English

 

الأربعاء. يونيو. 28, 2006

تزكية » قلوب جريحة

أرسل لصديق  
   
روابط من إسلام أون لاين

"أسهم" البورصة تصيب "قلب" المؤمن

أحمد العمودي

تعلق القلب بالمال مرض عضال
تعلق القلب بالمال مرض عضال

نعم.. "المال والبنون زينة الحياة الدنيا"، ولكن ماذا يحدث إذا تحولت هذه الزينة التي منحها الله لنا من أجل تيسير أمورنا وتدبير أحوالنا إلى سم قاتل؟! وماذا يحدث إذا تحولت الوسيلة إلى غاية؟! ماذا يحدث عندما يتحول حب المال إلى "مرض" عضال يوشك أن يقتل صاحبه؟ الطامة الكبرى عندما يمتد هذا "الفيروس" إلى القلب فيدمره ويقضي على صاحبه.

وفي دول الخليج بوجه عام، والسعودية على وجه الخصوص؛ لاحظنا ظاهرة لافتة للنظر، وجديرة بالرصد، والوقوف عندها، ألا وهي تعلق كثير من رجال الأعمال والتجار بمؤشر البورصة، وتعليقهم كافة آمالهم على مؤشرها غير المستقر!.

وقد تسببت "حركة" الأسهم في إصابة العديد من السعوديين بأمراض العصر، فترى مساهمين يصدمون بضياع أموالهم، فيصابون بالضغط والاكتئاب والقلق، بل وقد وصل الأمر بالبعض إلى الإصابة بالأزمات القلبية الحادة.

أزمة حقيقية ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية؛ أكثر من يصابون بلعنتها صغار المستثمرين، وقد كبد التعثر الذي واجه مؤشر سوق الأسهم السعودي مؤخرًا ملايين المواطنين مآسي معيشية اكتووا بنارها؛ لانشغالهم الزائد بالبورصة، وتعلق قلوبهم بمؤشراتها، وتعليقهم كل آمالهم بالرغبة في الثراء السريع، حتى صاروا في حالات هستيرية، ونقل بعضهم إلى المستشفيات.

وفي البداية؛ اعتبر الدكتور أنس سعيد بن مسفر - الأستاذ بكلية المعلمين بمكة المكرمة، أن الاهتمام بالدنيا والانشغال بها أصبح سمة بارزة في هذا العصر؛ مؤكدًا أن التنافس بين الناس في الدنيا هو الذي خشيه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته حين قال: "ما أخشى عليكم الفقر، ولكني أخشى عليكم التكاثر".

وقال د. بن مسفر: "يجد الناظر اليوم إلى حال الناس زيادة اهتمامهم بالمال، وقد صارت الدنيا أولى الاهتمامات، حتى أصبح الواحد منهم يفرح ويحزن بقدوم المال وبذهابه. بل إنه -والعياذ بالله- قد يموت أو يصاب بجلطة وأمراض جسدية إذا ما ذهبت عنه، وهذا نوع من أنواع العبودية للمال".

ليس في القلب

وأضاف د. بن مسفر: "المال هو عصب الحياة، والله سبحانه وتعالى جعله من أجل أن تسير الحياة الدنيا؛ فسماه فتنة: "إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ" (التغابن: 15). ويفتن الإنسان إذا ما انشغل قلبه به؛ وقد لا يهتم بمصدره حلالاً أم حرامًا. فيصبح خادمًا له، ويضحي بصحته وأسرته ودينه من أجله.

أما من كان في يده فإنه ينفقه في سبيل الله، وينفقه فيما يصلح حاله، ولا يدخل في قلبه منه شيء. وقد يضحي الناس اليوم بكثير من أمور حياتهم من أجل الدنيا، ويتناسوا الاستثمار الصحيح والأمثل؛ وهو تربية أولادهم وإقامتهم على حدود الله عز وجل، وإقامة بيوتهم على شرع الله".

وبيّن أن المال مهما بلغت قيمته فهو إما أن تزول عنه وإما أن يزول عنك؛ متعجبًا ممن يبيع ممتلكاته وأصوله من أجل المغامرة في الأسهم، حيث جعلوا من أنفسهم فرصة لأهل الطمع وأهل الاستغلال وأكل أموال الناس. فعلى المسلم العاقل النظر إلى المال على أنه خادم له وليس العكس، وأنه لا فائدة منه ولا خير إلا ما تصدقت منه فأبقيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت. وأما الباقي فإنه مال الورثة.

وسيلة لا غاية

المال غاية أم وسيلة؟

ويبدي الشيخ محمد أحمد دعيوة - إمام وخطيب جامع حمزة بن عبد المطلب عجبه من التصاعد غير الطبيعي لموجة تعلق السعوديين بالأسهم، خاصة الذين رآهم بأم عينيه يستدينون ويبيعون أملاكهم بحثًا عن الثراء السريع.

ويلفت الشيخ دعيوة انتباهنا إلى الطريقة الخاطئة التي ينساق إليها الناس وراء الأسهم؛ فمنهم من ينطلق في هذه الأسهم بدون ضوابط شرعية ويدخل في خصام ونزاع، ويهمل بيته وأولاده، ويتقاعس عن القيام بالواجبات الشرعية الأخرى في سبيل الثراء السريع، إضافة إلى ما نسمعه من إصابة بعض الناس بالقلق والتوتر والاضطراب والخوف.

وقد حذرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم من ذلك أيما تحذير، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يُعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع".

سوء الظن بالله

ويؤكد د. حمزة الفعر - أستاذ مشارك بكلية الشريعة بجامعة أم القرى على أن "الجري وراء الأسهم مثله كغيرها من القضايا التي تدور في المجتمع؛ تدل على فراغ عند الناس. ونحذر المسلم من إساءة الظن بالله سبحانه وتعالى؛ إذا عانى الفقر والحاجة، فليس المخرج في اللهث وراء الكسب السريع".

وأشار د. الفعر إلى أن السعي للكسب الحلال المباح أمر مشروع، ولكن ضمن منظومة الواجبات والحقوق التي قلدها الله للعبد المسلم. ويتنافى التعلق بالمال مع التقسيم الواجب على المسلم لمجموعة من الاهتمامات. وهذا ما أكده الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنّ لأهلك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا".

وبينت منيرة بنت محمد الدخيل - الاختصاصية الاجتماعية بمستشفى الملك خالد الجامعي التأثيرات الاجتماعية السلبية لمضاربات الأسهم الاستثمارية. وقالت: "تظل أعين الكثيرين معلقة أمام الشاشات في البنوك؛ من أول النهار حتى آخره.

ثم يواصلون المتابعة في المنزل متابعين الأسهم مع صعودها وهبوطها بأعصاب مشدودة ونفسية قلقة. فتارة يفرحون لارتفاعها ويتنفسون الصعداء، وتارة ينفعلون ويغضبون غضبًا شديدًا، وتنهار أعصابهم عندما تهبط إلى الحضيض".

واستغربت من هذا الحال متسائلة: "أي تعاسة يعيشها هؤلاء الناس؟ فأين راحة البال؟ وأين الترابط الأسري؟ فلا يرى الأب أفراد أسرته إلا نادرًا، وينشغل عنهم حتى ينحرف بعضهم جراء إهمال متابعتهم.

وكم هي رائعة نصيحة النبي صلى الله عليه وسلم: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"؛ لأننا لو وضعنا الدنيا هدفًا لحياتنا لن نرضى بما قسمه الله لنا؛ لأن القناعة كنز لا يفنى".

خارج إطار الأسرة

فيما نصح د. ناصر العود - وكيل قسم الاجتماع والخدمة الاجتماعية بجامعة الإمام بالإقلال من مناقشة ما يحدث في السوق خلال الاجتماعات العائلية والأسرية، تجنبًا لما يمكن أن يحدث للأفراد من مشكلات اجتماعية ونفسية خطيرة سببها التدهور الحاصل في مؤشر سوق الأسهم.

وقال د. العود في حديث نشرته صحيفة "الرياض" السعودية بتاريخ 8-5-2006: "إن ما نشهده حاليًّا من ظواهر اجتماعية، إنما هي نتيجة انشغال المجتمع عمومًا بالأسهم، فالإحصائيات تشير إلى أنه لا توجد أسرة في المملكة لم تتأثر إيجابًا أو سلبًا بالدخول في سوق الأسهم".

ويتابع د. العود: "لقد شهد المجتمع السعودي مشكلات اجتماعية ونفسية عديدة، خلال السنتين الأخيرتين؛ بسبب الدخول في سوق الأسهم دون وجود أي وعي بالمخاطر التي تصاحب عادة التغيرات المفاجئة في أسعار السوق.

مما أدى إلى تعرض أعداد غير قليلة من الأسر بشكل عام، والأفراد بشكل خاص، إلى اضطرابات نفسية ومشكلات اجتماعية عديدة أدت إلى تفشي ظواهر اجتماعية مثل التفكك الأسري، المشكلات الزوجية، الخلافات الشخصية، الإهمال في حقوق الأبناء وغيرها".

توعية ضرورية

 وأشار د. العود إلى ضرورة زيادة برامج التوعية بالطرق الصحيحة للتعامل مع الضغوط المصاحبة للتغيرات في سوق الأسهم. موضحًا: "بالنظر في ما يحدث خلال هذه الأيام من إرباك وانحدار في السوق السعودي، فإنه يتوقع وجود مشكلات اجتماعية ونفسية خطيرة سوف تؤثر على أفراد المجتمع؛ مما يتطلب زيادة برامج التوعية بالطرق الصحيحة للتعامل مع الضغوط المصاحبة لهذه التغيرات.

وأوضح أنه يمكن إيجازها في عدة نقاط، منها: الإقلال من المتابعة اليومية لشاشات الأسهم، ومحاولة الانشغال بالرياضة أو غيرها لتخفيف الضغوط النفسية المصاحبة، مع التركيز على النظرة الإيجابية للسوق، وعدم الانسياق وراء الإشاعات، وعدم التفكير في الماضي والندم على قرارات استثمارية انتهت، والإقلال من مناقشة ما يحدث في السوق خلال الاجتماعات العائلية والأسرية".

ونوّه د. العود إلى أهمية استشارة الخبراء والإفادة من مقترحاتهم، مع ضرورة الاتصال بالمستشارين الاجتماعيين والأطباء إن وجدت آثار اجتماعية أو نفسية خطيرة.

وحذر د. خالد بن عبد الله طيب - مدير مركز السكر والغدد الصماء بمستشفى النور التخصصي في مكة المكرمة رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة داء السكري في السعودية من ارتفاع نسبة التعرض للنوبات القلبية جراء العوامل النفسية التي قد يتعرض لها العديد من المواطنين -خاصة المصابين منهم بداء السكري وأمراض ضغط الدم- نتيجة العوامل الاقتصادية التي صاحبت أسواق الأسهم السعودية في الفترة القليلة الماضية.


مراسل شبكة "إسلام أون لاين.نت" في السعودية؛ يمكنكم التواصل معه أو مراسلتنا بآرائكم وخواطركم الإيمانية عبر بريد الصفحة:tazkia@iolteam.com

 

«

ابحث

بحث متقدم