|
| مؤتمر أمن العراق يشهد أول لقاء أمريكي إيراني |
رغم أن المؤتمر الذي دعا له العراق -المقرر في 10 مارس الجاري 2007، في بغداد بمشاركة مسئولين من الدول المجاورة للعراق والدول الخمس الدائمة العضوية بالأمم المتحدة، وممثلين عن الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي- كان مخصصا لبحث الوضع في العراق، ودور هذه الأطياف السياسية المختلفة في مساعدة الحكومة العراقية على تحقيق الاستقرار في بلد يعاني من فوضى صارخة، فقد خرج المؤتمر بعدة رسائل ذات مغزى تتعلق بقضايا أخرى.
رسائل ذات مغزى
- تتعلق الرسالة الأولى بتحول المؤتمر إلى فرصة لتنفيذ توصيات لجنة بيكر/هاميلتون بشأن الحوار الأمريكي مع طهران ودمشق (بصورة غير مباشرة)، وبما يحفظ ماء وجه حكومة الرئيس الأمريكي بوش، وخلق ما يمكن تسميته "تواصل مصالح" بين واشنطن وطهران، خصوصا في ظل الأزمة التي تواجهها الإدارة الأمريكية في العراق، واعترافها بدور إقليمي قوي لإيران في العراق وقضايا إقليمية أخرى.
- أما الرسالة الثانية فتظهر في هذا التحول اللافت في الإستراتيجية الأمريكية في التعامل مع "محور الشر"؛ عبر اللقاءات المباشرة مع ممثلين من إيران وسوريا، وطرح الملفات العالقة بين أمريكا وهذا المحور؛ بهدف تصفية بؤر التوتر بينهما.
هذا التحول قد يكون حقيقيا؛ نتيجة لضعف الدور الأمريكي في العراق، ومسلسل الفشل الذي تواجهه إدارة بوش، وسعيها للانسحاب من العراق بصورة مشرفة، وقد يكون تحولا مصطنعا يأتي ضمن إستراتيجية أمريكية بديلة تقوم على النفس الطويل مع "محور الشر" بما يعنيه من مفاوضات وصفقات سياسية ضمنية، ودون أن يعني التخلي عن ترتيب الأولويات الإستراتيجية الأمريكية المتمثلة في ضرب إيران أولا، والتمهيد لذلك بإقناع السعودية وبقية الدول العربية –حسبما أكد الصحفي الأمريكي سيمور هيرش في محاضرة له بالقاهرة– بأن خطر إيران بات أكبر من خطر الأصولية السنية والقاعدة، وأن النظام الإيراني الحالي يدعم قتل الأمريكيين في العراق، ويدعم قتل الإسرائيليين، وبالمثل يسهم في قتل العراقيين، فضلا عن أن إيران دولة قوية، وعندها خطة نووية بشكل يهدد المصالح الأمريكية في المنطقة، ويهدد إسرائيل الحليف الأول لأمريكا.
- وترتبط الرسالة الثالثة بتزايد الاعتماد الأمريكي على الحلفاء العرب، واتجاه أمريكا لترتيبات أكبر في المنطقة العربية مع دول مثل السعودية وتركيا على حساب حلفاء قدامى، خصوصا مصر التي تلقت عدة ضربات دبلوماسية مؤخرا أثارت تساؤلات حول ضعف دورها الإقليمي سواء عمدا –عبر أمريكا– أو نتيجة عوامل داخلية، خاصة بعد عقد مؤتمر المصالحة الفلسطينية في مكة، الذي خرج باتفاقية مكة لحكومة الوحدة الوطنية، ثم مؤتمر العراق الإقليمي الذي أعلنت وزارة الخارجية المصرية أنه سيعقد في القاهرة في مطلع إبريل المقبل، وتحضره دول إقليمية، والدول الأعضاء بمجموعة الثماني، ثم ترددت أنباء أخرى عن قبول الدعوة التركية لاستضافة المؤتمر بعدما كانت مصر مرشحة له.
ما وراء تعاون محوري الخير والشر
ويبدو أن عقبة تعارض المصالح في العراق -بين إيران وأمريكا التي كانت هاجسا مشتركا للطرفين ينذر بتعجيل مواجهة عسكرية لم تستعد لها واشنطن بعد ولا ترغب طهران فيها- تحولت في مؤتمر العراق إلى باب للالتقاء، بحيث بدا المؤتمر في هذه الحالة وكأنه "مؤتمر تفصيل" لخلق مساحات تواصل بين مصالح الطرفين الإقليمية.. إلى حين.
يؤكد هذا، موافقة أمريكا على الجلوس للحوار مع إيران وسوريا دون شروط رغم تكرار وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس مرارا خلال الأسابيع القليلة الماضية أن الحديث مع إيران يتطلب تعليقها، أولا، تخصيب اليورانيوم تنفيذا لقرارات مجلس الأمن. ثم بعد ذلك، يصبح الباب مفتوحا للبحث في كل الملفات.
ويؤكد هذا أيضا، حرص الرئيس الأمريكي جورج بوش قبل 24 ساعة من المؤتمر على القول -في خطاب أمام منظمة "أمريكا ليجون" لقدامى الحرب الأمريكيين- إنه ينتظر من إيران وسوريا أن تساعدا الحكومة العراقية، وإنه ينتظر منهما "أن تساعدا هذه الديمقراطية الفتية"، منوها إلى أن المؤتمر الدولي الذي سيعقد قريبا حول العراق -في إستانبول منتصف إبريل- سيكون "اختبارا لجدية إيران وسوريا" في استعدادهما للمساعدة في خفض حدة العنف في هذا البلد.
بعبارة أخرى، رهن بوش مسألة فتح باب الحوار مع دولتي "محور الشر" بسلوكهما خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وقبل عقد مؤتمر العراق الدولي في إستانبول الشهر المقبل، ولم يتأخر السفير الأمريكي في بغداد زلماي خليل زاد قبيل مؤتمر بغداد الدولي في الترحيب بلقاء المسئولين الإيرانيين والسوريين لهذا الغرض.
وما يؤكد أيضا حدوث "شيء" وراء الستار بين الطرفين أن كلاهما كشف أوراقه في مؤتمر بغداد، وحدد كل طرف مطالبه من الآخر؛ استعدادا لعقد الصفقة -لو أمكن- في إستانبول. فالطرف الأمريكي اشترط ما قال إنه "وقف تهريب الأسلحة" التي تعبر الحدود للعراق وتستخدم ضد قواته، وكذلك وقف الدعم للميليشيات في العراق. وبالمقابل حدد نائب وزير الخارجية الإيراني للشئون القانونية والدولية عباس أركتشي المطالب الإيرانية بإطلاق سراح الدبلوماسيين الإيرانيين الستة الذين اعتقلتهم قوات أمريكية في أربيل وبغداد قبل شهرين، وبوضع جدول زمني لانسحاب "القوات الأجنبية" من العراق؛ "لأن ذلك سيساعد على حل مشكلة العنف".
فيما حددت سوريا مطالب بالمقابل تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من هضبة الجولان، وعودة نفوذها إلى لبنان، وإلغاء المحكمة الدولية المتعلقة بالتحقيقات الجارية في اغتيال رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان السابق.
واللافت أن المسئولين الأمريكيين والعراقيين أكدوا أن المحادثات التي جرت بين وفدي واشنطن وطهران كانت "بناءة جدا وإيجابية"، ووصفها الإيرانيون بأنها "خطوة أولى مهمة"، وظهر الدليل في التوصل لمقترح بتشكيل ثلاث لجان فنية على مستوى الخبراء للتنسيق بشأن "الأمن" و"اللاجئين" و"توريدات الوقود والطاقة" إلى العراق.
لكن رغم كل ذلك فإن ما وراء هذا التنسيق الجديد بين دولتي محوري "الخير" و"الشر" ليس بالطبع إلا مصالح وقتية في العراق، وترتيبات لتبريد حدة الخلافات بين العدوين الإستراتيجيين، ومحاولة أمريكية لمداراة الفشل في العراق. والأهم، أنه يأتي ضمن مخطط أمريكي لتوريط محور "الاعتدال" العربي في الأزمة العراقية، ووضعه في مواجهة التدخل الإيراني في العراق؛ بهدف سحبه أكثر للمستنقع العراقي الذي رفض الخوض فيه سابقا، وكلها خطوات تستهدف ضمنا مساندة هذا المحور "المعتدل" للخطط الأمريكية ضد إيران مستقبلا، باعتبار أن إيران باتت خطرا على العرب أكبر حتى من خطر إسرائيل.
أما دلالات هذا التعاون الجديد بين محور الخير مع الشر، فلا تحتاج لبيان، وأقلها يظهر بوضوح في فشل إستراتيجية بوش الأخيرة في العراق أو ما سمي خطة أمن بغداد، التي اعتمدت على جلب قوات أمريكية أكبر، والاستعداد لقبول فكرة وضع جدول زمني للانسحاب نتيجة لضغوط الكونجرس، ومن ثم سعي إدارة بوش للورقة الإيرانية كورقة أخيرة لضمان انسحاب مشرف من العراق في نهاية العام الجاري، ثم الاستعداد لاحقا أو بالتزامن لضرب طهران بعد الاستفادة من دورها في تهدئة الحالة العراقية؛ لأن واشنطن لن تقبل بإيران كدولة نووية تهدد هيمنتها الحالية على منطقة الخليج وما بها من احتياطات نفطية هائلة.
ومن ثم فمؤتمر العراق الأول في بغداد ربما جاء كمحاولة إيرانية للاحتفاظ بدور إيراني في الأزمة العراقية يسعى لاستمرار الورطة الأمريكية هناك، واللعب بهذه الورقة -استمرار النزاع- لكون التورط الأمريكي هناك أفضل ورقة بين يدي إيران تحكم بها قبضتها على الولايات المتحدة، في حين أن الطرف الأمريكي يسعى للتخلص من هذه الورقة التي ترهن وتشغل 150 ألف جندي أمريكي هناك لا يمكنهم التحرك ضد إيران.
والخطورة الكبرى أنه بينما تدرك طهران ودول الجوار العربية أن الخروج الأمريكي المبكر من العراق ربما يدفع باتجاه صراع تمويل وتعزيز وتسليح للقوى العراقية المختلفة بما يوسع الحرب الطائفية، التي لن يكون فيها فائز أو مهزوم، يبدو أن هذا الهدف لا يعني الأمريكان كثيرا، بقدر ما يعنيهم التفرغ لمواجهة إيران مستقبلا، وحشد محور الاعتدال العربي كي يوفر غطاءً شرعيا عربيا للتعاون في ضرب إيران بدعاوى وقف مخاطر المحور الشيعي تارة، ومنع هيمنة النفوذ الإيراني على دول مجلس التعاون الخليجي تارة أخرى.
ولأن الصورة لا تزال غامضة، فالجولة المقبلة من "مؤتمر العراق الدولي" -في إستانبول أو القاهرة في إبريل المقبل- سوف تضع الكثير من النقاط على حروف المعضلة العراقية، وتحالفات المصالح الأمريكية الإيرانية من جهة، والأمريكية العربية من جهة أخرى.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|