English

 

السبت. يناير. 14, 2006

تزكية » قلوب جريحة

أرسل لصديق  
   
روابط من إسلام أون لاين

عبادات مسلمي ألمانيا.. وحصار الأشواك

نبيل شبيب

قبة مسجد تعلو في سماء ألمانيا
قبة مسجد تعلو في سماء ألمانيا

كانت مفاجأة لي ولكثيرين في المسجد، عندما وقف المدير المسئول عنه عقب صلاة الجمعة، قبل حلول عيد أضحى 1426هـ بأسبوعين ليتحدث بالعربية ثم بالألمانية عدة دقائق للمصلين، شارحا بعض الصعوبات، وطالبا بلهجة أقرب إلى التوسل، أن يصلي الجمعة كل من يستطيع أداءها في مسجد آخر!.

كثير منا يأتي إلى هذا المصلى من أطراف المدينة، ويرغب عن أي مصلى آخر أقرب نسبيا لأسباب عديدة، يعود الحديث عنها لاحقا. وجميعنا يعلم بما نراه رأي العين أن ما نسميه مسجدا وهو عبارة عن مصلى في قلب مدينة بون، يضيق برواد صلوات الجمعة والتراويح والأعياد على وجه التخصيص، منذ سنوات وسنوات.

ولم نكن نعلم أن المشكلة التي واجهت القائمين عليه منذ فترة وصلت إلى درجة تهديدهم من جانب بلدية بون بإغلاق المسجد؛ بسبب ارتفاع عدد المصلين، وما يسببونه عند دخولهم وخروجهم إلى المبنى من إزعاج للجيران.

ومن العسير على الشخص العادي أن يستبعد تأثير الأجواء العامة تجاه المسلمين في الغرب، باتجاه ارتفاع نسبة الضغوط على إدارة المسجد، من جانب بلدية المدينة التي يلجأ الجيران بالشكوى إليها.

هذه واحدة من أقاصيص عديدة، منفصلة عن بعضها بعضا، أرويها في السطور التالية محاولا ربطها بما وراءها بأسلوب "الدردشة"؛ لأنقل صورة من المشاكل اليومية التي يجدها مسلمو ألمانيا في أداء عباداتهم ومعرفة دينهم.

والمقصود هنا عامة المسلمين، وليس من تتناقل وسائل الإعلام الحديث عنهم، وهم فئتان في الوقت الحاضر: الفئة الأولى فريق من المتشددين المتعصبين الذين يعتقدون بأن الالتزام بالإسلام هو الالتزام بالشدة في الفكر والقول والعمل، وكأن التنطع يعني أن تكون مسلما أفضل من سواك.

والفئة الثانية فئة القائمين على عدد كبير من الروابط والاتحادات التي لا تزال تمثل الصيغة التي قامت عليها في عقود ماضية، وتسعى للدفاع عن الإسلام والمسلمين، بوسائل بعضها يجدي قليلا، وبعضها لا يجد صدى إيجابيا.

أزمة الصلاة.. قديمة حديثة

نعود بقصة "مسجد المهاجرين" وسط مدينة بون إلى أولها، وقد أقامه لاجئون أفغان أيام الغزو الشيوعي السوفييتي، حتى إذا عادت النسبة العظمى منهم إلى بلادهم، قبل غزو الأمريكيين لها، تولى أمر المصلى فريق من المسلمين سبق أن فقدوا مصلاهم الصغير في موقع آخر وسط المدينة.

وهنا يعيدني كلام مدير مسجد المهاجرين إلى ذكريات قديمة، عندما كنا نجادل ونتساءل ما إذا كانت صلاة الجمعة تنعقد فعلا بالعدد القليل من الطلبة الذي يتردد على مصلانا الصغير، بعد أن اجتهد أحدهم بالقول لنا إن نصابها لدى أحد المذاهب أربعون مصليا، ولم يكن يبلغ عددنا هذا النصاب، فكنا نقول لأنفسنا نصلي إذن على مذهب آخر؛ ففي الإسلام سعة.

وقد بدأت صلاة الجمعة في بون في الستينيات من القرن الميلادي العشرين بثلاثة أفراد من سوريا وباكستان، وقفوا وسط حديقة الجامعة، أحدهم يؤذن والثاني يخطب، وسط جمع غفير من الطلبة تحلقوا حولهم متسائلين عما يصنع هؤلاء.

فما كانت الصلاة معروفة لمعظم أهل البلاد الغربية، حتى إذا ضاقت بهم إدارة الجامعة ذرعا، سمحت لهم بأداء الجمعة لمدة ساعة في قاعة "كرة الطاولة" في قبو البناء الجامعي الرئيسي، ثم "تخلصت" منهم لاحقا بأن خصصت لهم "مكتب البروفيسورة آنا ماري شيمل" -المستشرقة المنصفة التي توفيت قبل بضعة أعوام- وكانت في تلك الفترة ولعدة سنوات غائبة عن بون وضيفة على باكستان.

مضى ثلاثون عاما ونيف وتطور الوضع في بون من مسجد لا يجتمع فيه بضع عشر طالبا، إلى 14 مصلى في أنحاء المدينة، منها ما يجمع ألفا من المصلين كل جمعة وأكثر في الأعياد.

وليست الزيادة ناتجة فقط عن زيادة عدد المسلمين في بون وما حولها، من سبعة آلاف آنذاك إلى ثلاثين ألفا، ومن يقارن الأرقام يدرك أن الزيادة الأكبر كانت نتيجة انتشار الصحوة في الغرب كانتشارها في بلاد المسلمين.

أول مشكلة يعانيها المسلمون في أداء شعائرهم، وأولاها الصلاة، مشكلة إقامة مسجد، أو تخصيص مسكن، أو قاعة مخزن، أو ما شابه ذلك ليكن مصلى لهم. وكان ذلك صعبا في الماضي عندما كان الجهل بالإسلام هو السبب الأول.

وأصبح عسيرا إلى حد كبير الآن، بعد أن أصبحت المعرفة بالإسلام قائمة على قسط كبير من التزييف لا الجهل، والمسئولية مسئولية المسلمين أولا، ولا ينفي ذلك ما يصنعه أناس غربيون يتعمدون الإساءة إلى الإسلام، وتشويه صورته عبر وسائل الفكر والإعلام، ومواقع صناعة القرار السياسي.

ولا أقصد بتحميل المسلمين أنفسهم المسئولية "توجيه اتهام"، إنما رؤية ما نملك تغييره بأنفسنا، كي تسوغ لنا مطالبة "الآخر" بتغيير في الاتجاه السليم. والمسلمون الذين يحملون المسئولية هم قطعة من جسد الأمة الإسلامية التي أبعدت عبر مناهج التعليم والتربية والإعلام والفنون وغيرها عن دينها كما أنزل، فما نجا إلا من استطاع أن يجد المنبع الصافي.

صحيح أن الإسلام ينتشر بين أهل البلاد الأصليين في الغرب انتشارا كبيرا وسريعا نسبيا، ولكن ما قام من مصليات وروابط ومراكز ومساجد، قام في الدرجة الأولى عن طريق الجاليات القادمة من بلاد المسلمين، وقد استقرت النسبة الكبرى منها وازداد عددها عبر الجيل الثاني والثالث من مواليد الغرب المسلمين.

عندما تصير الخطبة "كارثة"!

لا يفطن بعض الخطباء لخطورة دورهم في تشكيل صورة الإسلام ووعي المسلمين

وهناك أمور شائكة يفضي بها مسلمونا في الغرب؛ عندما يسيئون فهم الدين، ويتشددون تجاه غير المسلمين. فقبل أيام فقط سمعت أن خطيبا قديرا ومعروفا استشهد خلال خطبة الجمعة بعبارات إيجابية المضمون صادرة عن البابا الكاثوليكي السابق يوحنا بولس الثاني وسواه. فإذا به يواجه بعد الصلاة حملة من أناس مسلمين أخذوا عليه الاستشهاد بكلام "عدو الله والإسلام".

وقبل سنوات كان ابني يافعا ناشئا أصحبه إلى صلاة الجمعة، ومع أنه يتقن العربية فإنها تبقى أقرب إلى اللغة الثانية مقابل الألمانية التي يتقنها أكثر بحكم ولادته ونشأته في ألمانيا. وكنت أسأله في طريق العودة إلى المنزل عما حمل معه من كلام الخطيب، وجاءني جوابه ذات مرة: ".. علام يوجه الخطيب لنا ذلك القدر الكبير من اللوم إلى درجة الشتيمة، أليس الأولى أن يقول ذلك للذين لا يحضرون إلى الصلاة أصلا؟".

وقال في مرة أخرى: "لقد فهمت ما رواه لنا الخطيب عن أحوال المسلمين ما بين إندونيسيا والمغرب، ولكن كنت أنتظر أن يقول لنا شيئا عمليا نصنعه ونحن هنا في ألمانيا". وابني هذا مكلف الآن بترجمة خطبة عيد الأضحى عن العربية إلى الألمانية في مكان استؤجر خصيصا جنوب بون لأداء صلاة العيد من جانب المقيمين في المنطقة.

ووجدت نفسي مضطرا إلى تحذيره؛ فالترجمة الحرفية يصل مضمونها إلى السامعين "المتنصتين" من غير المسلمين، وقد يساء فهمها، فكثير مما يقال بالعربية ينطلق من مخزون معرفي لدى المصلين المسلمين، لا يتوافر لدى "المتنصتين"، فلا بد من شروح إضافية في الترجمة.

ومن المفارقات هنا أن الخطيب الذي يراد أن يترجم له، هو خطيب "أكاديمية الملك فهد سابقا" وكان قد واجه حملة شديدة وصلت إلى القضاء، بعد أن نقل عنه برنامج تلفازي كلاما –إذا أحسنا الظن نقول- فهمه القائمون على البرنامج فهما خاطئا، فقد تمسكوا بحديث "علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل" على لسان الخطيب، ليقولوا إنه يدعو إلى تعلم "الرماية" والجهاد في ألمانيا!.

ولا عجب في النتيجة التي أودى بها خطباء مساجد ألمانيا، فالعدد الأعظم منهم "مستورد" من بلدان إسلامية، أو "مهاجر" تحت الضغوط السياسية والاقتصادية، وكثير منهم لا يعرف الألمانية أصلا، ولا افتراء في القول إن فيهم نسبة عالية ممن يفهمون الإسلام نفسه فهما ضيقا محدودا.

وحتى الآن لا توجد سوى مشروعات محدودة في بدايتها لاستدراك ما قصر فيه المسلمون من حيث إعداد الخطباء والمتحدثين في ندواتهم ومؤتمراتهم، بحيث يرتفعون بمستوى ما يقولون، ناهيك عن مستوى ما يعملون وينشطون لتحقيقه، إلى مستوى تلبية احتياجات الإسلام والمسلمين في واقع قائم حولهم، يعيشون فيه.. أو هم غائبون عنه من حيث لا يشعرون.

عاطفة بلا سند فكري

وهناك جانب آخر يؤثر على إيمانيات مسلمي الغرب؛ ألا وهو: النقص الكبير في مصادر المعرفة عن الإسلام. فهناك موقف سأقصه يدل على هذه المأساة، يتعلق بمشكلة التضييق على مسلمات في بون بسبب الحجاب.

لم تستطع الطالبات المسلمات المحجبات بين الحضور في بون الرد بالآيات والأحاديث والوقائع التاريخية وغير التاريخية عن الذم في الحجاب. اكتفت إحداهن بالوقوف لتقول: "ها أنا أرتدي الحجاب وأقف بينكم.. هل يبدو عليَّ أنني إرهابية؟".

ولكن ذلك لم يعوض الحاجة إلى المعلومة، خاصة في ظل قلة المعلومات المتوافرة بالألمانية عن الإسلام. ولا تزال محاولات التعويض عن النقص محدودة، لأسباب عديدة، منها أن الحملات الدولية على الإسلام والمسلمين، ساهمت في "التخويف" من التبرعات المالية الضرورية لتمويل مختلف المشاريع.

والحاجة إلى المعلومة لا تعني الحاجة إلى الترجمة المحضة لكتب إسلامية؛ بل إلى دعم مشاريع تستهدف النهوض بقدرات المسلمين المولودين في الغرب، العارفين بلغاته، القادرين على التعامل مع أساليب تفكيره، ليسدوا ثغرة يمكن أن تتفاقم عواقبها على صعيد الجيل المسلم الناشئ يوما بعد يوم.

ويساهم افتقاد المصدر القويم في اللجوء إلى "أي مصدر"، وكثيرا ما يدخل التشدد لا "التسيب" من هذا الباب. إذ يعتمد أهله على روح الإيمان العالية والمستوى المحدود من المعرفة الذاتية، حتى أصبحت بعض الاتجاهات المتشددة تنتشر في أوساط المسلمين "الجدد"؛ كما يقال عن الشبيبة الذين يعتنقون الإسلام.

ولا أخفيكم سرا أني أكتب هذه السطور قبل عيد الأضحى المبارك بأيام قليلة، وفي ذهني حيرة البحث عن مصلى مناسب لأداء الصلاة، ووسيلة مناسبة للأضحية، ومكان لاحتفال العيد، وأساليب مناسبة ليشعر الأقربون إليَّ بأنهم في عيد.


  كاتب فلسطيني المولد (عكا) سوري الأصل، من مواليد 1947م، ومقيم في ألمانيا منذ عام 1965م. ويمكنكم التواصل معه عبر بريد الصفحة: tazkia@iolteam.com.

 

«

ابحث

بحث متقدم