|
مضى الآن عام على تولي حركة حماس السلطة بعد فوزها بالانتخابات البرلمانية الفلسطينية في أراضي السلطة الفلسطينية، وهو فوز حدث عبر انتخابات حرة شجعت الولايات المتحدة على إجرائها، وهذا حدث نادر في العالم العربي.
وبالطبع لم تكن تتوقع الولايات المتحدة ولا إسرائيل، فضلاً عن حركة فتح الحاكمة وبقية العالم العربي، حدوث شيء على هذا النحو. ولهذا كانت الانتخابات الفلسطينية مذكرة لنا بالانتخابات الجزائرية التي جرت عام 1991 عندما فازت "جبهة الإنقاذ الإسلامي" بالجولة الأولى، لكن نتيجة الانتخابات رفضت من قبل المؤسسة العسكرية المدعومة من قبل فرنسا والولايات المتحدة.
وفي حالة حماس أحدث الفوز مقاطعة عالمية قادتها الولايات المتحدة، وهدفت إلى خنق الحكومة الجديدة إلى أن تموت ببطء وتُطوى صفحتها. وهكذا ناقد الجميع أنفسهم بعد أن تجاهلوا رغبات غالبية الشعب الفلسطيني.
كيف انتصرت حماس؟
إذ إن ظهور حماس على الساحة الفلسطينية وفوزها بالانتخابات البرلمانية لم يأتِ من فراغ؛ فهي ظهرت كلاعب حقيقي على الساحتين الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية خلال الانتفاضة الأولى التي بدأت في عام 1987.
وتعود أصولها إلى الفرع الفلسطيني المؤسس منذ وقت طويل لحركة الإخوان المسلمين والذي بقي مهمشًا نسبيًّا، إلى أن انخرطت حماس بالمقاومة النشطة للاحتلال الإسرائيلي. وكانت الحركة قد عارضت مفاوضات السلام مع إسرائيل في عام 1991، ثم عارضت اتفاقيات أوسلو وكل ما انبثق عنها من اتفاقيات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.
وعليه قاطعت الحركة الانتخابات البرلمانية التي نظمت في عام 1996، وبسبب معارضتها تلك اكتسبت حماس 3 مزايا ساهمت في رفع شعبيتها لدى الشارع الفلسطيني، الميزة الأولى والأكثر أهمية هي انخراطها النشط في مقاتلة الاحتلال الإسرائيلي، في الوقت الذي انشغلت فيه حركة فتح بالتحرك السلمي والمفاوضات، وبالتالي ابتعدت عن مقارعة الاحتلال، وعليه حلَّت حماس محل فتح كقوة تقود المقاومة الوطنية، وساهم الرفض الإسرائيلي في وقف النشاط الاستيطاني اللاشرعي خلال العملية السلمية في تعزيز شعبية حماس.
الميزة الثانية تتمثل في فشل العملية السلمية في الوصول للأهداف المعلنة، سواء في إنهاء الاحتلال أو تحسين حياة الفلسطينيين وإقامة المؤسسات التي ستقام عليها الدولة المستقبلية الفلسطينية، واستفادت حماس من الفشل في الحكم في عهود الحكومات الفلسطينية المتعاقبة حتى 2002.
ولا شك أن تردد إسرائيل الواضح في تنفيذ الاتفاقيات الموقعة، جعل الرأي العام الفلسطيني يتوصل في النهاية إلى قناعة مفادها أن إسرائيل تحاول خداع القيادة الفلسطينية، واستفادت حماس من ذلك فزادت شعبيتها على حساب فتح.
وأخيرًا.. تلقت حماس مبالغ ضخمة أولاً من مصادر حكومية، ثم من مصادر غير رسمية من المؤيدين لها في المنطقة وفي العالم، وسمح هذا لحماس بإقامة بنية تحتية مفيدة ساعدتها في تقوية مواقفها السياسية، إضافة إلى ما سبق عملت حماس على الترويج للقيم الإسلامية، وهو أمر لقي ترحيبًا واسعًا في مجتمع يشكل فيه المسلمون الأغلبية الساحقة، ناهيك عن نشاطها الاجتماعي المتميز عبر تقديم الكثير من الخدمات لفقراء الفلسطينيين. كل هذه العوامل مجتمعة ساعدت حماس على الفوز في الانتخابات.
مواقف خاطئة
وردًّا على ذلك النصر الانتخابي، وبدلاً من أن تشكل جميع الأطراف ذات العلاقة داخل وخارج فلسطين سياساتها على أساس حقيقة أن حماس جاءت عبر انتخابات حرة وشرعية، اتخذت تلك الأطراف التي عارضت حماس مواقف مختلفة؛ فحركة فتح رفضت دعوة حماس المبكرة لها بتشكيل حكومة وحدة وطنية على اعتقاد أن محدوديات السلطات التي تتمتع بها السلطة الفلسطينية مضافًا إليها الإجراءات الإسرائيلية القاسية ستساهم في إفشال وإسقاط تلك الحكومة.
والأسرة الدولية بقيادة الولايات المتحدة طبقت إستراتيجية مختلفة، فمن خلال فرض مقاطعة سياسية واقتصادية، أملت واشنطن في أن يؤدي ذلك إلى خروج الحكومة من فشل إلى فشل، وبالتالي سقوطها، واتخذت إسرائيل سياسة مشابهة، حيث قررت منع تحويل أموال الضرائب التي تجمعها لحساب السلطة بموجب اتفاقيات أوسلو، وهي أموال تساهم بحوالي ثلثي العائدات الداخلية التي تمول السلطة.
الشعب الفلسطيني كان واعيًا للتحركات الدولية؛ ففهم أن هذه الإجراءات قصد منها بالدرجة الأولى معاقبته على ممارسة حقوقه الديمقراطية، وعليه أدرك الفلسطينيون أن عجز الحكومة عن تنفيذ التزاماتها يعود للأسرة الدولية وإسرائيل وليس إلى حماس.. باختصار لم يغضب الرأي العام الفلسطيني على حماس ولم يحملها مسئولية التسبب في المعاناة التي يعيشها.
وهكذا لم تنجح الولايات المتحدة في تأليب الرأي العام الفلسطيني على حماس، بل إن الكثير من الفلسطينيين ينظرون لحماس الآن على أساس أنها تمثل الكرامة الوطنية لهم، في ظل تشدد واضح من قبلها تجاه إسرائيل، ورفضها تمرير أي تنازل دون مقابل.
أكثر من هذا أنه وبإصرارها على فرض الحصار على حكومة حماس، خسرت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل الفرصة لاستغلال فوز حماس الانتخابي من أجل مساعدتها على التخلص من قيود الماضي وتوسيع الفجوة القائمة بين القيادة المحلية والقيادة الخارجية المتشددة الموجودة في دمشق.
الخارج لم يفهم حماس
فحماس دخلت الانتخابات بعد مرور 7 أشهر على إعلانها هدنة مع إسرائيل، وكانت قد فقدت قيادتها المخضرمة بفعل الضربات الإسرائيلية، ولم يكن لديها قائد واحد محلي مشهور، وهذا أثّر بدوره على الحكومة التي شكلتها حماس عقب فوزها بالانتخابات؛ إذ خلت هذه الحكومة من قائد مركزي يقودها، وكانت قيادتها في الحقيقة أشبه ما تكون بقيادة جماعية لم تمارس عناصرها إلا النشاط الاجتماعي إضافة إلى بعض التكنوقراط، لكن الولايات المتحدة وإسرائيل عجزتا عن إدراك حقيقة أن هذه القيادات المحلية التي تمثل القيادة الاجتماعية الأصيلة في أراضي السلطة، والأقرب للشارع الفلسطيني من قيادات الخارج، لديها الرغبة في ترويج نفسها كقيادات سياسية بمواجهة قيادات الخارج، بكل ما يعنيه ذلك من استعداد ضمني للتعاطي سياسيًّا مع القضايا المطروحة بنهج أكثر برجماتية، خاصة أن ملهمها وزعيمها الروحي الشيخ أحمد ياسين كان قد سبقها على هذا الطريق، وغرس بذور هذا النهج البرجماتي في مسيرة حماس السياسية، عندما حرص على ترجمة المزاج العام للرأي الفلسطيني، فقبل بدولة فلسطينية في حدود 1967، وركّز بالتالي على النضال المحلي داخل الأراضي الفلسطينية، برغم أن هذه المواقف لا تتماشى مع ميثاق الحركة الذي أعلنته عام 1987، وإن كان هذا يعني شيئًا، فهو يعني أن حماس وضعت البرجماتية فوق كل شيء وتركت الباب مفتوحًا أمام رغبات الرأي العام.
مسيرة حماس في عام 2006 كانت ستؤدي بها إلى أن تكون أكثر برجماتية فيما لو وجدت من يعترف بها كمنتصر شرعي وكممثل للرأي العام الفلسطيني، مع الاعتراف بحقها في اتخاذ القرارات التي تراها مناسبة. لكن بدلاً من ذلك واجهت حماس التحفظات والرفض من قبل إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا ومعظم دول العالم العربي بمن فيها السعودية؛ وهو ما دفع حماس بقيادتها الداخلية نحو خالد مشعل والمتشددين الآخرين الذين قدموا أنفسهم على أنهم المدافعون الحقيقيون عن الشعب الفلسطيني.
والنتيجة أننا الآن في ورطة، حيث تواجه السلطة الفلسطينية أوضاعًا متفجرة لن تقود أي طرف إلى أي مكان، بل ستعمل على إبقاء هذا الوضع غير المريح إلى أجل غير مسمى، وهذا يدفعنا إلى القول بأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي لا يمكن حله من خلال الأخذ بوسائل وسياسات تنفذ على المدى القصير. فحماس ستحتاج إلى سنوات طويلة من أجل الاعتراف بوجود إسرائيل أو التخلي عن العنف. وعلينا أن نقيّم حماس من خلال أفعالها وسلوكها العملي يومًا بعد الآخر، وليس من خلال أيديولوجيتها.. علينا أن نتعامل بواقعية مع حماس من خلال تمكينها من لعب دورها الشرعي وتخفيف المقاطعة المفروضة عليها؛ فهذا سيدفع الشعب الفلسطيني لتشجيع حماس على السير على الخط البرجماتي، خاصة أن الرأي العام الفلسطيني أكثر برجماتية من بقية الشعوب العربية، ويمتلك القدرة على فرض هذه البرجماتية على قيادة حماس المحلية.
كاتب ومحلل سياسي بريطاني.
*نقلا عن المركز الدولي لدراسات أمريكا والغرب، مقال نشر تحت عنوان
"كلهم أخطئوا في التعامل مع حماس"، يوم 17 فبراير 2007.
|