|
| للزفاف الجماعي فرحته وروحه المختلفة |
في كل ليلة، وما إن تضع رأسها على الوسادة حتى تبدأ "هالة" في استحضار شريط أحلامها؛ يدها في يد شريك حياتها، ضحكات أطفال تعم أرجاء المنزل فتزيده جمالاً، عطور وطوق ياسمين وخيالات لا تنتهي...
"هالة" تقترب بخطوات عمرها نحو العقد الثالث، وهواجس القلق والخوف تخيم على روحها، وتُغلف ثنايا عقلها، وقفت أمام المرآة تعبث بشعرها المنسدل وهي تهمس لنفسها: "هل ستموت أحلامي؟".
سؤالها المرتجف على شفتيها جاءت إجابته بـ"لا" كبيرة، تبعتها تنهيدة تنفست خلالها الصعداء، بعدما أعلنت جمعية "الفلاح الخيرية" عن فتح باب التسجيل لمشروع المتأخرات عن الزواج، إضافة إلى أرامل الشهداء.
زفاف جماعي
في بادرةٍ هي الأولى من نوعها، شهد قطاع غزة قبل أيام حفل زفاف جماعي للعوانس وأرامل الشهداء، وذلك بدعم وإشراف جمعية "الفلاح"، ويعتبر المشروع الأول في فلسطين، بل وربما في العالمين العربي والإسلامي.
"هالة" كانت واحدة من العرائس التي زفتهن الجمعية، رسمت على شفتيها ابتسامة عريضة، وقالت لشبكة إسلام أون لاين.نت: "قرأت عن المشروع، وبادرت بالتسجيل، ولم يعترض أهلي لما للجمعية من سمعة طيبة؛ فأنا متعلمة، وعلى قدر كبير من الجمال، وبصراحة عندما بدأ العقد الثالث يطرق بابي بدأت أخشى وأخاف من العنوسة". وتمنت العروس أن يستمر مشروع الجمعية ويتطور، واستدركت: "جميل أن تتزوج كافة الفتيات، والأجمل أن تتحقق أحلامهن".
وكان قد حضر حفل الزفاف الجماعي حشد كبير من الأهالي وأصدقاء الأزواج وممثلي العديد من المؤسسات الأهلية والرسمية.
وضم الحفل الجماعي 11 عريسا، قدمت لهم الجمعية مبلغا مقداره 1000 دولار كمهر للعرائس اللاتي اقترن بهم، إضافة إلى غرفة نوم، كما تكفلت أيضا بدفع رسوم عقد الزواج وغيرها من تكاليف ومستلزمات الفرح.
|
|
رمضان طنبورة رئيس جمعية الفلاح
|
تحدث "رمضان طنبورة" رئيس "جمعية الفلاح" لشبكة إسلام أون لاين.نت قائلا: "حفل الزفاف الجماعي هو البداية وباكورة العمل باتجاه توسيع نطاق المشروع، حيث سيتم في غضون الأشهر القليلة القادمة تزويج 100 عريس وعروس آخرين"، مشيرًا إلى أن الجمعية ستتكفل بجميع لوازم حفل الزفاف. وعبر عن أمله في أن يساهم هذا المشروع في الحد من المشاكل الاجتماعية والنفسية والاقتصادية في المجتمع الفلسطيني.
وعن فكرة المشروع مضى يقول: "العادات والتقاليد التي تؤخر زواج الفتاة ليست من ديننا، وسنقوم بقطع دابر المفاهيم التي تتحدث عن العنوسة وغير ذلك، فالرسول صلى الله عليه وسلم تزوج من سيدتنا خديجة وعمرها أربعين عامًا، وكانت أرملة، ونحن لدينا أيضا ضمن البرنامج مطلقات وذوات احتياجات خاصة، ولا يقتصر على أرامل الشهداء والعوانس فقط".
ورأى أن أهمية هذا المشروع تكمن في محاربة ما ظهر حديثًا من زواج عرفي وسري وعادات اجتماعية دخيلة على هوية وثقافة المجتمع الفلسطيني.
وثمن رئيس جمعية الفلاح موقف أهل الخير الداعمين لمشروع تزويج العوانس وأرامل الشهداء، وأشار إلى أن البرنامج يأتي بدعم من فاعلي الخير من دول الخليج العربي ومسلمي أوروبا، لافتًا إلى أن الدعوة مفتوحة لكافة المؤسسات الخيرية من أجل دعم البرنامج حتى تتمكن الجمعية من زيادة أعداد المستفيدين منه.
وبيّن "طنبورة" أن الإعلان عن برنامج "تزويج الفتيات العوانس" جاء من باب مراعاة الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها شعبنا الفلسطيني، وكذلك غلاء المهور وتكاليف الزواج، وسقوط الكثير من الشهداء، وزيادة نسبة البنات على البنين بشكل ملحوظ.
وأوضح أنه نتيجة لانتشار ظاهرة الزواج المبكر باتت الفتاة التي لم تتزوج مبكرًا كمن فاتها قطار الزواج لتنضم إلى "قافلة العوانس"، مضيفا: إن ذلك دفع جمعية الفلاح الخيرية للبدء بمشروع دعم مادي وعيني ومعنوي لكل إنسان يتقدم للزواج من إحدى "الفتيات العوانس".
وأكد أن الجمعية تقوم بتقديم كافة ما يلزم من تكاليف الزواج، وتجهيز غرفة النوم، وإقامة الحفل الجماعي لـ"تزويج العوانس"، وتقديم الدعم والمساعدة لمن يتزوج من الأرامل والمطلقات وزوجات الشهداء.
زواج فعلي
وحول الإجراءات التي تتخذها الجمعية في تنفيذ خطوات المشروع أكد أن الجمعية شكلت دائرة خاصة بهذا البرنامج؛ بحيث يستطيع أولياء أمور "المتأخرات عن الزواج" التوجه لجمعية الفلاح الخيرية من أجل ملء الاستمارات الخاصة بهذا الشأن، وكذلك باستطاعة من يرغب في الزواج من إحدى "المتأخرات" أو الأرامل التوجه أيضا للجمعية من أجل ترتيب عملية الزواج.
واستدرك: "يشترط في تنفيذ المشروع أن يكون الزواج فعليا، وعن طريق الجمعية، مع تكفل الجمعية بإقامة حفل زفاف جماعي".
وتابع شارحا: "لسنا كباقي المشاريع التي تأخذ الطابع الإعلامي فقط، فهدفنا من هذا المشروع واضح، وهو تشجيع الشباب والفتيات على الزواج بشكل فعلي، ومن هذا المنطلق فإن دائرة مساعدة الشباب والفتيات على الزواج في جمعية الفلاح الخيرية تقوم بمتابعة وترتيب موضوع الزواج بكامل مراحله، من الشروع بتسجيل الاستمارة وحتى انتهاء مراسم الزواج الفعلي".
وفي حديثه نوه إلى أنه من الضمانات الخاصة لأرامل الشهداء أن الجمعية تعهدت بكفالة وحضانة أبناء الشهداء حتى بلوغ سن الرشد، مؤكدا أنه "في حالة ازدياد نسبة الراغبين والمسجلين لدى الجمعية سيتم توسيع نطاق المشروع".
والد أحد العرائس أبدى تأييده للمشروع مثمنا دور الجمعية، وأضاف في حديثه لإسلام أون لاين.نت: "هذا المشروع في غاية الأهمية، وهو مشروع إبداعي في تاريخ الزواج في فلسطين.. لدينا عدد كبير وهائل من أرامل الشهداء نتيجة العدوان والاحتلال، فلماذا لا نرعاهم ونحافظ على أبنائهم؟".
"أم رامي عبد العال" وصفت هذا المشروع بالرائع، وتابعت: "لو ابنتي وصلت سن الثلاثين ولم تتزوج فسأشجعها على التسجيل.. هذه فرصة لمن أرادت أن تتزوج، وتحلم بتكوين أسرة.. والأهم هو أن هذا المشروع يقضي على كثير من الآفات الاجتماعية، فبدلا من انحراف الشباب والشابات إلى منزلقات أخرى، تمنحهم هذه الفكرة أسرة مسلمة متماسكة".
من جانبه وصف د.ماهر خضير -عضو محكمة الاستئناف العليا والمستشار الشرعي لبرنامج "زواج العوانس وأرامل الشهداء"- المشروع بأنه "نقلة نوعية للعمل الخيري في فلسطين، خاصة في ظل تفشي ظاهرة العنوسة في العالم العربي بشكل عام".
وأضاف: "إن هناك عدة مبررات لهذا المشروع، وفي مقدمتها: العدد الهائل من أرامل الشهداء، وهن في سن مبكرة، حبسن أنفاسهن، وخضعن لتقاليد وأعراف جائرة تحرمهن من التصريح بأنهن ما زلن يتمتعن بقدرة على الإنجاب وبناء الأسر، ولهن الحق في الزواج مرة أخرى".
وأشار د.خضير إلى أنه أشرف على المشروع منذ بدايته، وأن جميع خطواته تمت بسرية منذ تقديم الطلب في الجمعية، وانتهاء بعقد الزواج وإقامة الحفل الجماعي بحضور المدعوين من الطرفين.
تحصين المجتمع
اعترف "عمار السيد" بعدم حماسه وتأييده للمشروع، معللا ذلك بأنها فكرة غير مقبولة ودخيلة على المجتمع الفلسطيني، غير أن شقيقه قاطعه بالقول: "على العكس، إنها فكرة أكثر من رائعة، يكفي أنها تهدف إلى تحصين شباب وفتيات المجتمع من الانحراف الأخلاقي، وحمايتهم من الانزلاق والسقوط".
العروس "وفاء نصر" في السابعة والعشرين من عمرها قالت، وعلامات من الخجل والحياء ترتسم على محياها: "قبلت بالزواج من شقيق زوجي الشهيد رغبة مني أولا، وللحفاظ على أبنائي ثانيا، ولضمان بقائهم في نفس الأسرة وحضانتي لهم"، موضحة أن زوجها الشهيد استشهد في السابع عشر من حزيران من العام الماضي في اجتياح حي السلاطين بجباليا شمال غزة، مبينة أن لديها طفلا في العام الثاني من عمره، وطفلة تجاوزت عامها الأول بشهور قليلة.
وشكرت العروس "وفاء" جمعية الفلاح الخيرية التي أشرفت على برنامج التزويج، مطالبة في ذات الوقت أهل الخير بـ"المزيد من الدعم للبرنامج حتى لا يصبح هناك عانس أو أرملة شهيد".
يُشار إلى أن الظروف الاقتصادية الصعبة والحصار الخانق الذي يعيشه الشعب الفلسطيني أديا إلى عزوف الشباب عن الزواج، كما أن العدوان الإسرائيلي المتواصل والمستمر أسهم في ارتفاع نسبة أرامل الشهداء.
|