطول يوم عمل من قرية إلى ضيعة إلى مقابلة، وهكذا...

لكن الممتع في الموضوع رغم أنك تنقل مشاهد فيها حزن وأسى، ولكن أيضا تنقل الحقيقة أن الحرب انتهت، وما استطاع الجيش الإسرائيلي احتلال قرية أو بلدة وما استطاعت أن تهزم لبنان.

أول مرة أخاف

شعر عباس بالخوف عندما كان يتنقل على الطرقات في المنطقة الحدودية، ويتذكر كيف أنه في المرة الثانية التي ذهب فيها للجنوب تعرض موكبهم للقصف الإسرائيلي وصارت غارات كثيفة، وعندما قرروا العودة دلّهم أهل البلدة على طريق فرعي سارت به السيارة لمدة نصف ساعة، وكان يخشى أن تظن الطائرات الحربية الإسرائيلية أن هذه السيارة تابعة لحزب الله ورجال المقاومة فتقوم بقصفها لكن الحمد لله عُدنا سالمين.

هل أنت حيادي؟!

أما عن وجهة نظره في حيادية الإعلام يقول:

كنا حياديين في نقل الوقائع بدقة لم نشوّه الوقائع على الإطلاق وننقلها بأمانة كاملة، بمعنى إذا كان شهداء قانا 27 نقول ذلك، وإذا دخل الجيش الإسرائيلي لعمق 12 كم نقول هذا أيضًا؛ لأن الخبر أمانة ويجب على كل مراسل أن ينقل الأحداث كما هي دون زيادة أو نقصان.

أما عن الانفعالات والتحليل ووضع الخبر في سياق معين أعتقد أنها مساحة مشروعة للمراسل، وعلى المشاهد أن يحكم مع التأكيد على الأمانة في نقل الخبر.

قانا والدموع

وعن مشاعره أثناء نقل التقارير عن الحرب فيقول:

دمعت عيناني في قانا.. ألا يعتبر هذا حيادية؟، إذا كانت المسألة بين آلة الحرب والأطفال فلا بأس ألا أكون حياديًّا؛ لأنني أنحاز إلى الأطفال.. إنه انحياز للفطرة وحتى ذلك متاح على مستوى القوانين الدولية التي تؤكد على حياد الأطفال في الحرب.. فأنا لا أخالف الفطرة ولا أخالف القوانين الدولية، من الصعب أن يكون الإنسان حياديًّا مع هذه المناظر.

ويضيف عباس.. قانا كانت أصعب رسالة أنقلها للمشاهدين عبر الجزيرة، وإذا كان للإعلام من رسالة ليوقف الحرب فأعتبر أن رسالتي عن قانا ساهمت بشيء بسيط جدًّا في ذلك.

إسرائيل لأول مرة تقاتل

انتهت الحرب، ولكنها تركت معالم في إدارك عباس ناصر الذي يقول: أول شيء شعرت به هو أن إسرائيل أول مرة تقاتل وأول مرة تدخل حربًا حقيقية.. فدائمًا كانت تقصف وتدخل إلى الأراضي العربية بسهولة أما في هذه الحرب فهي تقصف وتقصف ولا تستطيع أن تدخل عيت الشعب البلدة الصغيرة.. والأهم أن الصورة الأسطورية لإسرائيل ربما انتقلت بشكل أو بآخر لمقاتلي حزب الله، فنحن لم نستطع رؤية رجال حزب الله على الإطلاق منذ بداية الحرب وحتى نهايتها، وهذه مسألة ليست بسيطة.. لا تستطيع قوة أن تختفي أمام الجميع وتقاتل إسرائيل بهذه الكفاءة فهذا أمر لافت.

ثانيًا: كنا نرى الصواريخ من جنوب لبنان تجاه إسرائيل فتأتي الطائرات الإسرائيلية وتقصف هذه المنطقة، ثم تخرج صواريخ حزب الله مرة أخرى من نفس المكان كنا نرى التحدي والإصرار، وعن العوامل التي يراها عباس ناصر والتي ساعدت رجال حزب الله في صد العدوان الإسرائيلي وتكبيده خسائر بشرية ومادية كبيرة فيقول: هناك عاملان أساسيان عامل بشري نفسي، فالمقاتل حاضر للموت كي ينتصر دفاعًا عن دينه وأرضه، وعامل بشري تنظيمي فالكفاءة والحرفية والمهنية والجاهزية بالعتاد والسلاح والخنادق وغيرها من المفاجآت التي أعدها رجال حزب الله لحرب إسرائيل.

عندما بكت أمي

يتنهد عباس ويتذكر كيف كانت تبكي والدته وهي تتواصل معه عبر الهاتف، وكيف كانت العائلة جميعًا مشتتة، فزوجته الصحفية فاطمة تعمل بقناة العالم، وطفلته التي لم تكمل عامها الثاني بعد، ووالدته التي كانت دائمًا تقول له (دير بالك على حالك) كل هذا حاول عباس ألا يفكر فيه كثيرًا؛ لأنه كان منشغلاً بالعمل ومتابعة الموقف، وكان يعمل بنهَم، بل يؤكد أن العمل هو الذي ينهم عليهم، ويتذكر خبر قصف القافلة الصحفية وكيف كان شعور كل من يعرفونه بالقلق عليه، فلم يصمت الهاتف لحظة فالجميع يريد أن يطمئن عليه.

بعد وقف إطلاق النار

بعد وقف إطلاق النار ورغم سرعة تتابع المشاهد فإن عباس لن ينسى كيف كان يستقبله أطفال إحدى القرى ليسألونه عن الخبز، وفي بنت جبيل وجد امرأة عجوزًا لم تأكل منذ سبعة أيام فأعطوها بعض الماء لتشرب وحملوها لمكان قريب، فالتفتت إليهم وسألتهم هل انتصرت المقاومة.. وفي قانا رأوا امرأة قصف بيتها وهي وعائلتها داخله، فزالت الركام من على قدميها وقامت وساعدت ابنها حتى أخرجته من تحت الركام، وكان زوجها قعيدًا فجاهدت حتى أخرجته أيضًا، وبدأت تبحث عن ابنتها الصغيرة فلم تجد غير يد ممدودة من تحت الركام، وكانت قواها قد خارت فسقطت بجوارها وقبّلت يدها، وقالت لا أستطيع فعل شيء من أجلك، ورغم ذلك قالت لعباس كلنا فداء للمقاومة التي رفعت رؤوسنا وحمت بلدنا وردت كيد المعتدين. يؤكد عباس أن الجنوبيين كانوا على قدر كبير من العزم وأنهم ما انكسروا أو انهزموا، بل رفعت المقاومة رأس العرب جميعًا.


محرر في ساحة الحوار بشبكة "إسلام أون لاين.نت"، ومراسل الشبكة في بيروت، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للصفحة: adam@iolteam.com  

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم