|
|
|
|
حماس والدوران في فلك الأنظمة العربية
|
| |
|
|
| هل تنازلت حماس أمام الحصار العربي؟ |
لم تجمد علاقات حماس المتوترة مع الأنظمة العربية عند سابق مستواها، بل طرأت عليها تطورات أحدثت نوعا من الاسترخاء ورفعت من الرغبة في تبادل وجهات النظر وجها لوجه، وربما للقبول الجزئي المتبادل المؤقت على الأقل.
هذا ليس غريبا أو غير اعتيادي من حيث إن تبدل المواقع في صناعة السياسة يفرض من الناحية الموضوعية إعادة ترتيب لعدد من القضايا وفقا لتحولات في الخطاب السياسي. يختلف الخطاب السياسي للثائر عنه للحاكم، ويتغير خطاب المعارضة بعدما تنتقل إلى قصر الرئاسة. ويفرض الانتقال تغيرا في القضايا قيد الدرس والتنفيذ، وفي العلاقات الداخلية والخارجية.
عندما تنقلب الأدوار السياسية أو يحدث عليها تحولات يتحول بعض أصدقاء الأمس إلى أعداء، وبعض الأعداء إلى أصدقاء، ويضطر الساسة إلى الجلوس مع من يمقتون، أو مع من يعرفون سلفا أنهم ينصبون لهم الفخاخ ويزرعون في طريقهم الألغام. تلك الطرق والأساليب التي كان يتبعها الثائر أو المقاوم لتحقيق أهدافه لا بد من أن تخلي السبيل لأساليب جديدة تتناسب مع الوضع الجديد. لا يعني هذا بالضرورة التخلي عن المبادئ والشعارات، ولا يعني أيضا التمسك بها، لكنه يعني بالتأكيد أن "التكيف" أسلوب ومنهج. هذا ما رأيناه في تجارب شعوب كثيرة مثل نيكاراغوا وأفغانستان والجزائر.
ينطبق هذا المنحى العام على حماس التي انتقلت عبر صناديق الانتخابات من المعارضة والمقاومة إلى الحكم. أصبحت الحركة أمام واقع جديد ومهمات جديدة، وكان عليها أن تفكر مليا في كيف تتدبر أمورها في تسيير شئون الشعب الفلسطيني اليومية مع المحافظة على البعد الإستراتيجي للقضية الفلسطينية. لمتعد بيانات النيل من السلطة مجدية كثيرا، ولا انتقاد الأنظمة العربية على النمط التقليدي؛ كما لم تعد التعليقات المألوفة على الأوضاع الداخلية الفلسطينية في الحيز المناسب. بالأمس كان هناك فساد ونهب أموال، وبعد تسلم الحكومة وجدت حماس أن الخزينة خاوية، وأن موعد صرف الرواتب الشهرية على الأبواب.
الموقف الفكري من الأنظمة العربية
حماس هي حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية، وهي تعتمد الجهاد كفرض عين من الناحية الإسلامية، وكأسلوب نحو تحرير فلسطين واستعادة الحقوق الفلسطينية. وهي منبثقة عن حركة الإخوان المسلمين التي تعتبر أكبر حركة إسلامية معاصرة، وتتبنى فكرها فيما يتعلق بمنهج الحياة. حماس حركة مقاومة، وإذا شاء أحد أن يتعرف على فكرها فيما يخص ترتيب أوضاع المجتمع والعلاقات الداخلية والخارجية بمختلف تشعباتها، فما عليه إلا أن يتعرف على فكر جماعة الإخوان المسلمين.
جماعة الإخوان المسلمين عبارة عن حركة إصلاحية بشكل عام، وليست حركة ثورية، فهي تعتمد التغيير البطيء القائم على إصلاح الفرد، ولا تعتمد على التغيير الثوري السريع. ولهذا لا تندفع كثيرا في محاربتها للعادات والتقاليد، ولا تتسرع في توجيه الاتهامات السياسية بخاصة ضد الحكام العرب، إنها تنتهج أسلوب المهادنة، ولا تتبنى أسلوب الصدام. إنها تنتقد إلى الحد الذي لا يعرضها للخطر، وتتبع أسلوب "نرخي إن شدوا، ونشد قليلا إن أرخوا". ولهذا يلاحظ المتابع أن حركة الإخوان المسلمين تتجنب الدخول في صدام مع الأنظمة، وعددا من أعضائها يعبرون عن خطأ المواجهة مع الحكومة السورية في الثمانينيات في مدينة حماة.
ينسجم طرح حماس فيما يتعلق بالأنظمة العربية مع فكر الإخوان المسلمين، وأتى ميثاقها ليعكس هذا الانسجام. لا يحدد ميثاق حماس موقفا من الحكام العرب، لكنه يذكرهم بالخطر الصهيوني الداهم ويطالبهم باتخاذ مواقف إسلامية جادة، ويطالبهم بفتح الحدود أمام المجاهدين لقتال إسرائيل.
أما بيانات حماس فتناشد الحكام العرب أحيانا لتلبية بعض المطالب أو اتخاذ مواقف معينة، وتقوم الحركة أحيانا بتوجيه رسائل إلى الحكام العرب بخاصة في قممهم. إجمالا تبتعد حركة حماس عن التشهير بالحكام العرب، على الرغم من أن بعض أعضائها يتحدثون أحيانا في الدروس والجلسات الخاصة والمهرجانات بقوة ضد الحكام. إنها تتبع سياسة الإبقاء على التهدئة والتعايش.
لم يختلف تعامل حماس مع السلطة الفلسطينية المنبثقة عن اتفاق أوسلو عن هذا النمط العام لتعامل جماعة الإخوان مع الأنظمة العربية، على الرغم من أن الحركة اعتبرت اتفاق أوسلو حراما شرعا، إلا أنها كانت تلبي دعوات عرفات للحوار، وترددت كثيرا في محاربة فساد السلطة. حاولت الحركة التأكيد على برنامجها ورفضها للاتفاقيات مع إسرائيل من خلال مهاجمة إسرائيل، وليس من خلال شن الحملات الإعلامية والتوعوية على السلطة.
لكن تجربة الإخوان المسلمين تشير إلى أن الحكام لم يقابلوا الحركة بذات النفسية أو الروح. كلما رأى حاكم عربي بعض الخطر من المسلمين ينقض على الجماعات الإسلامية ومنها الإخوان المسلمون. وقد خبرت حماس الأمر ذاته، على الرغم من أنها تعلن دائما أنها حركة مقاومة في فلسطين ولا توجد لديها نية للعمل المقاوم خارج فلسطين.
ترتيب علاقات حكومة حماس
كان من الواضح منذ أن بدأ السيد إسماعيل هنية مشاوراته لتشكيل حكومة عقب فوز حماس بانتخابات التشريعي أن الحركة تبحث عن معين قوي يساعدها أو يحمل عنها الاستمرار في تسيير الأمور الداخلية الفلسطينية والإشراف على العلاقات الخارجية. طلبت حماس مرارا وتكرارا من حركة فتح مشاركتها في الحكومة، لكن جواب فتح كان يشترط دائما قبول حماس للاتفاقيات مع إسرائيل والتجاوب مع الشرعية الدولية.
وقعت حكومة حماس تحت ضغوط كبيرة جدا من الداخل الفلسطيني ومن حكومات عربية عديدة ودول غربية. وبرغم الحصار المالي والضغط الأمني وتعطيل أعمال المؤسسات العامة فإن حركة حماس لم تحاول توسيع قاعدة المشاركة في تسيير أمور الناس، خاصة بين أوساط المستقلين. علمابأن الغالبية الساحقة من المختصين والخبراء في فلسطين هم من المستقلين وليسوا من فتح أو حماس.
كان سلوك حماس غريبا إذ من المفترض أن المرء أو الحزب يبحث عن أصدقائه عند الوقوع في أزمة أو محنة، لكن حماس بقيت تجري وراء منافسيها الذين يتطلعون إلى نهاية حكمها بفارغ الصبر. وتعزز هذا الاستغراب عندما وقفت حكومة حماس مشلولة لا تقدم أي مبادرة اجتماعية أو أخلاقية أو اقتصادية للشعب وتدعوه للالتفاف حولها، حتى إنها ألقت بكل النصائح والمبادرات والأفكار التي قُدمت لها جانبا.
في الوقت ذاته حاولت حماس تحسين علاقاتها مع البلدان العربية، خاصة تلك التي تقيم علاقات مع إسرائيل أو تدور في الفلك الأمريكي. فيعالم السياسة ليس من الخطأ أن تحاول الحكومة فك الحصار المضروب عليها، لكن الحركة لم تجد استجابة من قبل البلدان العربية. لم يكن النظام المصري متحمسا للقاء حماس على الرغم من أن لقاءات رسمية حصلت، رفض النظام الأردني استقبال وزير الخارجية ورئيس الوزراء وأعاد وزراء لدى مغادرتهم الضفة الغربية إلى الأردن، والنظام السعودي رفض استقبال ممثلي الحكومة. فقط وجدنا ملك الأردن يوجه دعوة لعباس وهنية للالتقاء في الأردن مباشرة بعد قيام أولمرت بزيارة الأردن، ووجدنا النظام السعودي يحتضن لقاء الفرقاء الفلسطينيين في مكة. عدل ملك الأردن بعد ذلك عن استضافة اللقاء لأسباب غير معلنة، وتكلل لقاء مكة باتفاق مكة.
من المعروف أن أغلب الأنظمة العربية مشاركة في الحصار على الشعب الفلسطيني، واعتبرت فوز حماس ضربة كبيرة لمشروعها في تطبيع العرب مع إسرائيل وقبولها، وعلى إثر الدول الغربية كانت تطالب حكومة حماس بقبول خريطة الطريق وكل الاتفاقيات التي تم توقيعها مع إسرائيل. دخلت أمريكا وإسرائيل مباشرة على قنوات الأنظمة العربية بعد انتصار حزب الله وتعنت إيران فيما يخص ملفها النووي. أصبح هناك أولوية على القضية الفلسطينية.
لم يكن للملكين "عبد الله" إلا أن يدعوا حماس إلى مواقعهما بدون إذن من الولايات المتحدة. حركت أمريكا عملاءها في غزة لإشعال الاقتتال الداخلي الفلسطيني لتمهد بذلك الطريق أمام تنازلات حمساوية، إذ من المعروف أن القيادات الفلسطينية تستعمل الدماء الفلسطينية من أجل تبرير التنازلات، وطلبت من البلدان العربية الوصول مع حماس إلى بعض التنازلات. هذا من شأنه أن يصنع هدوءا في فلسطين من أجل التفرغ للملف الإيراني. وهكذا أيضا سيكون التعامل الأمريكي مع الملف اللبناني. أمريكا تبحث عن تهدئة الملفات ولو مؤقتا.
تظاهرت أمريكا وإسرائيل برفضهما لاتفاق مكة، وذلك من أجل تزيينه بأعين الفلسطينيين. هذا نهج معروف منذ أيام عرفات، حيث كانت تتعمد إسرائيل رفض التنازلات الفلسطينية من أجل تسهيل مهمة القيادة الفلسطينية في تصوير كل تنازل على أنه انتصار.
في اتفاق مكة لم تصر السعودية على كل المطالب الأمريكية والإسرائيلية، لكنها كانت كافية لوضع قدما حماس على سلم التنازلات، ولتحقيق التهدئة المؤقتة والتي يتقرر مصيرها بعد حسم الملف الإيراني. أما حماس فدخلت إلى الأنظمة العربية ولكن ليس بحكومة حمساوية وإنما بحكومة منوعة المشارب والمقاربات.
واضح أن الأنظمة العربية عدلت من مطالبها من حماس، وهي تكتفي الآن بما قيل عنه في اتفاق مكة، أي احترام القرارات الدولية والاتفاقيات الموقعة. أماحماس فقد ناقضت ميثاقها وبرنامجها الانتخابي الذي عرضته على الناخبين. تنصالمادة الثالثة عشرة من ميثاق حماس على التالي:
تتعارض المبادرات وما يسمى بالحلول السلمية والمؤتمرات الدولية لحل القضية الفلسطينية مع عقيدة حركة المقاومة الإسلامية، فالتفريط في أي جزء من فلسطين تفريط في جزء من الدين، فوطنية حركة المقاومة الإسلامية جزء من دينها، وعلى ذلك تربي أفرادها، ولرفع راية الله فوق وطنهم يجاهدون "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (21-يوسف).
)وتثار من حين لآخر الدعوة لعقد مؤتمر دولي للنظر في حل القضية فيقبل من يقبل ويرفض من يرفض لسبب أو لآخر مطالبا بتحقيق شرط أو شروط، ليوافق على عقد المؤتمر والمشاركة فيه، وحركة المقاومة الإسلامية لمعرفتها بالأطراف التي يتكون منها المؤتمر، وماضي وحاضر مواقفها من قضايا المسلمين لا ترى أن تلك المؤتمرات يمكن أن تحقق المطالب أو تعيد الحقوق، أو تنصف المظلوم، وما تلك المؤتمرات إلا نوعا من أنواع تحكيم أهل الكفر في أرض المسلمين، ومتى أنصف أهل الكفر أهل الإيمان؟).
هذا وقد قالت حركة حماس في برنامجها الانتخابي إنها ستتمسك بالمقاومة وستعيد ترتيب أوضاع الشعب الفلسطيني الداخلية، وأكدت أن الاتفاقيات مع إسرائيل قد تلاشت ولم تعد موجودة.
تبدو المسألة ذات شقين: قررت بعض الأنظمة العربية التعامل مع حماس بهدف تشكيل حكومة فلسطينية يمكن أن تلبي متطلبات اللجنة الرباعية وتعترف بإسرائيل، وقررت حماس أن تقبل بصيغة مخففة لما يمكن أن يجعلها تنضم إلى صفوف من يوصفون بالمعتدلين.
لكن من الملاحظ أن الأنظمة العربية قد قررت فجأة التعامل مع حماس وبحجة منع الاقتتال الداخلي الفلسطيني، وأن حماس قد وصلت في النهاية إلى ما طلبته بداية من وجود فتح في الحكومة. من خلال تجاهل حكومة حماس لأهمية اتخاذ المبادرات المختلفة لتغيير الأوضاع الداخلية الفلسطينية، ومن خلال عدم رغبتها في تبني أي برنامج اقتصادي محلي، ومن خلال انجرارها إلى الاقتتال الداخلي، وضعت الحكومة نفسها في موقف تبريري يمكن أن يتفهمه أغلب الفلسطينيين. وهذا شبيه إلى حد كبير بمنهج عرفات الذي كان يتعمد الفشل المغلف بالشعارات الوطنية من أجل تبرير الخطوات الفلسطينية التنازلية.
أستاذ العلوم السياسية بجامعة النجاح في غزة
|
|
|