|
| مظاهرة مصرية أمام دار القضاء العالي |
من بين ما تثيره التعديلات الدستورية المقترحة في مصر اليوم إشكالية أولويات حركة الإصلاح السياسي المصرية في علاقتها بالتعديلات الدستورية، تلك العلاقة التي حصرها غالبية من تناول هذا الموضوع في سياق قانوني بحت، دون الالتفات عن قرب إلى حقائق ووقائع وتفاصيل تحمل من الدلالات ما هو أعمق وأبعد من ذاك الإطار القانوني. وهو ما يقود إلى طرح السؤال: هل التعديل الدستوري يعلو في أهميته محاولات السلطة التنفيذية المصرية تدجين القضاء وتطويقه؟.
من طالع صحيفة المصري اليوم (يوم 11 مارس 2007) سوف يجد نموذجا للإشارة السابقة، إذ نشرت الصحيفة خبرين يدلان على إشكالية هذه العلاقة. الخبر الأول فحواه أن وزير العدل "يحيل قاضيا إلى مجلس الصلاحية بتهمة إهانة الرئيس تمهيدا لفصله". أما الخبر الثاني فكانت فحواه أن "مبارك يتدخل لعلاج قاضي مجلس الدولة الشاب".
وفي الواقع، فإن المسرح السياسي المصري العام بحاجة لبعض التجديد السياسي، حتى إن كان ذاك التجديد يجازف بالسباحة ضد كل التيارات. والتساؤل هنا هو: هل قضية استقلال القضاء أولى أم قضية تعديل الدستور؟ وهل الاهتمام بالثانية لصالح الأولى يعد هدرا لموارد العمل الوطني أم لا؟ وإذا كنا أمام حكومة لا تحترم القانون ولا الدستور، فكم من قوانين صنعت وأهملت، وكم من دستور كان موجودا ولم تحترم مواده، فلم كل هذه الضجة على مادة لم يحترمها أي من الرئيسين، الذي أقرها ولم يحترمها، والذي يفكر في إلغائها؟ فهلا أعدنا طرح سؤال الأولويات.
تطويق القضاء
وبداية، نعود للخبرين، كان قوام الخبر الثاني أن رئاسة الجمهورية أبلغت المستشار يحيى دكروري رئيس نادي قضاة مجلس الدولة، بقرار الرئيس لحل أزمة القاضي الشاب الذي رفض وزير العدل تحمل نفقات إجرائه عملية جراحية لاستئصال ورم بالمخ في ألمانيا تصل تكاليفها إلى ٤٠ ألف يورو. وعندما يقارن القارئ هذا الخبر بالخبر الأول يجد الملاك الرحيم يحارب الشيطان الرجيم الذي يريد منع القاضي العادل من العلاج. أما الخبر الأول فهو نموذج آخر للشيطان الرجيم الذي يأمر بإحالة قاضٍ إلى مجلس الصلاحية ليبت في صلاحيته لمباشرة مهام القاضي بدعوى إهانة هذا القاضي للملاك الرحيم الذي ورد في الخبر الثاني.
ألعاب لا يصدقها عقل، نتساءل معها عن الذي يحدث منذ وقفة القضاء الجادة الشامخة خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة: هل هي محاولة لكسب القاضي الشاب لصالح مسيرة الحكم المنتظر توريثه؟ أم هي محاولة غير مباشرة لتقديم هدنة بين السلطتين إبان الحرب المفتوحة التي قرر النظام أن يخوضها ضد أكبر القوى السياسية في مصر، والتي كانت على وشك تعبئة الشارع كله في هبة اجتماعية سياسية؟ أم هي رغبة في تحييدهم قبل دخول التعديلات الدستورية مراحلها الأخيرة فيما قبل الإقرار؟
من حق السيد رئيس الجمهورية أن يفعل الخير، لكني لا أرى من حقه أن يتزلَّف للقضاة، أو أن يحاول النظام غسل صورته أو تضليل القضاة بمسحة حنان يتم قبلها التنبيه على الوزير المطواع برفض معالجة القاضي الشاب على نفقة الدولة، حتى يتقدم الأب الحاني للدولة؛ فيسارع إلى كل الصحف والمجلات والنشرات والإذاعات والقنوات التلفزيونية، معلنا أنه سيعالج القاضي الشاب على نفقة الدولة.
هذه المحاولات لتلميع الصورة القاتمة في العلاقة بين السلطتين يدحضها على سبيل المثال لا الحصر ما كتبه المستشار يحيى الرفاعي في عام 2003 في نعيه لاستقلال القضاء، وتوصيفه لكيفيات التحرك لتطويق القضاة ومحاولة تطويعهم، وهو ما حدث لقلة منهم. كما يدحضها ذلك التقرير الذي أصدره المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة حول "واقع استقلال القضاء ومهنة المحاماة وإهدار حقوق الإنسان في مصر"، وتقرير نادي القضاة المصري حول استفتاء تعديل الدستور يوم 25 مايو 2005 والذي يوضح أن النسبة الحقيقية للمشاركة كانت ما بين 3-5% وليس 54% كما تدعي الحكومة، ونص شهادة المستشارة نهى الزيني عن التزوير في نتائج دائرة قسم شرطة دمنهور التي نشرتها صحيفة المصري اليوم يوم 24 نوفمبر 2005، إضافة إلى تلك المواجهة الحادة التي أدارتها السلطة التنفيذية مع القضاة الذين رفضوا بيع ضميرهم وضمير أمتهم، ذلك كله دون إغفال كتابات الدكتور محمد سليم العوا والمستشار طارق البشري ودعوتهما لتبصر حقيقة وضع القضاء المصري وما يجري له من تدابير تدجين للقضاء للحد من دوره الوطني في الإصلاح.
هذه الأمثلة أصدق عند كل ذي عقل من محاولات النظام اليوم الاستمرار للالتفاف على القضاة، بل هي بدورها تعيد طرح سؤال الأولويات.
التعديل الدستوري ودولة القانون
وسؤال الأولويات هذا يتمثل في سبب هذا الاهتمام بالحالة القانونية الرسمية المؤطرة لحياتنا السياسية. وهنا، أظن أن كل من شارك في الكتابة حول قضية تعديلات الدستور يعلم يقينا أن الحياة السياسية المصرية تدور بغير إطار، ولا يحكمها قانون. ولا تلجأ الدولة لمثل هذا الإطار القانوني إلا متى كان في مصلحتها. بل إن قوانين عديدة سنت ولم يكن لها مردود، لا عند المعارضة ولا عند الإدارة الحاكمة.
وأصدق حديث في هذا المقام قول الرئيس المصري إبان صدور قانون الصحافة: إن الصحفيين ما لم يجترئوا على المحرم فإن "القانون ينام من نفسه"، وهي رسالة واضحة، فالإدارة المصرية لا تضع قانونًا إلا ليكون زيادة في فرصها وتقليلا لخسائرها، وما لم يتخذ الناشطون موقفًا يهدد تلكم المكاسب أو يعظم تلكم الخسائر فإن القانون لا قيمة له عند الطرفين. تلك هي حقيقة القانون في مصر بصفة عامة، وبصفته إطارًا للحياة السياسية بصفة خاصة.
الحيثية الثانية التي تُساق أمام من يستمر في المبالغة في التعامل مع تلكم التعديلات، أن علماء السياسة هجروا منذ الحرب العالمية الأولى معالجة العلوم السياسية ضمن الإطار الرسمي أو ما يسمى الإطار القانوني للحياة السياسية كمحدد أساسي لدراسة النظم السياسية، وسبقهم في ذلك فقهاء القانون الدولي حين ميزوا في مجال الاعتراف بالدول بين "الاعتراف القانوني" و"الاعتراف الواقعي" باعتبار أن كثيرا من الدول لا تعترف بغيرها قانونيا، لكنها تباشر هذا الاعتراف فعليا.
فالإطار القانوني لا يعكس حتما طبيعة النظام السياسي، ولا يكون دالا في تحليله تحليلا قويما متزنا إلا في حالة احترام النظام السياسي للقانون. فأين ذلك الاحترام؟ بل أين ذلك القانون المحترم؟ وما سر هذا الولع بمواجهة تعديلات القانون إذن؟.
الإجابة تكمن في أن الولع برفض هذه التعديلات يتعلق بتلك المساحة الوحيدة التي أتاحتها الإدارة المصرية؛ لكي تلعب بها المعارضة وتتسلى في لعبتها السياسية في الوقت الراهن بعيدا عن القضايا الحقيقية، كسحل الإخوان، وسرقة القضاء، والمزيد من النهب وإعادة توزيع الإقطاعية المصرية على المحاسيب وممولي مؤتمرات الحزب الوطني.
والناظر إلى المسرح السياسي الحقيقي يجد قائمة من القضايا الحيوية التي إن تجمع المهتمون بمصالح وطننا حولها فسيجدونها أشد أهمية، وسيجدون العمل فيها وحولها جبرا للكسر السياسي الذي نعيشه، ولن أطرح من بين هذه القائمة قضية تهميش -وربما استئصال- فصيل سياسي هام هو جماعة الإخوان، ولا غيره من قضايا العراك السياسي الدائر، برغم أهمية هذه القضايا وحيويتها، ولكن أطرح قضية انتهاك مؤسسات الدولة المصرية نفسها عبر العدوان المستمر الحثيث على مؤسسة القضاء، ومحاولات اختراقها والهيمنة عليها. والسؤال هو: لماذا ذلك التهافت على كل ما تلقيه الإدارة من فتات مما يلفت الانتباه بعيدا عن الأجندة الحقيقية بأطياف قضاياها المتنوعة بالغة الأهمية؟
السياسة الواقعية المفتقدة
بمنطق السياسة الواقعية، فإن ضمان استقلال مؤسسة القضاء وحمايتها سيجعل من تعديلات الدستور معادلة واهية لكل ذي بصيرة، وستكون تعديلات القوانين أوهى وأوهن. فالقضاء الإداري القوي سيكون مضطلعا بمهام إقرار انعدام قانونية القرارات المبنية على مخالفة القوانين المستقرة والملبية لمطالب عموم المجتمع والتي لم تتغير. والمحكمة الدستورية العليا القوية ستضطلع بمهام تفسير المواد الدستورية تفسيرا واسعا قد نحترمه، وستقضي وفق هذه التفسيرات على أي قانون يخنق الإرادة الوطنية. ومحكمة النقض يمكنها أن تقدم سوابق وتفسيرات لقوانين تحارب وتعكس تأثير محاولات السلطة التنفيذية قتل المجتمع السياسي المصري ومقاومتها.
بل حتى تلك التعديلات الدستورية المرفوضة من الجميع ستتحلى بإرادة القضاء إن كان قويا مستقلا. لقد جاء في نص المسودة "تتولى لجنة عليا تتمتع بالاستقلال والحيدة الإشراف على الانتخابات على النحو الذي ينظمه القانون". ألا يمكن للجنة كهذه أن يكون قرارها محل مراجعة من قبل القضاء الإداري نفسه، كما أن النص الذي يحظر على المستقلين الترشح لانتخابات الرئاسة، هل يتسم بالجدوى الفعلية؟ ثم إن تجاوز عقبات نظام الانتخاب يحتاج لمؤسسة سياسية أو جماعة سياسية قوية كجماعة الإخوان، وجماعة الإخوان نفسها تعلم أنها كسرت رغبة النظام في إقصائها عبر تعديل النظم الانتخابية، وذلك الكسر تكرر أكثر من مرة. ثم إن الحديث عن انتخابات اليوم الواحد، بدلا من إجراء الانتخابات على ثلاث مراحل -مثلا كما في انتخابات 2005-؛ لعدم وجود عدد كاف من القضاة للإشراف على جميع مراكز الاقتراع في وقت متزامن، أليس هذا مدعاة لتوثيق عمل منظمات المجتمع المدني ومنحها الشرعية السياسية الواقعية، بل المشروعية القانونية عبر منحها توكيلات قانونية موثقة أو حتى توكيلات عرفية سياسية.
برأيي أن العملية بأكملها تتم تحت الخط المنضبط والمحدد حكوميا بلا إبداع سياسي حقيقي، وبلا ترجمات ميدانية عملية للإرادات السياسية الوطنية، وكنا ننتظر مثلا أن تقف المعارضة متهكمة على ما يجري وتجرده من المشروعية القانونية والسياسية أمام العالم أجمع بدون ذلك الحديث الورع عن رفض التعديلات خشية مزيد بطش بمن يتعرضون للبطش.
ويلحق بما سبق سؤال عن ذلك الاضطراب في الصف الوطني تأسيسا على نوعية القضايا محل الاختيار أو محل التعديل. وهو اضطراب يكاد يماثل ما عانت بلدنا منه إبان قضية الحجاب "الفاروقية" في 2006. لقد تبلور هذا الاضطراب في الصف الوطني في المواقف من إشكالية النص على دين الدولة الرسمي بين فيتو الإسلاميين على التغيير وتشبث العلمانيين بهذا التغيير، والسؤال هنا: هل سيرتاح العلمانيون لإلغاء مادة تمس وجدان الغالبية الساحقة من المصريين، وهي في نفس الوقت مادة لم تمنع المساواة يوما؟ وما مساحة النقاش الذي أجراه الإسلاميون والعلمانيون حول هذه المادة وفاعليتها؟ وهل خرجوا بإعلانات سياسية وميثاق عام حولها؟
قد يغضب العلمانيون من ذلك، وسوف يغضب الإسلاميون لو قيل لهم إنهم يهتمون بلافتة الشريعة اهتماما قانونيا أكثر من اللازم برغم أن أي اجتهاد اجتماعي عام يمكن أن يلتزم الشريعة دون وضع اللافتة التي تثير حفيظة الحالة العلمانية، ويذكر المؤرخون أن الأطر العرفية كانت تمثل مساحة إسلامية بديلة غير معلنة في مواجهة كل محاولات علمنة حياتنا الاجتماعية منذ فجر القرن العشرين، فأين الاعتبار؟.
|