|
| وزير الثقافة الفلسطيني أبو السبح |
فور فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية بأغلبية مُطلقة، وتشكيلها للحكومة الفلسطينية العاشرة، وضعت أوساط فلسطينية ثقافية يدها على قلبها خوفا من تغيير وتبديل المشهد الثقافي والاجتماعي، وأبدى كثيرون قلقهم مما وصفوه بسيل قادم من المحرمات يعوق العملية الثقافية والفنية والاجتماعية، غير أن شيئا من مخاوفهم لم يتحقق، ولم يتحول إلى واقع.
فحركة حماس -ومن خلال حقيبة وزارة الثقافة- لم تعبث بالمشهد الثقافي أو الاجتماعي، ولم يُسجل أنها قامت بإغلاق دور السينما أو منع مهرجانات الفلكلور الفلسطيني والرقص الشعبي.
لغة الحوار
الدكتور عطا الله أبو السبح وزير الثقافة الفلسطيني -والذي يستعد لمغادرة وزارته بعد عام من حمله لحقيبة الثقافة التي لن تؤول حسب توزيع الوزارات في اتفاق مكة لحركة حماس، وإنما سيحملها أحد المستقلين- تحدث إلى شبكة "إسلام أون لاين.نت" قائلا: "أكدنا -ومنذ تولينا وزارة الثقافة- أننا لن نعتمد سوى لغة الحوار والحوار فقط.. لم نحجب ولم نُصادر ولم نُقصِ أحدًا.. أقمنا المهرجانات الفنية الشعبية الفلسطينية، وشجعنا فرق الفلكلور، وكنت حاضرا وراعيا لكثير من هذه الفعاليات".
وشدّد وزير الثقافة على أن حركة حماس كانت واضحة منذ البداية، فتحدثت عن ترشيد السينما وليس محاربتها أو قمعها، وتابع قائلا: "همّنا كان توجيه وترشيد السينما، وتحويلها لأداة فعَّالة في خدمة القضية الفلسطينية وخدمة المجتمع وقضاياه المجتمعية والإنسانية.. كانت لنا العديد من قنوات الاتصال مع مخرجين فلسطينيين وعرب للتعاون في هذا السياق".
وعما إذا حاربت حكومة حماس الفلكلور الفلسطيني والرقص الشعبي، رد أبو السبح: "من يتحدث عن محاربتنا أصوات مُعارضة، نحن شجّعنا الفلكلور والرقص الشعبي، وشاركنا في أكثر من مهرجان، لعل أبرزها مهرجان التراث الفلسطيني؛ كان مهرجانا كبيرا حضره عدد من الوزراء ونائب رئيس الوزراء، احتوى على الرقص الشعبي والدبكة".
وأكد أنه ترأس وفدا فلسطينيا شارك في مؤتمر وزراء الثقافة في الصين، وأضاف: "قدمنا هناك عرضا كبيرا وناجحا للدبكة الفلسطينية".
وأوضح الوزير أن جلّ ما كان يفعله هو تسيير الثقافة الفلسطينية نحو خدمة الأهداف والمعاني الإنسانية السامية.
"لست عليهم بمسيطر"
وحول مخاوف البعض من قيام حركة حماس بمنع المهرجانات الغنائية الراقصة أو قمعها، أجاب قائلا: "نُكبنا بعام مثقل بالجراح لم يكن ليسمح بمثل هذه المظاهر، ثم إن وزارة الثقافة كانت واضحة منذ البداية، ورفعت شعار الحوار أولاً، ولم تكن لتتخذ من القمع سياسة، كما أكدنا على أهمية استغلال الوسائل الثقافية بشكل جيد ونافع".
يُشار إلى أن المجتمع الفلسطيني مجتمعٌ محافظ بطبعه، يرفض ما هو دخيل على ثقافته وهويته.
أما عن قضية المرأة والحجاب، وإذا ما كانت حركة حماس قد فرضت على العاملات في الوزارات الالتزام بالحجاب، رد قائلا: "من أراد الإجابة عن هذا السؤال فليأتِ لزيارة وزارة الثقافة وباقي الوزارات، هناك العديد ممن يعملن حاسرات الشعر، ولم يتعرضن لأي قمع أو مضايقات أو حتى طرد".
واستدرك: "حماس حركة إسلامية تعي ضوابط الشرع والفقه، ونحن ننطلق من قوله تعالى: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِر}".
ومن الجدير بالذكر أن حركة حماس وفور فوزها صرّحت بأنها تتمنى لفلسطين مشهدًا اجتماعيًّا إسلاميًّا، غير أنها أكدت أنه سيكون عبر مراحل وليس مرة واحدة، وشددت على أنها لن تفرض برنامجها ورؤيتها بالقوة.
كما يُشار إلى أن الفتيات اللاتي لا يلتزمن بالحجاب شعرن بالخوف إزاء فوز حركة حماس وتوليها للحكم؛ خوفًا من محاربتهن، غير أن شيئًا من هذا لم يحدث.
القدس مدينة للثقافة
أما عن ممارسات حركة حماس الحكومية تجاه المسيحيين الفلسطينيين فأضاف: "وزارتنا تحتوي على الكثير والعديد من المسيحيين، وعلاقاتنا معهم قائمة على الود والاحترام، فنحن أبناء وطن واحد، ونحمل الهم والجرح الواحد والقضية الواحدة".
وأشار إلى مشاركته في احتفاليات نظمها النائب المسيحي حسام الطويل دعمًا للقضية الفلسطينية: "لا فرق بين مسيحي فلسطيني ومسلم فلسطيني، فنحن جسمٌ واحد لا انفصال بيننا.. وحركة حماس من أكثر الحركات احترامًا وتقبلاً للآخرين".
وأشار إلى أن شعار وزارة الثقافة كان "لا لكتم الصوت.. ولا للحَجْر.. ولا لقمع الحريات".
وأوضح أن العام الذي تولت فيه حركة حماس الحكم كان مكبلاً بالقيود والآلام والحصار السياسي والاقتصادي والثقافي الذي فرضته الدول الغربية وإسرائيل، وتابع: "لم يكن عامًا نشطًا ثقافيًّا؛ لأننا لم نُعطَ الفرصة للتحرك"، غير أنه استدرك: "رغم ما سبق حاولنا أن ننجز ولو الشيء اليسير.. عامنا الماضي لم يكن سلبيًّا ولا شرًّا.. كان فيه الخير الكثير".
وتابع: "يكفي اعتماد مدينة القدس عاصمة للثقافة العربية لعام 2009، حيث أخذنا قرارًا من مجلس وزراء الثقافة العرب بالإجماع باعتماد القدس عاصمة الثقافة العربية بدعم 4 ملايين دولار، وقد ربطتنا علاقات طيبة مع وزراء الثقافة العرب، وكُلّفنا بتشكيل اتحاد الكتاب الفلسطينيين في سوريا، ونعكف على تشييد قصر ثقافي".
وتمنى الوزير للمشهد الثقافي والاجتماعي مزيدًا من التطور والعطاء، وأن يكون خير واجهة لخير شعب.
ذكاء لا اضطرار
وتعليقًا على المشهد الثقافي الاجتماعي في ظل تولي حركة "حماس" السلطة، وما تحدث به وزير الثقافة الفلسطيني، قال أيمن يوسف أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالضفة الغربية: إن الظروف التي حكمت فيها حركة حماس لم تكن ظروفًا طبيعية ولا عادية، مشيرًا إلى أن الأحداث السياسية والداخلية أرخت بظلالها وبتداعياتها على كافة المشاهد الأخرى، غير أنه أضاف: "ولكن في المقابل فإننا نستطيع القول: إن حركة حماس تعاملت مع الملف الثقافي والاجتماعي بنوع من الذكاء والعقلانية.. هي أرادت إرساء دعائمها في الحكم والسلطة، ومن ثَم الالتفات إلى تطبيق برنامجها".
ويرى يوسف أن حركة حماس رفعت شعار "الحوار لا الصدام" أثناء معاملتها للمشهد الثقافي، انطلاقًا من ذكائها وعقلانيتها، ونفى أن تكون مضطرة لرفع هذا الشعار في ضوء الصعوبات السياسية والاقتصادية التي تواجهها، واستدرك: "التدرج والتمرحل واتباع المرونة سياسة لدى حماس، ثم إنها حركة شهد لها الجميع بعدم انغلاقها السياسي، فكيف ستمارس الانغلاق الاجتماعي والثقافي؟ ثم إنها -ومنذ اليوم الأول لفوزها في الانتخابات التشريعية- أعلنت أنها لن تفرض برنامجها ورؤيتها بالقوة، وإنما ستعتمد لغة الحوار والإقناع".
وأكد المحلل السياسي أن مخاوف الأوساط الثقافية لم تكن في محلها: "حديثهم عن أسلمة حماس للمجتمع بعيدة عن الواقع، فحركة حماس تعي أن الشعب الفلسطيني قائم على التعددية الثقافية والمجتمعية منذ قرون، هي أرادت توجيه المجتمع وإرشاده نحو الأفضل".
|