|
| اهتمامات الطفل وثقافته تغيرت مع الوقت |
إذا أردنا تعريف "الهوية" فيمكننا باختصار أن نقول: إنها ما يخص الفرد من حيث اسمه وعمره وجنسيته وديانته ودولته وتاريخه، وما يدخل في تكوين شخصيته مما يدور حوله من ثقافة تشارك عمدًا أو عفوًا في تشكيل وجدانه وذاته، فمن تلك "المنمنمات" الصغيرة والمتنوعة تنوعًا قد يكون من الصعب الإلمام به إلمامًا لائقًا تتكون الهوية.
وهكذا لا يمكن أن نتحدث عن الطفل العربي إجمالاً؛ لأننا في هذه الحالة سنقع في حيرة عن أي طفل نتحدث؟ هل نعني الطفل في مصر أم في عمان أم.. أم...؛ فالمقومات التراثية لكل دولة تختلف اختلافًا كبيرًا عن غيرها، حتى لو حاولنا أن نتحدث عن الطفل المصري كنموذج، فسيظل السؤال قائمًا أيضًا، أي طفل في مصر نعني؟ الطفل النوبي أم الطفل في بورسعيد أم في الصعيد أم في الريف أم في الواحات مثلاً؟!.
لن ندخل في تفاصيل حول تلك الاختلافات، ولكننا سنطرح السؤال الواجب طرحه الآن حتى نحاول ويحاول من يقدم عملاً للطفل أن يسأل نفسه هذا السؤال، والسؤال هو: هل يتكئ الطفل المصري مثلا على مقومات تراثية تمنحه القوة القادرة على الصمود أمام إغراءات وهيمنة ثقافة الغرب في عصر العولمة؟ كما في الغناء والقصص مثلا؟ دعونا نرصد أهم الملامح المختلفة لتراث الطفل الثقافي والتي تمنحه هويته الخاصة، هذا التراث الذي تمت إزاحته وتجميده استغناءً أو نفورًا، وتُرك الطفل الأعزل نهبًا للميديا الإعلامية بثقافتها الجديدة، وقوة زحفها على كل ما يصرف الطفل عن هويته.
أين ذهبت أغاني الطفل؟
كان الطفل يملك أذنًا تم تدريبها منذ الصغر -ولنقل منذ مرحلة الرضاعة- على الاستماع إلى أغان كانت الأم "تهنن" بها رضيعها ليكف عن البكاء أو لينام. كان "التهنين" يُرضع الطفل عبر صوت الأم الدافئ، والتربيت عليه تربيتًا إيقاعيًا، غذاء روحيا بحنان الصوت ورقته، ومع ذلك الإيقاع اللفظي والحركي يشربه أولى رضعات الولوج إلى عالم الشعر.
كانت الأم تغني لطفلها يوم "سبوعه"، وتغني له وهو يُخرج أولى أسنانه، ويخطو أولى خطواته، تعلمه التصفيق بالغناء، وتعلمه العد بالغناء، حتى يتسلم الطفل راية الغناء بنفسه ولنفسه حينما يدب بقدميه على الأرض ويَخرج إلى عالم الأطفال وألعابهم، فيبدأ مرحلة الغناء لنفسه في أثناء اللعب بالغناء الإيقاعي والحركي.
كانت الأغاني الشعبية -مجهولة المؤلف تلك- تملأ حياة الأطفال وألعابهم بغناء خارج من رحم ثقافتهم هُم، غير غريب على آذانهم، ببساطة كانوا يغنون لأنفسهم غناء يخصهم، ولا يتسولون أو ينقضون على موائد أغاني الكبار بكل ما تحمله من قيم إما كبيرة على مشاعرهم، أو متدنية المعنى، تغتال براءتهم، وتنتهك خصوصيتهم وأغانيهم وتُلغيها.. وهي أغان تتنازل عن هويتها طواعية وتسطو على الألحان والإيقاعات والموضوعات الغربية في عصر مفتوحة فضائياته بصلف وعنجهية تحاصرنا وتجعل أولادنا ينظرون إلى أغانيهم الخاصة بإحساس بالدونية.
فلماذا سمحت الأمهات لأطفالهن بأن ينموا ويكبروا بعيدًا عن روضة غنائهن دون سند لروحهم ووجدانهم؟ لماذا سمحن لطاحونة الحياة وزحمة المسئوليات -خارج وداخل البيت- أن تسلب منهن دورًا حيويًا في تشكيل وجدان أبنائهن؟ ولماذا تركن أبناءهن ينامون وآخر ما يمكن أن يصل إلى آذانهم هو صوت السخط والضجر منهم حيث لا يقدرون تعبهن؟! ولماذا لا توجد مؤسسة واعية تلتفت إلى أهمية أن يكون للأطفال غناؤهم الخاص، تقوم بدورها الثقافي لإنقاذ أبناء الوطن من ثقافة الاستهلاك التي طالت حتى الأغاني؟ هل هي الرغبة في الكسب السريع، أم اللُهاث الأعمى وراء تقليد الغرب والسير في ركبه أيًا كانت ملامح هذا المُقلّد؟!.
وهكذا لا تستطيع التجارب والاجتهادات المتناثرة الواعية أن يكون لها وميض يستطيع أن يُشكل حائط صدٍ أمام هذا الطوفان؛ فهل ننسى تجربة الشاعر "سيد حجاب" وشريطيه الرائعين اللذين قام بتلحين أغانيهما الموسيقار "عمار الشريعي" وقامت بغناء أحدهما المطربة "شادية" والآخر المطربة "عفاف راضي"، والذي يقول فيه حجاب في إحدى أغنياته "كتكوت يا فصيح صوصو ف الريح/ دي الريح مراجيح / والصوصوه دوا" والذي لن يستطيع أحد تذكرهما أو الحصول عليهما، وغيرهما من التجارب الجادة المتفرقة التي تتبخر في عتمة السفه و"بابا أوبح" و"بابا فين" و"ليك الواوا"!؛ فهل نسأل وزارة التربية والتعليم أم وزارة الإعلام أم الثقافة، أم المجلس الأعلى للأمومة والطفولة أم منتجي شرائط الكاسيت أم أنفسنا جميعا؟!!.
حكت لي جدتي..
كان الطفل يمتلك أيضا أمهات وجدات تحتضنَّ الأبناء والأحفاد، وتحملن دون دراية بمسئولية تدريب خيال الأطفال، لتنفتح بواباته على مصراعيها من خلال الحكايات الخرافية والمستوحاة من تراثنا الشعبي والإسلامي، لتتدفق شخصيات مثل "ابن بطوطة" و"السندباد" و"ذات الهمة" و"خالد بن الوليد" و"عمر بن الخطاب"، وغيرهم، ليدخل الأطفال إلى عالم الغموض والإثارة والدهشة، ويدلفون إلى عالم الفن القصصي؛ لهذا كنا كثيرا ما نقرأ لكبار الكُتّاب أحاديثهم عن حكايات الأمهات والجدات وأثرها في انجذابهم إلى هذا العالم الأدبي سواء كانوا شعراء أو روائيين.
أما الآن فالطفل ينسحق أمام نماذج مثل "رامبو" و"شوارزنجر" و"روكي" وكل شخصيات الأفلام الأمريكية التي تقدم نموذج البطل المثالي منقذ البشرية، لتظل النظرة المنكسرة في عيون أبنائنا، وينطفئ وميضها ضعفا أمام سطوة تلك الشخصيات التي تُصدّرها لنا الميديا الأمريكية التي تقف وراءها مؤسسات لديها خطط وإستراتيجيات محددة تعرف ماذا تقول للعالم كله وليس لنا نحن فقط.
إذن.. نعيد التساؤل ثانية: هل يتكئ الطفل على مقومات تراثية تمنحه القوة القادرة على الصمود أمام إغراءات وهيمنة ثقافة الغرب في عصر العولمة؟ يمكننا أن نجيب: نعم، يمتلك الطفل مقومات تراثية، ولكنها تحتاج من كل من يمسك قلما أن يكتب للطفل الآن أغنية أو قصة أو موضوعا ما، أن يفكر في هذا الطفل قبل أن يفكر فيما سيعود عليه من مكاسب نفعية، ليبقى السؤال الصعب، وهو: كيف يمكن أن نجعل الطفل ينظر إلى تراثه بفخر؟، وكيف نقدمه له بالصورة الجاذبة في زمن أصبحت فيه الصورة هي البطل؟، وانزاح فيه الخيال وراء كم من اللهو وتمرير الوقت دون أي قيمة.
كانت هذه إجابتي على السؤال الأول، فمن يملك الإجابة على السؤال الأخير؟!.
مهتمة بالشأن التربوي والكتابة للأطفال، يمكنكم التواصل معها عبر بريد الصفحة tarbia@iolteam.com
|