|
| بالفعل بت أغار من كرة القدم!! |
لم تستطع هبة محمد إخفاء فرحتها عندما سمعت زوجها يقول: إن الدور الأول من مونديال كأس العالم قد انتهى، حيث ظنت أن البطولة قد انتهت برمتها، وأن النظام الأسري سيعود لطبيعته التي كان عليها قبل تاريخ 9 يونيو 2006، وهو اليوم الذي تعتبره نكبة حلت بعائلتها الصغيرة.
لكن فرحة هبة (غير الخبيرة بشئون كرة القدم) لم تدم طويلا عندما أدركت أن انتهاء الدور الأول ليس إلا بداية لمسلسل جديد من المباريات الحاسمة بالنسبة للفرق المشاركة في المونديال ومسلسل جديد من "النكد" و"الغم" الذي بات سمة العلاقة التي تربطها بزوجها.
مصطلحات عائلية
تقول هبة: "تغير كل شيء في بيتنا منذ أن بدأت البطولة قبل أسبوعين تقريبا، نصحو وننام على "الفطبول" ليس لزوجي حديث معي ومع أبنائنا وحتى جيراننا وأقاربنا إلا عن المونديال، من سيلعب الليلة؟ ومن فاز ومن خسر؟ ومن سجل هدفا ومن أضاع ركلة جزاء؟!!!...".
وتضيف "أصبحت هذه هي المصطلحات العائلية الجديدة التي تسيطر على 99% من كلامنا... أنا بالفعل بت أغار من كرة القدم، ولو تزوج زوجي امرأة أخرى لما كرهتها بقدر ما أكره كرة القدم...".
وتصف هبة وهي أم لثلاثة أكبرهم انتهى السبت 24-6-2006 من تقديم آخر امتحان في الثانوية العامة الفرع العلمي زوجها -48 عاما- بأنه "مفتون بالكرة وعاشق لها لحد الجنون".. وتمضي تسرد معاناتها مع الدائرة المستديرة "رغم أننا متزوجان منذ أكثر من 20 عاما وخلال هذه الفترة مرت علينا كؤوس عالم كثيرة، لكنني لم أره مشدوها بهذه البطولة لهذا الحد إطلاقا.. في الماضي وخاصة في بداية حياتنا الزوجية عندما كان شابا كان يتابع بعض المباريات في أوقات متباعدة، ولا يلقي بالا لمن فاز أو خسر، لكنه اليوم تغير تماما وبات مستعدا لأن يسهر طوال الليل حتى لا تفوته مباراة".
وعما أنتجته هذه الحالة على حياتهم الأسرية، تنهدت هبة قليلا ونظرت على السماء كأنها تريد القول "الله أعلم بحالنا"، تتنهد من جديد، وتقول: "لقد قلبت حياتنا رأسا على عقب، لم يعد يهتم بشئون البيت ولا الأبناء ولا حتى أنا، نخرج جميعا في الصباح وهو نائم بعد أن سهر طويلا وهو يتابع المباريات والتحليلات الرياضية، وما إن يعود من عمله بعد العصر حتى يتمترس أمام شاشة التلفزيون لحضور المباريات، ولا يرفع عينيه عنها إلا في ساعة متأخرة من الليل، وينام وهكذا دواليك".
وتضيف هبة وقد بدت جدا منزعجة من حال زوجها "اهتمامه بالبطولة فاق التوقعات، فهو يحمل في جيبه جدولا خاصة بالمونديال يضم كافة المباريات وأوقاتها ويسجل عليها النتائج.. كنت أتوقع أن يهمل كل شيء إلا ابننا محمود الذي يقف على أعتاب مرحلة مفصلية في حياته الدراسية وهو يقدم امتحان التوجيهي، إلا أنه لم يكلف نفسه عناء سؤاله ماذا فعل في الامتحانات وكيف كانت إجاباته.. بت أكره البيت والتلفزيون والرياضة، ولكنني عاجزة عن فعل شيء، فليس لي مكان إلا بيتي وأبنائي، وأدعو الله أن يهدي زوجي ويلهمه الصواب".
أعيش في ملل
عجزنا عن إيجاد قصة معاناة مشابهة لقصة هبة، فهي برأي أم أحمد عمر -التي تعاني من "وجع رأس" المونديال- حالة "غريبة عجيبة" ونادرة الحدوث، لكنها في الوقت نفسه تقر بأنها هي الأخرى تقاسي مع زوجها ولعه وشغفه بكأس العالم على حساب أمور تبدو برأيها أكثر أهمية.
فأم أحمد شابة في الثلاثين من عمرها ولديها طفلان، كان يعمل أبوهما لوقت متأخر في تصليح السيارات، لكنه ومنذ انطلاق البطولة أصبح يعود مبكرا ويأخذ دشا باردا ويتهيأ لحضور المباريات بحماسة كبيرة.
تقول أم أحمد "لست من هواة كرة القدم، وأمّل جدا من مشاهدتها على عكس زوجي الذي لا يفوت لقطة". وعن انعكاسات ذلك على وضعهم الأسري أوضحت أن علاقتهما باتت تتسم بالبرود، فهي مشغولة ببيتها وطفليها وهو مشغول بكرة القدم. وتضيف "حتى أن كأس العالم بات الموضوع الوحيد الذي يحدثني عنه، فحفظت أسماء اللاعبين والمدربين والفرق والملاعب من كثرة ما يرددها على مسامعي".
وفكرت أم أحمد بطريقة لكي تسلي نفسها وأطفالها وتتفادى التصادم مع زوجها بأن أعدت جدول زيارات لأقاربها وجيرانها، حيث تقول "في الأيام الأولى للمونديال كنت أشعر بالوحدة، رغم وجود زوجي في البيت إلا أنه يجلس في غرفة التلفزيون ويتركني وحيدة.. كنت أملأ وقتي بأعمال المنزل من تنظيف وترتيب وكي للملابس، إلا أن الملل بات يسيطر علي، وفي إحدى المرات جلست في غرفتي أبكي دون أن يسمع صوتي، عندها فكرت في طريقة أتغلب بها على معاناتي، فقررت أن أزور في كل يوم بيتا لأحد معارفي، ونفذت الخطة منذ ثلاثة أيام، والحمد لله أنا الآن في حالة أفضل".
عريس جديد
إيمان عروس لم يمضِ على زواجها أكثر من شهر، تعاني أيضا من إهمال زوجها وتفضيله لكرة القدم عليها، حيث يذهب في كل ليلة إلى بيت أهله لحضور المباريات ويتركها وحيدة في البيت ولا يعود إلا في ساعة متأخرة. تقول: "زوجي ليس الشخص الوحيد الذي يعشق كرة القدم، فهي كما يسمونها (معشوقة الجماهير)، وقد أصيب بحالة من العصبية في أول أيام المونديال لأننا لا نملك محطة تبث المباريات، فكان يتابع النتائج من خلال البرامج الرياضية على مختلف الفضائيات، فلا أراه إلا وهو يمسك بجهاز التحكم ويبحث من محطة لأخرى عن النشرة الرياضية، ورغم أن هذا كان يسبب لي ضجرا فإنني كنت أصبر وأتحمل".
وتواصل "لكنه لم يصبر، فقد كان يريد أن يشاهد المباريات كاملة، فأبلغني أنه سيذهب في كل ليلة إلى بيت أهله والذي يقع في منطقة بعيدة عن بيتنا الجديد لمتابعة البطولة، وبالفعل فقد نفذ قراره، وبات يخرج نحو الساعة التاسعة والنصف ليلا ولا يعود إلا في وقت متأخر جدا وغالبا ما يجدني نائمة".
ومع هذا فهو لا يكتفي بذلك بل يواصل السهرة بمتابعة برنامج "أصداء كأس العالم" الذي تبثه قناة "أم بي سي" الذي يجمل نتائج اليوم المونديالي مع تحليل من قبل مختصين رياضيين مما يجعله يستيقظ متأخرا عن عمله ويهمل في كل شيء تقريبا.
وتشير إيمان إلى أن صارحت زوجها بأنها تخاف أن تبقى وحيدة في البيت، وأنها لا تحب أن تنام وحدها، لكن طلبها ذهب أدراج الرياح؛ وهو ما حدا بها لأن تفكر جديا بالاشتراك مع المحطات التي تبث المباريات حصريا حتى تجبره على الأقل أن يبقى في البيت ولو انشغل عنها "فالريحة ولا العدم".
الدراسة.. الحل الأمثل
وإذا كانت الوحدة والملل قد تسلل لهبة وأم أحمد وإيمان بسبب كرة القدم، فإن أم براء تغلبت عليه (زوجها) وراوغته وسجلت هدفا في مرماه حتى قبل أن يبدأ المونديال، لعلمها بشغف زوجها وحبه للكرة وتقديراتها التي جاءت في محلها أنه سينشغل بالبطولة عنها، لذا فقد انتسبت بداية الشهر الجاري لجامعة القدس المفتوحة بنابلس وعادت طالبة تشغلها الدراسة والامتحانات.
تقول أم براء "أعرف مسبقا حب زوجي لكرة القدم، فهو يتابع جميع البطولات العربية والعالمية، مما تسبب بتصادمات عدة بيننا آخرها خلال بطولة كأس الأندية الأوروبية التي كان يضطر لأن يذهب ويسهر عند أصدقائه لمتابعتها، ولا يعود إلا في ساعة متأخرة من الليل، لذا فقد أخذت احتياطياتي، وقررت أن أنشغل بأمور أخرى فلم أجد أفضل من إكمالي لتعليمي الجامعي الذي انقطعت عنه خمس سنوات، وها أنا أعود إليه اليوم لأحقق هدفين أساسيين، الأول العلم والتعلم والأهم عدم السماح للمشاكل الزوجية بالحدوث بسبب كرة القدم.
وتردف أم براء حديثها قائلة: "موضوع الدراسة الجامعية ليس جديدا فأنا أفكر به منذ مدة وكنت دوما أتردد، لكنني عندما علمت بقرب المونديال سارعت للالتحاق بالجامعة لكي أملأ وقت فراغي، والآن كلانا مشغول، هو بلعبته وأنا بدراستي".
بالتفاهم والاتفاق
وكان من الصعوبة على نساء أخريات اللجوء لذات الحل الذي لجأت إليه أم براء، لكن هذا لم يمنعهن من حلول عملية وبسيطة استطعن خلالها الحفاظ على العلاقة الزوجية طيبة ومتوافقة مع تمتع الزوج بحضور ومتابعة لعبته المفضلة.
فقد اتفقت لبنى مع زوجها بأن يكون هناك يوم لها ويوم للمونديال، حيث تقول: "لم أجد حلا أفضل من التفاهم بدلا من العصبية والمشاكل؛ لذا وافقت أن تشاركني كرة القدم زوجي، بحيث يتابع البطولة يوما ويقضي معي اليوم التالي، وكهذا.. وتضيف ضاحكة: صار الفطبول ضرتي، يقاسمني زوجي، وهذا أفضل من أن نتشاجر أو أن تأخذ المباريات كل اهتمامه".
أم حمزة السيد اتفقت أيضا مع زوجها أن تشاركه متابعة بعض المباريات على شرط أن يلتزم معها بأمور أخرى.. تقول: "نحن في موسم أفراح وعلينا العديد من الالتزامات العائلية التي لا أستطيع أن أقوم بها بمفردي دون وجود زوجي، لذا اتفقت معه أن أشاركه مشاهدة بعض المباريات ويلازمني في زياراتي الأسرية.. وتتابع بابتسامة عفوية "صحيح أنني أمّل من مشاهدة المباريات لكن علي تنفيذ الشق الخاص بي حتى لا يتحجج زوجي بنقض الاتفاق، فهو يستغل كل فرصة لمشاهدة المونديال الذي انتظره طويلا.
صحفي فلسطيني من نابلس.
|