|
يترنَّح.. يبحث عن الباب، يحمل الجبال باستيقاظه قبل رمح الشمس وهو يغصب نفسه بدافع وعدٍ قديم وعد به نفسه يوما من الأيام، غسل وجهه الملتحي بوقار، وبيدين كنضارة ذاك اللبس المعلق والملفوف بكيس عليه (طبعة) مكتوب عليها (غسيل مستعجل) استخرجه من لفافته ثم لبسه وخرج أنيقا هادئا.
في إحدى زوايا المكان جلس حيث الشمس تُسْقِط حضنها الحاني في صباحٍ مشرق، يُلذذ جسده بلون الشعاع الذهبي الذي طالما يقود ذاكرته إلى أيام الطابور الصباحي، وفضول الطفولة وأحلامها البريئة التي كانت تسير محلقة في غير الاتجاه.
يتبسّم وهو يمرّر كوبًا ساخنًا من الحليب أمام وجهه يُداعب البخار كمداعبته حلم النجوم والمكاتب والسيارة و... و... ، ومع رشفةٍ ما أعاد على نفسه سؤالا يعكس براءة الماضي بين البخار: هل أولاده يحلمون أو سيحلمون كمثل أحلامه؟
تذكَّر ابن أخيه الطفل وهو يقول فخورا: (سأصبح .. سأصبح طيّارًا) لم يجد شيئا حينما نظر من حوله يبحث عن منظر يكمل به فضول ابتساماته الصباحية غير (بدلته) النظيفة يتأمل فيها، وقد عادت له أمنيته أن يعود للمنزل أنيقًا؛ وسرعان ما رمى أمنيته هذه إلى الوراء بنشوة الدافع الذي أيقظه من أعز نومه؛ وعده لنفسه بأن يبني مجده بيديه، لمجد أولاده و(برْوَزة) أحلامهم على جدار الحياة الملوّن، (زبون يا الميكانيكي .. زبون يا الميكانيكي) صاح المنادي ، فسار نحو الزبون، ولم يكن يمشي على الأرض بل محلقا بأحلام أولاده، تحمله من تحت أقدامه ليكون مجيئه بهيئة بطولية، ثم همّ وما زالت بقايا من براويز ابتسامات تدور في رأسه العاري.
الزبون جالس على كرسي يراقب المارة في الخارج، يرمي النظرات اللا محسوبة له، وهو يعمل محاولاً الإتقان يقف منحنيا ويستلقي أرضا، والدافع يأبى إلا أن يكون بين عينيه لتأخذه الصامولة مع فك انحباس الحماس من فتحات أنفه التي تتحرك مع مرور الهواء تحديا يبارزه من العمق بين السواد التي ترسم بصماته حتى على قارورة بيرة قدّمَها له الزبون مع قطعةِ الغيار.
مسح عرقه من فوق وجنتيه ثم عادت يديه للمسات يتوقَّع بها أنه سيحل المشكلة ، فيتفاعل مع دورة الصامولة ودقتها الرقيقة التي تشبه أشياء كثيرة في هذي الحياة، وأرقام تفاضل المسامير.. كأشياء كثيرة في هذه الحياة؛ بيدين اثنتين يترجم عبور جسر لحياة يقصدها، وكأنه واثقا متيقنا من صحة ما يعمل ودقته، فقبل اللمسات الأخيرة وقف ورفع يده ليبحث عن مكان يمسح به بلل جبينه، ركب السيارة مع صاحبها ليجرب، ويختبر، خطوة من خطواتٍ يرى أنه سيقطف آماله المتدافعة بها، وقلبهينبض رجاء بأن تشخيصه كان موفقا، وراء المقود كان يصوّب لمستقبل يطمّئن نفسه بقرب تحقيقه، رجع وهو ينظر للزبون بعينه اليمنى وهو من بين أحشائه يحمّد ويحمّد...
سرعان ما تلاشت أغلب الدوائر في دافعه، كأن ما قرّبه في نفسه لتناوله يومًا ما؛ يبتعد عنه، حين منّ عليه الزبون بقارورة البيرة وهو يدفع الحساب...
التعليق
يقول الناقد الفني سعيد أبو معلا
دوما وغداة الكتابة أو بداية الانسكاب على ورقها نتساءل: من أين نبدأ؟ وكما في رواية "إلياس خوري" "باب الشمس"، حيث يكرر البطل/ الدكتور خليل دومًا: "من الأول"... ليكن، من الأول إذن.. قصتك -أخي العزيز- تحمل عنوانًا لافتًا، وإن كان يشي بمضمون القصة، لكنه مركّب بطريقة تجعل القارئ ينجذبُ إلى القصة وصولاً إلى جسمها، وهو انجذاب ضروري ومهم وجوهري في إثارة انتباه القارئ. لكنه يفرض على الكاتب الوعيَ بأهمية أن يكون هذا العنوان ذا دلالة، ومعبرًا عن القصة حتى لا تحدث تلك الصدمة أمام الانجذاب المبكر.
مبدئيًا، هي قصة جيدة في دفقها الشاعري، وفي تفاصيلها التي تنساب بكلمات شفافة وغنية، تتداخل مع صور بعيدة وقريبة، في سرد جميل ومتأنٍ في أغلبه، راصدًا لواقع وذكريات بطل حالم، وحاملا لآمال ساخنة -كما تؤكد- تتدفق مع وهج الزمن ومروره، آملاً بحصد نتائج تواليه.
بطلك يا أخ محمد هو بطل عادي، بسيط لكنه حالم، يمكن أن نؤكد أنه من عموم الناس الذين يأملون بحياة أفضل ومستقبل أجمل يضم أطفالَه وعائلته، وتأتي الأحلام التي تكشفها قصتك أحلامًا بسيطة وعادية أيضًا، لا تتجاوز أحلام غالبية البشر، ومع أن هذا جيد في حد ذاته، لكنه قلل من احتمالية تشكُل الدهشة عند القارئ، فهي لم تكن بأحلام كبيرة، أو مغايرة عما هو مألوف، كما لم تكن أحلامًا بسيطة جدا، بحيث تخلق للقارئ حالة تفكر ولفت انتباه.
هنا حاولت أن تنقلنا لمشاعر هذا "الميكانيكي" الحالم عبر صور قليلة في أغلبها لم تجعلنا نتعرف على دواخله كثيرًا، وإن كنتَ نجحت في تعريته من الخارج، وبهذا لم نتعاطف معه كما يجب، وهذا عيب مقبول ومتوقع أمام صغر سنك وحداثة تجربتك، في حين كان هناك إمكانية لأن يكون هذا التعاطف أكبر وأفضل فيما لو زرعت قلمك في عمق الشخصية، وأخرجت كنوزًا من تناقضاتها الداخلية، وعلاقتها بواقعها، وعلاقاتها بما يحيطها من بشر (أسرة، جيران، أصدقاء، العالم الأكبر المحيط بنا...) والمكان والزمان.
أما السرد فيمكن أن نقسمه إلى قسمين، فهناك سرد سلس شفاف نابع من دفق لغة حية، لكن لم يكتمل على هذا النحو في جسم القصة كلها، بل ظهر نوع آخر من سرد متتالٍ مرهق للقارئ، ومجهد له في متابعة الفكرة التي ترمي للغوص إليها وتعريف قارئك بها، وذاك في الفقرة التي تبدأ بـ: "يرمي النظرات اللامحسوبة له وهو...." الخ الفقرة.
ما أعجبني بقصتك هو بعض المفردات التي استخدمتَها عن البطل ومهنته، وذلك من وحي عمله وطبيعته، وهذا إنما يدلل على قُربٍ ووعي ببيئة البطل العملية، وهو ضروري لضمان شرط من شروط نجاح القصة.
لكن قفلة القصة تجعلنا نُصدم (صدمة غير فنية)، ولا أدرى إن كنتَ قد رغبت بذلك، أم أنها هفوة منك، ففي بداية القصة تشير كلماتك، التي حاولت أن تعرفنا على بطلك، إلى أنه متدين، لكننا في النهاية نفاجأ بأخذه علبة "البيرة" من الزبون الذي جاء بسيارته ليصلحها، وهذه مفارقة لزم توضيحها، وإن كنت قصدتها عن سبق إصرار وترصد، فقد كان يجدر بك أن توضح ذلك عبر سرد تفاصيل تؤكد على تناقض البطل والانفصال الواضح في شخصيته.
ختامًا أقول إنها قصة موفقة، نابعة من قلم حي ونابض، من شخص يعرف ما يريد حتى لو تعثَّر، فهي بداية تستحق أن يُبنى عليها ويُزاد... فإلى الأمام.. دام إبداعك.. ووصال نتاجك.
|