English

 

الأربعاء. مارس. 14, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » الداخل الفلسطيني

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

حماس والرقابة التشريعية.. تسييس مفتعل وقلة خبرة

عدنان أبو عامر

Image
كان واضحًا أن الفوز الذي حظيت به حركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتخابات التشريعية بتاريخ 25 يناير 2006 يعود لأسباب عديدة، وعوامل مختلفة، تبدأ بالعامل السياسي الوطني، ولا تنتهي بالعامل الإداري ورغبة الفلسطينيين بوقف عجلة الفساد المسرعة آخذة بطريقها كل المنجزات التنموية والاقتصادية المحلية.

وقد تبدَّى ذلك بصورة جد واضحة حين غدت قضايا الفساد مادة رئيسة في الدعاية الانتخابية للمرشحين، حيث وضعت جميع القوائم محاربة الفساد على رأس جدول أعمالها الانتخابي، وأعلن المرشحون حرصهم على محاربة الفساد حينما يصلون إلى مقاعد البرلمان، إلا أن حركة حماس كانت أكثر "أريحية" في الحديث عن قضايا الفساد، بعكس حركة فتح الحزب الرئيس الذي قاد السلطة خلال أكثر من عشر سنوات، فضلاً عن أن الشارع الفلسطيني جرّب "فتح" في المؤسسات الحكومية، ولم يجرب "حماس"، وبالتالي تفوقت الأخيرة في "حجتها" بشأن قضايا الفساد.

وبالفعل فقد أثبت يوم الانتخابات أن عددًا كبيرًا من المرشحين الذين التصقت بهم قضايا فساد من قريب أو بعيد سقطوا سقوطًا مدويًّا في صندوق الاقتراع، وبدا واضحًا أن الفلسطيني وصل إلى مرحلة الرفض الكامل لظاهرة الفساد التي أخذت تستشري رويدًا رويدًا في المجتمع والمؤسسات الرسمية والحكومية.

لكن كيف تعامل النواب الفائزون مع قضايا الفساد التي أعلنوا مرارًا وتكرارًا أنهم بصدد اجتثاثها، ومحاسبة من تثبت عليه قضايا التلاعب بالمال العام، والكشف عن حوادث الاختلاسات والرشاوى التي غدت تزكم أنوف الفلسطينيين، لا سيما أن حماس حظيت بأغلبية كبيرة في المجلس التشريعي، وأصبح لها القول الفصل في الكثير من القرارات وسن القوانين الخاصة بمحاربة هذه الظاهرة.

تحديات شاخصة أمام المشرعين الجدد

إن عامًا كاملاً من العمل التشريعي البرلماني يوضح بما لا يدع مجالاً للشك أن هناك قصورًا واضحًا في أدائه الرقابي، وهذا ليس استنتاجًا متسرعًا، أو حكمًا متعجلاً، بل تشفعه العديد من الوقائع والأسباب، لعل أهمها:

أولاً: ليس من الإنصاف بمكان ونحن نناقش قصورًا "ذاتيًّا" خاصًّا بالمجلس التشريعي أن نتجاهل العراقيل والعقبات "الموضوعية" التي وضعت في طريقه وهو متجه لتفعيل أدواته الرقابية، ومن أهمها:

1 - الخطوات الاستباقية التي أقدمت عليها حركة فتح بعيد إعلان نتائج الانتخابات، حيث قلّصت الكثير من الصلاحيات الدستورية الخاصة بالمؤسسة التشريعية وقامت بـ"ترحيلها" لمؤسسة الرئاسة، كما سنَّت عددًا من القوانين، وأصدرت رزمة من القرارات لصد أي تقدم حمساوي باتجاه محاربة الفساد وكشف ملفاته.

2 - التأخير المتعمد والغياب المتكرر لنواب فتحاويين في حضور اجتماعات لجنة الرقابة المختصة في المجلس التشريعي بملاحقة قضايا الفساد، وبالتالي عدم تحقق النصاب القانوني في هذه الاجتماعات، بمعنى عدم قانونية أي قرار أو ملاحظة ترفعها اللجنة لباقي النواب.

3 - عدم التعاون الحقيقي والملموس بين مركبات النظام السياسي الفلسطيني القائم حاليًّا، بحيث إن المجلس التشريعي الذي يودّ الكشف عن تفاصيل دقيقة تتعلق بقضية فساد ما، لا يجد التعاون المرجو من باقي المؤسسات الرسمية، وعلى رأسها مكتب النائب العام والأجهزة الأمنية والشرطية التي تمتلك ملفات عديدة عن أشخاص ومؤسسات فاسدة، وهذا مرده إلى الازدواجية التي عاشها الفلسطينيون طوال أكثر من عام، وانتشار ظاهرة أن السلطة برأسين، والاستقطاب الذي حصل داخل المؤسسات العامة تارة لصالح الحكومة، وتارات كثيرة لصالح مؤسسة الرئاسة.

ثانيًا: من الواجب أن نذكر أن هناك إشكالية ذاتية تتعلق بالنواب الجدد -لا سيما نواب حماس- وهم المستجدون على التجربة البرلمانية، فقد أتوا في وضع لا يحسدون عليه، آمال كبيرة تعلق عليهم، وملفات ثقيلة بانتظار فتحها وملاحقتها، ورؤوس "ثقيلة العيار" تنتظر التحقيق معها واستجوابها، وبالتالي جاءت قلة الخبرة وخلو السيرة الذاتية لمعظم نواب حماس من أي تجربة برلمانية أو دستورية سابقة لتضع تبعات مكلفة على تجربتهم الوليدة، لا سيما أن الدعاية الانتخابية التي سبقت يوم الاقتراع أوصلت الفلسطينيين إلى قناعة "خطأ" مفادها أن العهد القادم هو عهد تطبيق شعار: من أين لك هذا؟.

ثالثًا: لا شك أن الوقائع الميدانية والمعطيات السياسية في الواقع الفلسطيني التي نجمت عن النتائج المفاجئة للانتخابات التشريعية، ورفضها من قبل قطاعات كبيرة من حركة فتح، والإقليم العربي، والمجتمع الدولي، عملت على ما يمكن أن يسمى "تسييس" العمل البرلماني، الأمر الذي حرفه عن مساره بالتأكيد، وجعل أي متابع لجلسات البرلمان الفلسطيني يحسب نفسه يشاهد ندوة سياسية بحتة، بحيث غلبت على الأجندة الدورية لجلساته الملفات السياسية التي تعالج من قبل الحكومة والرئاسة والقوى السياسية.

رابعًا: السلوك الإسرائيلي الذي لم يكن مستغربًا ضد حركة حماس، حين أقدم على اعتقال معظم نوابها في الضفة الغربية، وبالتالي لم تَعُد تمثل الحركة تلك الأغلبية البرلمانية التي حصلت عليها، مما أوقعها في حالة ارتباك واضح وملموس، جعلها متخوفة من أي إجراء برلماني من قبل الكتل البرلمانية الأخرى، لا سيما كتلة فتح التي أشارت التجربة إلى أنها قد "تنتهز" هذه الفرصة لتمرير قوانين معينة، وإبطال قوانين وقرارات أخرى.

خامسًا: الأزمة السياسية الخانقة التي مرت بها الحالة الفلسطينية خلال شهري يناير وفبراير 2007، وتطورها إلى حالة اشتباكات مسلحة في شوارع غزة وأزقتها، رافقها "تعطيل" غير مبرر للمجلس التشريعي، فهل يعقل أن تجمد جلساته طوال أكثر من أربعة أشهر بين أغسطس وديسمبر 2006؟! ليس هناك مبرر يمكن أن يساق لهذا التعطيل لسلطة هامة من السلطات الثلاث في أي نظام سياسي، مهما سيق من تسويغات "سياسية" ليس لها علاقة بتقاليد برلمانية ودستورية متعارف عليها.

سادسًا: كان من الصعوبة بمكان أن يمارس مجلس تشريعي أغلبيته من حماس الرقابة البرلمانية المتوقعة على حكومة كل وزرائها من ذات الحركة، طبعًا هذا في العرف الديمقراطي سلوك طبيعي ويجب ألا يثير كثيرًا من الغبار، لكن في ظل وضع سياسي متأزم يصبح من المستحيل بمكان أن تمارس هذه الرقابة من هؤلاء النواب على أولئك الوزراء!.

استنساخ تجربة فتح الماضية.. هل يمكن؟

لعلّه عنوان صارخ من عناوين الإثارة الصحفية، لكن الوقائع التي عاشتها الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة قد -وأقول قد- توصلنا إلى هذه النتيجة القاسية نسبيًّا، لا سيما أن برنامج حماس الانتخابي جاء لينسف التجربة المريرة التي خاضها الفلسطينيون مع حركة فتح، فمن سياسة التوظيف الحزبي القائم على أسس فئوية وانتماءات سياسية لا علاقة لها بالكفاءة والمهنية، وصولاً إلى سياسة التغطية على الفاسدين ومحاولة "تلميعهم" لمراحل سياسية قادمة، والسير بالمشروع الوطني برمّته ليتم تقزيمه في النهاية إلى مشروع استثماري شخصي لحفنة قليلة من الشخصيات، في تغييب سافر ومتعمد لمفاهيم الرقابة والمساءلة والمحاسبة!.

هذا التوصيف المرير هو خلاصة الوضع الحقيقي للسلطة الفلسطينية، وقد شعر به وعاشه كل فلسطيني في الضفة والقطاع، مما جعل الناخب يتوجه بصورة تلقائية لانتخاب حماس وتسليمها لمقاليد إدارة الأمور في مؤسسات السلطة وأجهزتها. وقد أكد ذلك استطلاع للرأي أجري قبيل إجراء الانتخابات التشريعية أكد فيه 46% من الفلسطينيين أن حماس هي الأقدر على محاربة الفساد، في حين حصلت فتح على نسبة 37%! لكن عامًا كاملاً من التجربة "الحمساوية" أثار عددًا من التساؤلات يقف على رأسها ذلك السؤال المثير: هل حماس ماضية في استنساخ تجربة فتح في السياق الإداري والرقابي على الأقل؟.

الكثير من التقارير والشواهد تشير إلى انتهاج حماس في بعض المنعطفات لسياسة "التوظيف الحزبي" القائم على أسس سياسية بحتة، حيث طرأت زيادة على عدد هؤلاء الموظفين قدرت بعشرة آلاف موظف جديد غالبيتهم العظمى من مؤيدي الحركة، طبعًا جزء كبير منهم من عناصر القوة التنفيذية التي لجأت لتشكيلها حكومة حماس في ظل رفض الأجهزة الأمنية الامتثال لقرارات وزير الداخلية، بل والتمرد عليه، الأمر الذي دفع البنك الدولي لأن يضع الحكومة في الخانة ذاتها التي وضع فيها الحكومات السابقة التي اتبعت سياسة تضخيم القطاع العام دون وجود توقعات بزيادة في إيرادات السلطة.

وفي الوقت الذي توقع الجمهور فيه من الحكومة الجديدة اختيار موظفيها، خصوصًا في المواقع العليا وفق الكفاءة، وضمن وسائل الشفافية المعروفة من إعلان عن الوظائف العامة وتشكيل لجان للمقابلة والاختيار، إلا أن أيًّا من هذا لم يحصل، وجرى اختيار الموظفين على أساس حزبي بحت، وقد أشار استطلاع أجري قبل عدة أشهر إلى أن نسبة الاعتقاد بانتشار الفساد في السلطة تبقى عالية جدًّا وتصل إلى 89%، بينما يرى 72% من الفلسطينيين بأن الوظائف اليوم تتم عن طريق الواسطة بشكل كبير!.

وهنا مرة أخرى يظهر التعثر الرقابي للمجلس التشريعي، لا سيما في ظل انضمام فصائل أخرى إلى الحكومة الجديدة الجاري تشكيلها، حيث يُتوقع أن يواصل عدد موظفي القطاع العام تضخمه جراء التعيينات السياسية التي يلجأ لها ممثلو هذه الفصائل في الوزارات التي يتسلمونها.

في هذا السياق من الضرورة أن ننقد الدور الغائب للمجلس التشريعي في ظل ما يشاع عن قضايا فساد هنا وهناك، وتلاعب بالمال العام وإهداره، من خلال طرح الملاحظات التالية:

1 - يتحمل النواب مسئولية كبيرة في عدم فتحهم لملفات فساد ضخمة يتحدث عنها الفلسطينيون في شوارع غزة والضفة، على أنها بديهية قائمة، وإلا فهل يمكن لصحفي هاوٍ أن يطلع على وثائق ومستندات تودي بأصحابها إلى حيث يجب أن يكونوا، أكثر من برلماني منتخب يجب أن تفتح أمامه الأبواب والنوافذ؟.

2 - هناك مسئولية برلمانية جدية يتحملها المجلس التشريعي في غمرة الدم الفلسطيني الذي سكب خلال الأزمة الأخيرة، والسؤال هنا: لماذا لم يتم تفعيل أدوات الرقابة المتعارف عليها دستوريًّا وبرلمانيًّا من مساءلة واستجواب وتحقيق وملاحقة؟ ولماذا لم يتم إحضار وزير الداخلية ومساءلته عن حالة الفلتان الأمني المستشرية، وليعلن أن هناك عصابات منظمة داخل الأجهزة الأمنية تأتمر بأوامر خارجية، كما صرح بذلك سلفه السابق علانية؟.

3 - كان يجب على النواب أن يدركوا أن الفصل بين انتمائهم التنظيمي والانتماء الوطني أمر مهم لإتاحة الفرصة لممارسة دورهم الرقابي، بالمناسبة الحديث يدور عن مسافة لا تكاد ترى بالعين المجردة بين الانتماءين، لكن المنطق يقول إن النائب ما إن يصل إلى قبة البرلمان، فإن عليه أن يمثل مصالح العامة، كل العامة، حتى لو كان ثمن ذلك إخضاع وزير من ذات الفصيل للمساءلة والاستجواب، أزعم أنه في هذه الحالة سيرتفع الرصيد التنظيمي للنائب وفصيله من بعده.

رقابة مأمولة مستقبلاً.. ولكن!

ما زال أمام المجلس التشريعي ثلاث سنوات أخرى بإمكانه خلالها أن يتجاوز الهفوات التي وقع فيها خلال العام الأول، من خلال تطبيقه لبرنامج إصلاحي رقابي شفاف، لا سيما في ظل حكومة الوحدة الوطنية المأمولة، حيث تستريح حماس نسبيًّا من حملة الضغوط التي تمارس عليها، وبالتالي تتفرغ ولو -جزئيًّا- لمعالجة ملفات الفساد العالقة التي تنتظر نوابًا وبرلمانيين أقسموا بأن يحموا مصالح الوطن والشعب، وعلى رأسها الحفاظ على المال العام، وتأمين حياة كريمة له.

لكن هناك شكوكًا كبيرة تحيط بإمكانية هذه الاستفاقة، ليس بالضرورة لإشكال متأصل في نواب حماس، أو رغبة بالتغطية على فاسدين بعينهم، وإنما لتعقيدات سياسية تعصف بالوضع الفلسطيني تجعل من الصعوبة بمكان السير في برنامج مكافحة الفساد طويلاًً إلى الأمام، بل تحول ملف الرقابة المطلوبة برلمانيًّا إلى ملف ممتلئ بالألغام تجعل مجرد فتحه إيذانًا بانفجار الوضع السياسي والميداني من جديد، كيف ذلك؟.

1 - المصالحة الفتحاوية الحمساوية التي عبّر عنها اتفاق مكة، ستجعل من الصعوبة على أي منهما فتح ملفات للطرف الآخر، تحت حجة "التوافق الوطني"، وهو ذاته منطق الترضيات، وبوس اللحى، وعفا الله عما سلف، وكأن هذا التوافق يمنح غطاء وشرعية لفاسدين يعلم القاصي والداني أنهم فاسدون بامتياز! وهنا يجب أن يبرز الدور الرقابي للبرلمان من خلال ما ورد سابقًا عن فصل دقيق بين الانتماء التنظيمي والوطني.

2 - هناك تخوف حقيقي من أن يتم تعيين عدد من الوزراء في الحكومة القادمة من داخل المجلس التشريعي، مما سيوقعه في حالة ازدواجية قاتلة لأدائه الرقابي، مما يتطلب رفض هذه الفكرة من أساسها، وعدم تكرار تجارب الحكومات العشر السابقة.

3 - منطق الابتزاز الذي سيمارسه المجتمع الدولي مرة أخرى على حكومة الوحدة سيجعل النظام السياسي الفلسطيني برمته، حكومة ورئاسة وبرلمان وفصائل، مصطفين خلف بعضهم البعض لمحاولة كسر هذا الحصار، وبالتالي سيكون مرفوضًا من مكونات أساسية في ذلك النظام تفعيل الأداء الرقابي للبرلمان، وكأن رفع الحصار يتعارض مع مكافحة الفساد، علمًا بأن كليهما مكمل للآخر، وليس العكس.

ومع ذلك، فلا بد من يقظة برلمانية فلسطينية تعود لتمسك بزمام المبادرة، وتفعّل أداءها الرقابي من خلال: سنّ تشريعات لمحاسبة المسئولين، وتوظيف الأدوات الرقابية في مكافحة الفساد، ومتابعة تطبيق القوانين مع السلطة التنفيذية ومؤسسات إنفاذ القانون، والتواصل مع الناخبين والمجتمع المدني للاطلاع على واقع الرقابة القائمة، أما إن بقي الأداء الرقابي على حاله، فإن تقييمًا متزنًا وموضوعيًّا لتجربة حماس البرلمانية سيجد طريقه إلى صندوق الاقتراع بعد ثلاث سنوات بنتائج لن تسر بالتأكيد أصحاب برنامج التغيير والإصلاح.


كاتب وصحفي فلسطيني.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات