|
في شهر مايو الماضي أبرزت رئاسة المحاكم الشرعية في دولة قطر من خلال مؤتمر صحفي لفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله آل عمود مشروع قانون للأحوال الشخصية هو الأول من نوعه في دولة قطر.
وفضلاً عن الميزة الموضوعية للقانون (المشروع) من حيث إنه تقنين للحياة الاجتماعية في قطر وتقديم وتقرير لما استقر عليه حال المجتمع وانتهت إليه أحكام المحاكم فيها طبقًا للشريعة الإسلامية؛ فقد استفاد من خبرات القوانين العربية المماثلة ومن النظر الفقهي الواسع لميراث المسلمين دون تعصب لمذهب أو التزام لاتجاه.
فقه القضاء
الميزة الحقيقية لهذا المشروع هو اعتماده على تطبيقات المحاكم فيما استقرت عليه أحكامها وآل إليه اجتهاد قضائها، فمنذ نشأة المحاكم الشرعية في دولة قطر لم تصدر قوانين تنظم هذا الجانب، بل كانت تكتفي بتطبيق مشهور مذهب الأمام أحمد بن حنبل وفقًا لقرارات وأوامر تصدر بين الفينة والأخرى عن رئيس هذه المحاكم.
لذلك نص تقرير اللجنة التي شكلت من قضاة المحكمة لصياغة المشروع على أنه جاء "متلائمًا مع مذهب الدولة في الأغلب ومع ما عليه عمل المحاكم الشرعية بدولة قطر، وما أرسته من اجتهادات قضائية ومراعيًا الأعراف السائدة في البلاد وفق ضوابط الشرع في إعمال العرف".
استفادة من التشريعات العربية
ولئن تأسس المشروع المذكور على ما أرسته محاكم قطر؛ فقد استفاد في صياغته من القوانين العربية، فاستفاد من النظم التشريعية العربية نظرًا لتشابه العادات والتقاليد وتشابه النظم والإجراءات في منطقة الخليج خصوصًا والعالم العربي عمومًا، فقد استفاد المشروع من وثيقة مسقط للنظام الموحد للأحوال الشخصية بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، كما اهتم صاغة المشروع بمشروع قانون الأحوال الشخصية العربي الموحد.
وصف كلي
تناول مشروع القانون موضوع الأحوال الشخصية في مقدمته أحكامًا عامة تناولت المفاتيح الناظمة للقانون، كما هو معهود في توضيح المفاهيم والمصطلحات والعموميات في الوثائق المماثلة.
وتناولت الأبواب الخمسة أحكام الزواج وآثاره في الكتاب الأول، والفرقة بين الزوجين في الكتاب الثاني، والأهلية والولاية في الكتاب الثالث، والهبة والوصية في الرابع، وأخيرًا تناول الإرث في الكتاب الخامس.
وجاء مشروع القانون في 324 مادة.
ميزات أساسية
امتاز المشروع بضوابط الصياغة التشريعية فضلاً عن الاحتفاظ بالمصطلحات الشرعية التي تشيع في ثنايا المشروع رابطًا بين دقة التبويب والإفراد الموضوعي وضوابط المصطلح الفقهي الجامع المانع مما يساعد "على تقليل مظان التفسير القضائي، وسهولة إدراك المعاني من مصادرها الفقهية ومما يسهل صياغة فهرس دقيق للمواد يعين على الرجوع إليها".
مرونة فقهية
اعتمد المشروع في أحكامه الراجح من مذهب الأمام أحمد بن حنبل كما جاء في الفقرة (أ) من المادة الرابعة، إلا أنه قرر في الفقرة (ب) من المادة نفسها أن للقضاة مخالفة ذلك الراجح عند اقتضاء الضرورة مع بيان أسباب المخالفة في حيثيات الحكم.
وتقرر هذه المادة أنه في حال عدم وجود نص راجح في المذهب الحنبلي لواقعة لا نص يحكمها من مشروع القانون، يكون للقاضي أن يحكم بما يراه ملائمًا من آراء المذاهب الأربعة، "فإن تعذَّر يعود إلى القواعد الفقهية العامة".
كذلك فإن القوانين الشخصية الصادرة منذ قانون حقوق العائلة الذي أصدرته الدولة العثمانية سنة 1917م تكتفي بتقنين أحكام الزواج والطلاق وآثارهما والأهلية والولاية والوصاية والحجر والوصية والوقف والإرث، ولا تتناول أحكام الهبة، لكن هذا المشروع تطبيقًا لما جرى عليه العمل في المحاكم الشرعية في قطر أضاف أحكام الهبة واعتنى بها.
وتناول المشروع جوانب الإجراءات والإثباتات الخاصة بأحكام قانون الأحوال الشخصية التي تغفلها قوانين الإجراءات عادة، فتناول أحكام منازعات المهر والجهاز والمتاع ودعاوى النسب وإثباتها وإجراءات دعاوى التفريق للعيب أو المرض وإثبات الضرر الموجب للتفريق وإجراءات التفريق لعدم الإنفاق والاعتبار وإجراءات دعاوى التفريق للغيبة والفقدان والحبس وإجراءات بعض دعاوى الحضانة وإثباتها.
الوصية الواجبة
من الاجتهادات اللافتة التي اعتمدها هذا المشروع اعتماد وجوب وصية الجد لأحفاده المُتَوَفَّى أبوهم في حياته، انطلاقًا من مراعاة حالة إنسانية لأطفال أفنى والدهم عمره في العمل مع أبيه وجمع ورثته، واعتمادًا على ما رُوِيَ عن جمع من الإعلام منهم الإمام أحمد بن حنبل، ومجاراة لعدة قوانين عربية كما هو الحال في مصر والأردن والمغرب وسوريا.
أحكام وقائية
وفي تقريره لنظام متعة المطلقة "سعى المشروع لتأسيس قواعد تصون تماسك الأسرة باعتبار ذلك عنصرًا فعالاً في الحد من التكاثر في الطلاق، فالرجل قد يستعصم عن أبغض الحلال خشية تبعاته المالية المتمثلة في المتعة فيمسك زوجته".
المصالح
أعمل المشروع مبدأ المصلحة بضوابطه المشروعة، فأضاف – مثلاً - نفقات العلاج للنفقة الواجبة خلافًا للصحيح من مذهب أحمد والمشهور عند المالكية، كما تناول عمل المرأة وما يترتب عليه من آثار.
وقد لفت انتباه المهتمين تناول هذا المشروع لموضوع الخــلع وهو الموضوع الذي أثار ضجة إعلامية بعد صدور قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر.
ففي كتاب الفرقة بين الزوجين، تناول المشروع في الباب الثاني التفريق بإرادة الزوجين مصنفًا الخلع في الفصل الأول؛ ليعرفه في المادة 124 بأنه.." حل عقد الزواج بتراضي الزوجين بلفظ الخلع أو ما في معناه عن بدل تبذله الزوجة". معتبرًا الخلع – في المادة اللاحقة – لا ينقص عدد الطلقات، وفي المادة 226 تناول صحة الخلع – من أهلية الزوجة وأهلية الزوج – لإيقاع الطلاق، وعالج في المادة 227 بعض الآثار المترتبة على الخلع، فقال: "إنه لا يجوز أن يكون بدل الخلع التخلي عن حضانة الأولاد ولا عن أي حق من حقوقهم".
ويتضح من ذلك أن المشروع إذ ينص على أن الخلع رضائي بين الزوجين ويشترط أهليتهما لإيقاع الطلاق - وهو ما ينتفي معه شبهة أي مؤثر إكراه أو قصور عقلي أو ذهني - إنما يريد التأكيد على سلامة نية الطرفين وتوجههما الفعلي لما يريدانه بعيدًا عن أي مؤثرات خارجة عن الإرادة الذاتية للطرفين.
وقد قررت رئاسة المحاكم وضع المشروع على محك التجربة القضائية لمدة سنة كاملة، تطبق خلالها أحكامه على الوقائع ويتناوله القاضي ورجال المحاكم من محامين وباحثين بالنقد والتحليل إنضاجًا لأحكامه وتلافيًا لأخطاء أو ثغرات يمكن أن تظهر مع التطبيق.
ردود فعل
استقبلت دوائر القضاء مشروع القانون بارتياح كبير، وفي مؤتمر صحفي عرض نائب رئيس محكمة الاستئناف القاضي ثقيل الشمري، ورئيس إحدى غرف محكمة الاستئناف القاضي عبد الرحمن شرف مشروع القانون للصحافة؛ لتوضح ما يمكن أن يشكل على الناس فيه.
وقد عرضت الصحف القطرية وجهات نظر عديدة نذكر منها ثلاثًا هنا على سبيل المثال لا الحصر.
تطوير في سياق الشريعة
عبد العزيز آل محمود رئيس تحرير جريدة الشرق القطرية أوضح أن توجهات قطر التطويرية في النظم الاجتماعية والسياسية والقانونية شيء طبيعي، وقال إن توجهات الدولة خلال العقود الماضية تلتزم بالإطار الشرعي الإسلامي والعادات والقيم والأخلاق والتقاليد.. وبالتالي فإن هذا القانون يكون مع هذه التوجهات؛ لأنها توجهات من خلال الدين والقيم وأخلاق الشعب.
وقال: إنه من إيجابيات هذا المشروع أن يكون المتقاضون على بينة من أمرهم في عرض قضاياهم على المحاكم، ويكيف الجميع - قضاة وأعوان للقضاء ومتخاصمون -قضاياهم تبعًا لذلك.
وقال آل محمود: إن القانون سيشكل حصنًا للمجتمع لإعلائه المرجعية الإسلامية وأخذه الواسع من الاجتهادات ما يلائم الحياة العصرية.
آل محمود عرض القانون للتجربة مدة سنة كاملة، وقال: إن من شأن ذلك أن يجعل المشروع يتلافى كثيرًا من السلبيات التي تظهر في التطبيق، واعتبر ذلك سابقة حميدة للمحاكم الشرعية، موضحًا أن من شأن ذلك تجنيب القانون التعديل المتسرع أو الإلغاء غير المدروس.
عمل يستحق الإشادة
يوسف الدرويش الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة في قطر، أكد أن الإعلان عن مشروع القانون عمل يستحق الإشادة إذ يدخل في سياق منظومة تشكل الدعامة الأساسية لتحقيق صالح الوطن والمواطن.
وقال الدرويش: إن القانون يتيح استقراراً للأسرة بما وفره من ضمانات مقننة، وحماية للمرأة والأبناء في وجه الطلاق وآثاره المختلفة، وطالب بمراجعة فارق السن بين الزوجين؛ ليكون في حدود العشرين عامًا باعتبار ذلك يمثل ركنًا أساسيًّا في تحقيق التفاهم بين الزوجين، كما تمنى رفع سن الفتاة عند الزواج إلى 18 سنة، وأشاد بعرض القانون على التجربة لمدة سنة للاطلاع على الثغرات أو الأخطاء التي وقع فيها وتلافيها قبل إصداره النهائي.
الثقافة القانونية
الدكتورة وضحى السويدي الأستاذة في جامعة قطر تمنت استمرار نهج الشفافية الذي سلكته المحاكم الشرعية في صياغة هذا القانون، وخصوصًا إعلانها الاستعداد لقبول كافة الملاحظات التي يمكن أن تعرض حول المشروع لإعادة صياغته على ضوئها قبل طرحه للإصدار النهائي.
وأشادت بشمولية المشروع لكافة الأحكام التي استنبطت من الشريعة الإسلامية، حيث تجد فيه الأسرة العلاج الناجع لمشاكلها وما يقود لتنظيم حياتها ويحفظ لها الأمان والاستقرار.
|