English

 

الأحد. ديسمبر. 17, 2006

حواء و آدم » أزواج وزوجات » طالع القائمة الكاملة للقسم

 

"أحوال الناس" في الزواج غير الرسمي

هبة ربيع

Image

يعاني ما يقرب من 21 ألف أسرة مصرية وحوالي 5 ملايين طفل بسبب عدم توثيق الزواج، وهو ما يُعرف باسم الزواج غير الرسمي، ولا يقتصر التوصيف على حالات الزواج العرفي أو السري؛ وإنما يشمل حالات (زواج سني) لا يتم فيها توثيق الزواج.

الإحصائية السابقة يذكرها فيلم تسجيلي بعنوان "أحوال الناس" يرصد ويوثق عددا من حالات الزواج غير الرسمي والمشاكل الناتجة عنه، والتي تتحملها غالبا الزوجة والأطفال.

يأتي الفيلم في إطار مشروع "تداعيات الزواج غير الرسمي" والذي تقوم عليه 6 منظمات تعمل في حقوق المرأة في مصر، وهي: رابطة المرأة العربية، والهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، ومؤسسة الحياة الأفضل، ومؤسسة المرأة الجديدة، ومؤسسة تنمية الأسرة المصرية، ومؤسسة قضايا المرأة، ويهدف الفيلم إلى تعريف المجتمع بالوضع القانوني للمرأة والأطفال في الزواج غير الرسمي، والآثار الاجتماعية والنفسية لهذا الزواج، خاصة فيما يتعلق بزيادة عدد أطفال الشوارع.

في مهب الريح

 شاهد:
يعتمد الفيلم في مادته الوثائقية على دراسة ميدانية بعنوان "ازدواجية المجتمع في التعامل مع قضايا إثبات النسب" أعدتها لمياء لطفي الباحثة بمركز المرأة الجديدة، ورصدت من خلالها معاناة الأمهات بحثا عن ورقة تثبت حق أطفالهن في الوجود. ورغم أن الدراسة لعبت على أنماط وأنواع العلاقات الزوجية التي تتحمل فيها المرأة وحدها المعاناة كلها فإن الفيلم لم يكتف بعرض مشكلة المرأة فقط؛ وإنما سجل أزمة الأسرة ككل من زوجة وأطفال وأحيانا الزوج.

وتشير الدراسة -التي يعتمد عليها الفيلم- إلى حالة التضارب الشديد في أرقام الزيجات غير الرسمية، فضلاً عن تضارب مماثل لحقيقة الأطفال الباحثين عن هوية، مؤكدة أنه مع حالة التضارب الحاد في إثبات أرقام مجهولي النسب والتي تتراوح ما بين 12 و21 ألف حالة فإن التقرير الرسمي الوحيد المتاح كان تقريرًا خاصا عن عدد قضايا النسب أصدرته وزارة العدل دون أن توضح ما إذا كانت القضايا إثبات أم إنكار نسب.

وقد صنف التقرير الأرقام على أساس السنوات الأربع الأخيرة فكان عدد القضايا عام 2002 حوالي 2380 قضية ارتفعت في 2003 لتصل إلى 4521 قضية، وفي عام 2004 انخفضت إلى 3874، وعاودت الارتفاع في 2005 لتصل إلى 4789 قضية. ورغم عدم تحديد نوعية القضايا فإن حصرا مبدئيا أجرته الدراسة كشف عن ارتفاع قضايا إثبات النسب المرفوعة من سيدات يحاولن في الأساس إثبات زواجهن العرفي، وحددت الدراسة بنات الحوامدية تحديدا كأكثر الحالات وأبرزها وضوحا، وذلك لانتشار الزواج العرفي من العرب والخليجيين.

مجتمع لا يرحم

يبدأ الفيلم بمشهد يحكي فيه زوجان من محافظة أسوان -جنوب مصر- كيف تزوجا طبقا لعادات أسوانية زواجا يسمى "زواج السنة"، وهو زواج قبلي تقام فيه كل الطقوس الدينية من إشهار وإيجاب وقبول وإعلان، ولكنه لا يُسجل في أية أوراق، وهي أزمة يعاني منها الكثير من أبناء القبائل الأسوانية بسبب عدم وجود مكاتب توثيق في القرى والنجوع.

حكى الزوجان كيف فشلا تماما في إدخال أبنائهما إلى المدرسة، وكيف اضطرا في إحدى المرات إلى العرض على الشرطة لإثبات زواجهما، وهي الأزمة الأخرى التي عانى منها عريسان في شهر العسل كانا يتنزهان في إحدى الحدائق فاشتبه بهما أحد عساكر الشرطة ولم يقتنع بكلامهما، خاصة أنه ليس معهما قسيمة زواج، فاضطرا للمبيت في قسم الشرطة حتى جاءا بأهل الزوج والزوجة ليثبتا زواجهما.

ويعلق أحد المسئولين من مؤسسة تنمية الأسرة المصرية بأسوان أنه عندما حاولوا توعية الأسر بمخاطر الزواج غير الرسمي وعدم توثيق الزواج استجابت السيدات في الصعيد وتفهمن الوضع. أما الأزواج فيرفضون توثيق الزواج لاستفادتهم من الوضع القائم؛ فالزواج رغم أنه شرعي فإنه غير موثق فلا يثبت للزوجة أو الأطفال أي حقوق، وفي حالة وفاة الزوج لا يُصرف للزوجة أي معاش، وكما أن في حالة إنكار الأب نسب الأطفال -في حالة حدوث خلافات لأي سبب- لا يمكن للزوجة إثبات نسبهم، فضلاً عن المشاكل التي تواجه الأبناء بسبب عدم استخراج أي شهادة ميلاد لهم.

يكشف الفيلم عن منظومة من القوانين تظلم المرأة وتعاملها بتشكك؛ فمثلاً لا يمكن للزوجة أن تسجل طفلها وتستخرج له شهادة ميلاد حتى لو كان معها قسيمة زواج رسمي وما يثبت أنها أنجبت طفلها بعد حدوث الزواج، وإنما لا بد من ذهاب الزوج بنفسه إلى مكتب الصحة لتسجيل المولود، ويستدل الفيلم على ذلك بإحدى الشهادات الحية لزوجة طُلقت وأرادت استخراج شهادة ميلاد لطفلها فرفض العاملون في السجل المدني ما دام الأب غير موجود.

وتعلق الباحثة لمياء لطفي أن القانون يعامل المرأة على أنها متهمة طوال الوقت ويساوي في ذلك ما بين السيدات المتزوجات رسميا أو عرفيا أو حتى التي أقامت علاقة غير شرعية؛ ففي النهاية لا بد من اعتراف الزوج بأبنائه حتى يتم إصدار شهادة ميلاد للطفل. والطريف أن في حالة غياب الزوج لسفر أو أي سبب لا يؤخذ بشهادة أخت الزوج أو أمه ولكن أحد أقربائه الذكور!.

مجهولو النسب

الأطفال مجهولو النسب -"أبناء الحرام" كما يطلق عليهم المجتمع- هم الضحية الأولى في هذه العلاقات، ورغم أنهم ليسوا مسئولين عن أي علاقة غير شرعية فإنهم يتحملون وزرها من ضياع حقوقهم المدنية واتهام المجتمع وازدرائه لهم، ويقترح الفيلم كحل لهذه المشكلة إلزام الأبوين بتحليل المادة الوراثية (DNA) فإذا ثبت النسب تم معاقبة الأب وإلزامه بإثبات نسب الطفل إليه، وإذا لم يثبت تم اعتبار الأم كاذبة ومدعية ومعاقبتها. ومما قيل في الفيلم إذا كان إلزام الأب بعمل تحليل المادة الوراثية غير دستوري؛ لأن فيه إجبارًا، فلماذا يتم اعتبار تحليل وزارة الداخلية لدم السائقين لمعرفة إذا كانوا مدمنين أم لا دستوريا؟!.

يعتبر الفيلم استكمالا لمشروع ممتد منذ العام الماضي عن "تداعيات الزواج غير الرسمي"، وكان ترابط منظمات حقوق المرأة قد استضاف سيدات يدلين بشهادتهن التي كشفت عن العديد من المعوقات والمشكلات الاجتماعية التي تواجهها النساء عند محاولتهن استخراج شهادات ميلاد لأبنائهن، خاصة إذا كان عقد الزواج عرفيا، وأولها التعرض للإهانة من موظفي السجل المدني وهو ما حدث مع فرحة (40 سنة) التي كانت متزوجة رسميا بعقد تصادق على الزواج، وتحكي قائلة: "كان زوجي مريضا واضطررت للذهاب لاستخراج شهادة ميلاد لابني؛ ففوجئت بالموظف يقلب في العقد ويقول لي كنت متجوزة بعقد عرفي ليه، وقعد يلقح عليَّ بالكلام ويقول إني ست مشيها بطال" ورفض استخراج الشهادة دون وجود الأب.

وفي حين تعاني السيدات اللاتي حاربن لإثبات زواجهن ولإثبات نسب أطفالهن، فإن نسبة كبيرة من السيدات يرفضن من الأساس التقدم لإثبات زواجهن، ونسب أطفالهن بسبب الخوف من الفضيحة، حيث بررت 30% من الحالات التي لم ترفع قضايا على زوجها السبب بخوفها من الفضيحة، خاصة أن المجتمع يدين النساء في هذه الحالات دون الرجال.

تقول جيهان (21 سنة) متزوجة عرفيا: "ما رفعتش قضية خفت من الفضيحة وكلام الناس، أخويا الله يستره كتب الولد باسمه هو ومراته وخلاص خلصت من الهم دا من غير قضايا، وأنا كدا كدا ما كنتش هاخد ولا هطول حاجة من أبوه".

وتقول وردة (26 سنة) متزوجة عرفيا: "أرفع قضية وأفضح نفسي وأهلي وأخللي اللي ما يعرفش يعرف، لأ، أنا خليني جنب الحيط أحسن، بلاش فضايح، الناس مابترحمش وماحدش هيقول إنه عمل حاجة غلط، كل الغلط هيبقى على دماغي لوحدي".

أيضا من الأسباب التي تمنع المتزوجات من رفع قضية على أزواجهن في حالات الزواج الرسمي عدم القدرة المالية على توفير تكاليف القضية؛ حيث عبَّرت بعض الحالات عن عجزها عن توفير تكاليف القضية التي ربما كانت باهظة خاصة مع طول فترة التقاضي. أما بعض الحالات فقد أرجعت السبب إلى عدم وجود مستندات، كما كانت هناك بعض المشاكل المتعلقة بعدم وجود عقد الزواج أو مستند يثبت العلاقة، خاصة مع تعرض بعضهن لسرقة الزوج هذه الأوراق.

هل نسبق المجتمع أم نسير وراءه؟ سؤال وجهه الفيلم إلى الجمعيات المشاركة في المشروع؛ فالفيلم لم يهتم بتأييد أو إدانة نوعية العلاقات في الزواج غير الرسمي (عرفي - قبلي - علاقة غير شرعية)، وإذا ما كانت حلالا أم حراما، ولكن المهم من وجهة نظر صناع الفيلم التركيز على المشاكل التي تعاني منها المرأة والأطفال باعتبارهم ضحايا الزواج غير الرسمي، وكيفية حل المشاكل التي يعانون منها؛ فالمرأة التي أُضيرت وأُهدر حقها من الممكن أن تسلك سلوكا غير قويم، والأطفال سيضيعون ويكون مصيرهم الشارع وهو ما جعل الفيلم يؤكد على دور المجتمع المدني في التوعية بآثار الزواج غير الرسمي القانونية ومخاطره على المرأة والطفل، ويذكرنا بدور المجتمع المدني وقدرته على التغيير في قضايا مثل حصول الطفل من أم مصرية وأب أجنبي على الجنسية المصرية.

مقصد الشريعة من الزواج

لكن الحالات التي عرضها المشروع سواء من خلال الفيلم أو الشهادات الحية تجعلنا نتساءل عن مدى شرعية "الزواج غير الرسمي" أو غير الموثق كما وصفه الفيلم، يؤكد الباحث الشرعي بموقع "إسلام أون لاين.نت" مسعود صبري أن الزواج المستوفي شروط الزواج من إيجاب وقبول وإعلان وموافقة الولي، ويحقق مقصد الشريعة من الزواج وهو بناء الأسرة صحيح ولا يُحكم عليه بالحرمة، ولكن التوثيق واجب إذا كان تركه سيضيع الحقوق المدنية للزوجة والأطفال. أما إذا كانت هذه المجتمعات يحكمها مجالس عرفية وليس قوانين الدولة المدنية فيمكن عدم توثيق العقد. ولا يعني عدم التوثيق فساد العقد الذي يستمد قوته من المجتمع وإدراك الأهل والجيران. أما الزواج العرفي أو السري فهو حرام وليس أكثر من غطاء لممارسة الجنس؛ لأنه لا يحقق مقصد الشريعة من الزواج وهو بناء أسرة، وتكون الورقة العرفية مجرد تسكين للضمير، ويعلم أصحابها أن ما يفعلونه خطأ.

وتفسر د.نسرين البغدادي خبيرة الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية انتشار حالات الزواج غير الرسمي بأن الزواج العرفي -كأحد أشكال الزواج غير الرسمي- انتشر بين الشباب لإشباع رغبتهم الجنسية في ظل الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي عسرت حدوث الزواج الرسمي؛ وهو ما ينتج عنه مشاكل اجتماعية خطيرة، مشيرة إلى قصور القوانين المصرية في إثبات حق الأطفال مجهولي النسب، حيث لا يلزم الزوج بعمل تحليل المادة الوراثية ( DNA ) لإثبات نسب الطفل إليه، كما أن في حالات عدم توثيق الزواج لا يمكن إثبات أي حقوق للزوجة وأطفالها.


احكوا لهبه.. على البريد الاليكتروني للصفحة adam@iolteam.com

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           
 
«
 

ابحث

«

بحث متقدم