|
| السعودية وإيران.. صراعات المنطقة ليست مذهبية |
برغم أن زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد للمملكة العربية السعودية قد أعد لها إعدادا كبيرا في وقت قياسي، وجاء برنامج المباحثات مشحونا بالقضايا والمسائل التي تهم البلدين، فإنه من الواضح أن المباحثات تركَّزت على قضية أساسية تشغل بال قادة السعودية، وتؤثِّر في اتجاههم للقيام بدور إقليمي فعال، ألا وهي قضية الصدام بين السنة والشيعة، فكانت أهم نتائج المباحثات هي اتفاق الطرفين على العمل من أجل وقف التوتر والصدام بين السنة والشيعة كخطوة إيجابية لحل الأزمة العراقية، والأزمة اللبنانية، كخطوة أولية لتهدئة الأوضاع بالمنطقة.
وكان طبيعيا أن تصل المباحثات إلى هذه النتيجة؛ لأن الطرفين يدركان ما يريده كل منهما، ومن ثمَّ اختارا المدخل الصحيح للتفاهم، وهو "فلنتقاسم الأهداف وأيضا الأساليب"، بمعنى أن يقدر كل طرف معطيات الطرف الآخر، ويجعلها خطا أحمر في علاقاته به.
كل منهما يعتبر نفسه قطبا من أقطاب المنطقة والعالم الإسلامي، وكل منهما يرى له دورا أساسيا على الصعيدين، وكل منهما لديه مصالح في المنطقة، وكل منهما لديه توجهات دينية ومذهبية، فليعترف كل طرف بمعطيات الآخر، وليتعاونا على هذا الأساس لمصلحة كل منهما، وفي اتجاه حل المشاكل المعلقة في المنطقة.
تعامل واقعي مع طبائع الأشياء
ولعل هذا بعينه ما أكدته نتائج زيارة الرئيس الإيراني للسعودية، فقد أكد أحمدي نجاد في حديث تليفوني مع الملك عبد الله أنه على موقفه من الاتفاق بعد تشاوره مع زعيم النظام، وتمت دعوة خالد مشعل إلى طهران لبحث ما تم الاتفاق عليه في الرياض، وأعلن حزب الله أنه مع المحكمة الدولية، وأنه سيتعاون من أجل تشكيل حكومة وطنية في لبنان، ومن المتوقع أن يشهد المؤتمر القادم حول العراق تحقيق أمور إيجابية كناتج لاتفاق الرياض.
وقد يرى بعض المحللين أن إيران والسعودية قد تقاربتا بالرغم من المحاذير الأمريكية، لكن هذه النتيجة لا تعبر عن تقارب، بقدر ما تعبر عن تفاعل واقعي مع طبيعة الأشياء، فالمعطيات الإيرانية تتعارض بل وتتصادم مع المعطيات السعودية، ولكنهما برغم ذلك تعاملا في المجال الاقتصادي وخاصة التجاري، واستطاعا أن يتجاوزا خلافاتهما الأساسية التي حرمتهما من التعامل المفيد لكليهما.
والدليل على حسن فهم الطرفين لحقيقة الخلاف، ورغبتهما في تجاوزه، قيام النظام الإيراني بترتيب زيارة أكثر الوجوه تشددا في إيران، وهو أحمدي نجاد رئيس الجمهورية إلى المملكة العربية السعودية، بعد أن سبقتها تمهيدات من خلال زيارة مسئولين إيرانيين للرياض، يأتي على رأسهم علي أكبر ولايتي مستشار الزعيم خامنئي ومبعوثه الشخصي وحمل رسالته إلى الملك عبد الله، فجاءت الدعوة من جانب العاهل السعودي لأحمدي نجاد دون تردد.
إيران أرسلت أحمدي نجاد لتؤكد أنه إذا كان أكثر قادتها تشددا يستطيع أن يتفاهم مع نقيضه في السعودية، فليس هناك ما تخشاه السعودية أو الدول الخليجية أو الدول العربية بعد ذلك، وأنه يمكن بسهولة تجاوز الخلافات، والقيام بالعمل المشترك من أجل صالح الطرفين والمنطقة.
لقد أدت ظروف المنطقة إلى أن يكون الطرفان أكثر عقلانية وواقعية في التعامل مع بعضهما، ويتخطيا الهواجس إلى التعامل الجريء المباشر. لقد أدركا من خلال الصراع الذي يدور حاليا بين الشيعة والسنة في العراق، جوهر المشكلة التي يعاني منها العالم الإسلامي، وأهمية العمل على وحدة الخطاب الإسلامي في الظروف الراهنة، والسعي إلى التعاون بين المذاهب الإسلامية لا التنافر، وكانت هناك مبادرات تدعو إلى التساؤل حول أهمية وجدوى هذا السعي، وآلياته وتوجهاته، ومصيره، أهمها المؤتمر الذي عقده الزعيم الإيراني آية الله سيد علي خامنئي بين علماء الشيعة وعلماء السنة في إيران، وقال فيه: ينبغي أن نقيم أسس اتحاد عملي حقيقي وواقعي وقلبي بين أهل السنة والشيعة، فلقد اعتمد الأوائل في صراعهم مع الاستعمار والاستكبار على قضية وحدة الأمة الإسلامية بشكل كبير.. وقد رأيتم السيد جمال الدين الأسد آبادي المعروف بالأفغاني، وتلميذه محمد عبده، وآخرين كثيرين من علماء أهل السنة، وكذلك من علماء الشيعة مثل المرحوم شرف الدين العاملي، وعظماء آخرين، كيف جاهدوا من أجل تفويت الفرصة على الاستعمار من أن يبدل وحدة المسلمين إلى فرقة، ويستعملها حربة في وجه العالم الإسلامي".
وكان الزعيم خامنئي قد صرح من قبل بأنه لا يريد أن يدخل أهل السنة في مذهب الشيعة، أو أن يدخل الشيعة في مذهب أهل السنة، بل أن يقبل كل منهما معطيات الآخر، ويتعامل معها، ويدركا أنهما أبناء دين واحد.
التركيز على القضية الأساس
والملاحظة الجديرة بالاعتبار في هذا السياق أن نتائج هذه الزيارة تصب بشكل لا تخطئه عين في محاولات سد الذرائع أمام تفاقم الخلافات الشيعية السنية، كما وضح جليا في التجربة الهامة عبر المناظرة التي أذاعتها قناة الجزيرة بين فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي وآية الله أكبر هاشمي رفسنجاني، فقد أعرب الإيرانيون عن رضاهم بهذه المناظرة ونتائجها، كما أثنى أهل السنة عليها، بعد تأكيد كل منهما في هذه المناظرة على مبدأ الوحدة بين السنة والشيعة باعتبارهم أبناء دين واحد وكتاب واحد، وأنه أحد أهم الأصول الإسلامية، وأن حديث الخلاف نعرات شيطانية؛ لأن قلوب أهل السنة ـ كما الشيعة ـ تتوق للوحدة الإسلامية، وقد اعتبرا أن هذه المناظرة تدور في إطار مصلحة الإسلام، وخدمة للأمة الإسلامية، وإصلاح ذات البين.
أشار آية الله رفسنجاني في هذه المناظرة إلى جهود إيران في التقريب بين المذاهب الإسلامية، واستمرارها بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، مؤكدا أن الاستكبار العالمي أكبر الأخطار؛ لأنه يبغي السيطرة على الدول الإسلامية وثرواتها الطبيعية. وأكد أن العالم الإسلامي لو اتجه للوحدة لما كانت هناك مشاكل السودان ولبنان والعراق وفلسطين والصومال، أو غيرها من المناطق الإسلامية، كما أكد أنه يمكن الدفاع عن الأمة الإسلامية من خلال سنة الرسول _صلى الله عليه وسلم_ وسيرة أهل البيت والعلماء والشخصيات الإسلامية، وهذا لا يعني مناهضة الأديان الأخرى، وإنما المحافظة على الإسلام. وفي هذا السياق تكون السنة أولى برعاية الشيعة من غيرهم، ومن هنا أكد أن الإيرانيين مع صلواتهم على الرسول وآل البيت يصلون على أصحابه، ويؤكد قادتهم على طرح مواضع الالتقاء ونبذ مواضع الخلاف بين السنة والشيعة، مذكرا بفتوى زعيم النظام تحريم لعن الصحابة.
في حين أكد الشيخ القرضاوي أن من حق إيران الاستفادة بالطاقة النووية، وأكد أنه إذا تعرضت إيران في سبيل ذلك، أو أي بلد إسلامي، لهجوم من جانب الولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها من الأعداء، فإننا سوف نقوم جميعا بمواجهة المعتدي، تماما كما وقفوا إلى جانب لبنان في مواجهة الهجوم الصهيوني، وأيدوا حزب الله، وكذلك في مواجهة الضغوط على إيران. وأعرب الشيخ القرضاوي عن أسفه لأن وثيقة الثماني المواد حول التقريب بين المذاهب الإسلامية لم تستمر على قوتها، وتأثيرها على اتباع خط الاعتدال، والمحافظة على وحدة أهل القبلة الواحدة، وإن إهانة أهل البيت لا يمكن أن تصدر من سني، فلا يوجد سني في العالم لا يحب أهل البيت وأبناء الإمام علي، أو يقبل إهانتهم. كما لا يقبل أهل السنة تكفير الشيعة، أو الدعوة لتحول الشيعة إلى مذهب أهل السنة، أو العكس، بل حفظ حقوق الشيعة في الدول ذات الأغلبية السنية، وحفظ حقوق أهل السنة في الدول ذات الأغلبية الشيعية. وأشار الشيخ القرضاوي إلى ضرورة أن تقوم مراجع الشيعة في إيران والعراق وكذلك الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بإصدار الفتاوى بتحريم أي إراقة دماء بين مختلف المذاهب الإسلامية.
وأكد الشيخ القرضاوي أن الدعوة إلى ترك مذهب والدخول في مذهب آخر أمر مرفوض تماما ومذموم، وأنه يعتقد أنه مرفوض أيضا عند الشيعة. كما أكد الشيخ القرضاوي أنه يدين أعمال تخريب الأماكن المقدسة وأماكن العبادة، وقد أدانت مصر تفجير ضريح الإمام علي واغتيال آية الله الحكيم.، بل إن الشيخ القرضاوي أكد كذلك أن على إيران أن تستغل نفوذها في العراق من أجل وقف المذابح، وتحقيق الأمن في العراق، وأن تضغط من أجل منع طرح مسائل الخلاف بين الطوائف من فرس وعرب وشيعة وسنة، والتركيز على وحدة الأمة الإسلامية، حتى تعلو الأمة الإسلامية فوق قضايا التفرقة، إن لدى المسلمين إمكانات هائلة للتقدم، وعليهم أن يسيروا في اتجاه الوحدة.
المشكلة ليست مشكلة العراق
لقد أكدت نتائج زيارة أحمدي نجاد للسعودية أن الوضع كان يتطلب خطوة جادة متزنة في هذا السبيل، تؤكد أن الخلافات الإسلامية ليست مذهبية؛ لأنه لو كانت القضية مذهبية، لكان هناك اختلاف في المسائل الفقهية والمسائل الكلامية وغيرها، لكن الاختلاف الموجود اليوم خاصة في العراق ولبنان، لا يقوم على أساس قواعد فكرية أو قواعد فقهية أو كلامية، وإنما يقوم على أساس تحزب وتكتل وتشرذم وتصارع تغذيه عوامل خارجية، وتستغل ظروف التخلف الفكري، والعُقد التي خلفها النظام السياسي في نفوس العراقيين، والمسلمين عموما، فالوضع القائم في العراق سياسي، والمشاكل ناتجة عن الاحتلال والاحتقان، بما يجر إليه من وضع نفسي ووضع طائفي في العراق، فليس من المفيد أن يتحول الخلاف السياسي إلى مذهبي، ثم يتحول إلى نوع من التنظير للمذهب، فالسياسة تنعكس على المذهب، ثم يبدأ نوع من التحَصّن العلمي والثقافي تجاه الطرف الآخر، المختلف معه سياسيا في الأساس، فلو انتهت الاختلافات الطائفية في العراق لبرزت اختلافات قومية وأخرى إثنية وعشائرية بين السنة والسنة، وبين الشيعة والشيعة، وبين الأكراد والتركمان، وهذه طبيعة حالة الركود والتخلف التي تفرز هذه المشاكل، في حين أن الشيعة العراقيين كانوا متعايشين مع أهل السنة وبينهم زواج وعلاقات وروابط جوار وتآخ أكثر منه تعايش، وبعد انهيار نظام صدام دخلت الجماهير جميعها تردد (لا سنية لا شيعية.. إسلامية إسلامية) دليل على استشعارهم الخطر الذي يمزق اللحمة الوطنية بين السنة والشيعة؛ فإذا كان الاحتلال قد استطاع تعبئة السنة ضد الشيعة، والشيعة ضد السنة تحت عناوين مختلفة عن طريق إثارة انفجارات مفتعلة وحساسيات، أدى ذلك إلى أن تخرج الأمور عن سيطرة الحكومة والمراجع.
ومن هنا يمكن القول إن الطرفين السعودي والإيراني أدركا أن المشكلة ليست مشكلة العراق، بل هي مشكلة المنطقة كلها، هناك خطة لإثارة الاختلافات على مستوى كل المنطقة من أجل الهيمنة والسيطرة. ولا يمكن التغاضي عن أن إيران تعتقد أن مصالحها القومية، بغض النظر عن المصلحة الدينية والعقائدية، تتطلب مد جسور الثقة مع العالم العربي، ومن مصلحتها أن تفعل ذلك؛ لأنها إذا ابتعدت عن العالم العربي سوف تبتعد عن هويتها الإسلامية التي تتطلب اقترابا من العالم العربي، وربما لا يفهم الكثيرون هذه المسألة، فالعالم العربي بالنسبة لإيران هو "الكعبة"، والهدف، والأمل، ووضع العرب، قوة أو ضعفا، يؤثر على إيران مباشرة، لذلك لا ترى إيران أية مشكلة في أن تلعب الدول العربية الكبرى دورا إقليميا؛ لأن هذا الدور سيكون مكملا لدورها، وليس متناقضا معه.
أخيرا، فإن نتائج لقاء الرياض أكد أن اليأس من جدوى التقارب نابع من عدم فهم لمعنى التقارب، فهو ليس توحيد الأفكار الفرعية والجزئية، وصبها في قالب واحد، وإنما توحيد في المواقف، إذ لا بد من موقف موحد بين المسلمين تجاه القضايا الإسلامية والعامة، وهو لا يعني أن أحدا يتنازل عن مبادئه ولا مواقفه الفكرية، وأيضا لا يعني تنويما لأي طرف، ولكن يعني الفهم المتبادل، والتعاون المتبادل لخير الأمة الإسلامية؛ لأن الذين يتواطئون ضد الإسلام والمسلمين يتواطئون ضد الجميع بما فيهم السنة والشيعة. هناك خلاف ومشاكل تحدث بين الحين والآخر؛ لكن هذا لا ينبغي أن يخل بضرورة التلاحم والتفاهم والتقارب والتعاون بين المسلمين على اختلاف مذاهبهم.
أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس- القاهرة.
|