English

 

الاثنين. مارس. 5, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » الداخل الفلسطيني

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

بعد عام من مشاركتها في السلطة

حماس والنظام الفلسطيني.. تحولات بنائية ونوعية

د. محمد خالد الأزعر

Image
في أكثر من جولة للحوار الفلسطيني الداخلي، سابقة ولاحقة لعملية أوسلو ونشوء سلطة الحكم الذاتي عام 1994، عرض على حركة حماس الاندماج في النظام الفلسطيني، ممثلاً بمنظمة التحرير وفقًا لأسلوب المحاصصة الفصائلي الذي أخذت به القوى السياسية الفلسطينية طويلاً.

وراوحت الحصة المعروضة حينها من قبل قيادة حركة فتح، الممتدة إلى رئاسة المنظمة ثم السلطة الوطنية، في حدود 5% من عضوية المجلس الوطني، أعلى مؤسسات النظام التشريعية، وما يترتب على هذه النسبة من مناصب وأدوار ومقامات في بقية المؤسسات ذات الصلة. وقتذاك، سخرت حماس من هذا العرض مطالبة بحصة لا تقل عن 40%، الأمر الذي أنكرته عليها فتح ومعظم الفصائل المعنية، واستهزأ به الراحل ياسر عرفات بشخصه وصفته وسطوته القيادية الفريدة.

كانت تلك المساجلة الشهيرة الآن، تعبيرًا عن اتجاهين متدافعين: اتجاه عرفات وفتح ورموز النظام إلى "إقرار الوضع القائم" منذ تنحية أحمد الشقيري ودخول الفصائل إلى منظمة التحرير، وإيلاج حماس في زمرة العاملين انطلاقًا من المستقر والتقليدي والمتواتر في الحياة السياسية. ذلك الوضع الذي جعل من فتح حزبًا أو فصيلاً رائدًا كبيرًا، تجاوره قوى فصائلية أقل شأنًا وحجمًا وسلطانًا بكثير. واتجاه حماس، وقوى التيار الإسلامي الأصغر حجمًا وشعبية منها، لتعديل أو حتى تغيير هذا الوضع أو الأمر الواقع، بدخول النظام على نحو يؤدي إلى ما يشبه الندية مع فتح وتصحيح موازين القوى في المجال السياسي الفلسطيني برمته.

ولأن لحماس رؤى وخطاب أيديولوجي سياسي واجتماعي مغاير لمألوف رؤى وخطابات وربما لممارسات الآخرين، فقد كان من المقرر والمتصور أن يفضي إدماج حماس في صلب النظام (على صعيد المنظمة أو السلطة الوطنية) إلى تحولات جوهرية عليه من حيث الشكل والمضمون.

ومن المؤكد أن قوى النظام الفلسطيني وفي طليعتها فتح، فضلاً عن معظم المعنيين بسيرورة السياسية الفلسطينية إقليميًّا ودوليًّا، كانوا على دراية بهذه النتيجة وتداعياتها؛ ذلك لأن حماس تقوم على خلفية ومنظورات دينية وتندرج بالمفهوم الواسع تحت إطار جماعة الإخوان المسلمين بكل محمولاتها الأيديولوجية وطروحاتها. ولم تكن هذه المحمولات والطروحات، ولا سيما ما يتصل منها بالقضية الفلسطينية وتكييف الصراع ضد المشروع الصهيوني، بغريبة ولا مجهولة عند هؤلاء جميعًا. ومن هنا كان طبيعي أن تثير قضية استمرارية حماس خارج النظام إشكاليات وهواجس لديهم، وأن تصبح هذه الإشكاليات والهواجس حقيقة ملموسة إذا ما انخرطت هذه الحركة في النظام.

فتح تتحدى وحماس تستجيب

 في إطار هذه التوقعات، كان الرأي الراجح لدى المعنيين الفلسطينيين هو دعوة حماس إلى المشاركة في نظام السلطة الذي يسمح بإجراء الانتخابات، ومن ثَم قياس الأوزان الحقيقة للمشاركين.. بينما أثرت الأطراف الأخرى، وبخاصة التحالف الأمريكي الإسرائيلي، وضع شروط مسبقة على هكذا مشاركة، أهمها تخلي حماس عن منهج الكفاح المسلح (الإرهاب في خطابهم) والاعتراف بإسرائيل وبالاتفاقات التي أبرمتها مع منظمة التحرير والسلطة الوطنية.

والواقع أن فتح بإلحاحها على انخراط حماس كانت كمن يقبل التحدي معها والاحتكام لصندوق الاقتراع، لكن قبول حماس بالمشاركة، بعد طول تمنع لأسباب ليس هذا مقام الاستطراد إليها، مثَّل تحديًا للطرفين معًا. فقد باتت فتح والنظام الذي أقرته للعملية السياسية الفلسطينية لنحو أربعة عقود على المحك. كذلك الأمر بالنسبة لحماس التي صار مطلوبًا منها خوض تجربة نظامية بشروط ملتبسة وقد تجرح كثيرًا من الثوابت أو الافتراضات التي بنت عليها مقاطعتها لنظام السلطة من قبل.

الشعب بطل التغيير

كان يمكن لمشاركة حماس وخوضها الخيار الانتخابي أن يمرا كحدثين غير فارقين بالنسبة لمسار النظام الفلسطيني. فهناك غير حماس تنظيمات وحركات فلسطينية كثيرة، تتبنى تصورات وأهداف ووسائل تختلف عما تضطلع به فتح وقيادتها، لكنها لم تبلغ بتأثيرها ما نتج عن دور حماس الجديد. ليست إذن أيديولوجية حماس ولا مشاركتها فقط هما العنصران المحددان الرئيسيان للتحولات التي اعترت النظام الفلسطيني والحياة السياسية الفلسطينية بقضّها وقضيضها.. العنصر المميز في هذا السياق هو حجم الشعبية والثقة الانتخابية التي تأكدت لهذه الحركة، ليس فحسب إلى درجة الارتقاء بها كمنافس لفتح القوية، وإنما أيضًا إلى حد إزاحة هذه الأخيرة إلى الوراء وشغل مكانها كفصيل أول تدين له المؤسسة التشريعية، وتملك تفعيل رؤاها وتقديراتها ومباحثها الأيديولوجية والسياسية الحركية.

البطل الحقيقي في قضية إعادة تشكيل الحياة النظامية الفلسطينية هو جمهور الناخبين معطوفًا على البنية التحتية الثقافية التي تنتج لحركة مثل حماس المزاحمة على مركز الحكم والسياسة.

المراد بذلك، أن حماس تبوأت مكانتها على جهد كفاحي كبير، لكن غيرها، كتنظيمات اليسار الفلسطيني (الجبهتين الشعبية والديمقراطية مثلاً) كانت لهم مداخلات نضالية مرموقة لعقود، لكنهم لم ينافسوا قامة حماس الأحدث عمرًا في نهر السياسية الفلسطينية، السبب قد يكمن في التفضيلات الشعبية والثقافية الفلسطينية الأميل إلى إيلاء البُعْد العقيدي الجهادي أهمية كبيرة. ثم إن غير حماس سبق له التعايش طويلاً مع الوضع الراهن لنظام الكوتا والمساومات الفصائلية بالمزايدة والمناقصة، ولم يثبت جذريته في التغيير والإصلاح بالمستويات المطلوبة شعبيًّا، لا على مضمار النظام وآليات عمله ولا على مضمار القضية الوطنية ومناحرة الاستعمار الصهيوني الإسرائيلي.

آيات التغيير

في كل حال، فاقت حماس غيرها في فرصة إعادة هيكلة النظام بالنظر إلى حجم التفويض الانتخابي الذي نالته في انتخابات 2006، وثبت أن رهانها على مقام الندية مع فتح والذي تطلعت إليه تفاوضيًّا قبل ذلك كان صحيحًا. لقد أعطاها صندوق الانتخاب أكثر مما طالبت به في حواراتها بعيدًا عن الصندوق، وكانت هذه المحصلة أول مؤشرات تغير آليات صعود وهبوط القوى السياسية داخل نظام السلطة، وبالتداعي تأكد أن ترتيب المكانات والمراكز الحزبية والقيادية في إطار منظمة التحرير بحسب الصفقات والمساومات الفصائلية لم يكن الأسلوب الأنسب للإفصاح عن الإرادة الشعبية ولا للتمثيل الحقيقي لحجم القوى الفلسطينية.

انتقال حماس بالانتخابات من خارج السلطة (والمنظمة) إلى مرتبة الأحقية المطلقة بتشكيل حكومة السلطة منفردة لو أرادت وسمحت لها المعطيات الأخرى بذلك، أحدث صدمة صاعقة لهذا الأسلوب. ولن يكون سهلاً ولا مقبولاً بعد هذه الواقعة الكاشفة أن يعود شركاء السياسة الفلسطينية إلى تصفيف قيادة الحركة الوطنية ونظامها كائنًا ما كان اسمه، طبقًا للتقاليد السابقة.

بنظرة شاملة بانورامية، يسعنا الاعتقاد بأن النظام الفلسطيني تعرض، بدخول حماس العاصف والقوي إلى رحابه وصولاً إلى تشكيلها لحكومة السلطة، لحراكية لم تعرفها الحركة الوطنية الفلسطينية بالمطلق على مستويي الشكل البناء أو المحتوى والمضمون. ومع أن التمييز بين هذين المستويين يبدو عصيًّا على التحليل الموضوعي، باعتبار أن لكل تغيير في الشكل صدى مضمونيًّا، إلا أن المقام يسمح بالاجتهاد في هذا السياق.

تحولات بنائية

فعلى المستوى البنائي الهيكلي أفصح المشهد السياسي عما يلي بلا حصر ولا ترتيب:

أولاً: انتهى عهد الأحادية القطبية الذي تسيدت فيه فتح مركز صناعة القرار السياسي والإداري والمالي وفي معظم فعاليات النظام. وبات النظام ثنائي القطبية إذا جازت التعبيرات.

وقد انعكست هذه الصورة وأشعت على مؤسسات النظام بما يشبه التقاسم الوظيفي.. فصارت الرئاسة وقوى الأمن وحركة فتح في جانب، ورئاسة الوزارة وغالبية المجلس التشريعي والوزارة وحركة حماس في جانب آخر.

ثانيًا: تزامن هذا الوضع وغياب الرموز القيادية الكاريزمية المؤثرة على صعيد فتح وحماس وبقية الفصائل. لقد كان عرفات آخر هؤلاء الذين تمتعوا بالإشعاع الكاريزمي، وبذلك اتسع المجال السياسي داخل النظام وخارجه للتفاعلات البعيدة عن سطوة القائد الكاريزمي.
 
ثالثًا: تأكد ضمور شعبية التيارات والقوى المنتمية لعناوين اليسار والمستقلين خارج فتح وحماس اللتان استحوذتا على نحو 90% من أبنية النظام بكلمة الناخبين.

رابعًا: باستثناء حركة الجهاد الإسلامي، انضوت كل الحركات والأحزاب والتيارات المعروفة بأجنحتها السياسية في نظام السلطة والتفتت إلى منظمة التحرير ساعية إلى تلمس سبل ترميمها وتفعيلها.
 
خامسًا: لم يشارك فلسطينيو الملاجئ والمنافي في العملية السياسية، لا سيما الانتخابات للمرة الثانية وبدا أنهم تنظيميًّا ملحقون بالأطر التي تعمل في الداخل الفلسطيني. وفي غياب الميثاق الوطني للمنظمة وانتهاك كثير من نصوصه وثوابته الجامعة، ثارت مخاوف جدية من تعدد مصائر الفلسطينيين وتوكيد خضوعهم لمواثيق دستورية وشبه دستورية مختلفة، الأمر الذي يهدد وحدة قضيتهم الوطنية وخضوعهم لنظام سياسي واحد.

سادسًا: تجلت أكثير قضية انكشاف النظام الفلسطيني ماليًّا واقتصاديًّا بفعل الحصار الذي ضرب على حكومة السلطة بقيادة حماس، وظهر أن القوى الشعبية العربية لا تملك وحدها ردف النظام وأعبائه الثقيلة بالمدد المالي والاقتصادي البديل من الموارد الرسمية العربية وغير العربية.

تحولات نوعية

أما على صعيد التجليات النوعية التي تمخضت عن هذه الإفصاحات الشكلية فيمكن تكثيفها بلا ترتيب ولا حصر أيضًا في:

أولاً: برهن مسلسل توابع الانتخابات العامة وتكوين حكومة حماس أن سواد الشعب الفلسطيني لديه الاستعداد والقابلية للتعامل مع فيوض الديمقراطية والسياسية وإجراءاتها إذا ما أتيحت له الفرصة. والمفارقة أن هذا الاستعداد يفوق بكثير نوازع بعض القوى السياسية إلى الممارسة الديمقراطية وتقبل نتائجها.

لقد ثبت أن عامة الفلسطينيين (رجل الشارع!) أكثر ديمقراطية من رموزه القيادية التي احتج بعضها بعنف على إفرازات صندوق الاقتراع، وراح بعضهم يحرض الأنصار والأتباع على هذا الاحتجاج حتى وإن أدى ذلك إلى الفلتان الأمني وغير الأمني وكسر القانون والنظام وإهدار دماء وطنية برصاص شقيق وغضب الأصدقاء وشماتة الأعداء.
 
ثانيًا: بسبب الخلاف الأيديولوجي الحار بين قطبي النظام، فتح وحماس، وتباين برامجهما السياسية وأنماط تحالفاتهما الخارجية وصدمة تبادلهما للمواقع بين الحكم والمعارضة، تحولت قطبيتهما إلى استقطاب شديد. فحاولت فتح استدراج حماس إلى نوازعها وتوجهاتها وبخاصة إزاء مسار التسوية، فيما تصورت حماس إمكانية الإفلات من شروط قيام السلطة الوطنية وقعودها.

وهكذا انتقلت أزمة التعارض التنظيمي والسياسي بينهما إلى داخل النظام، مسببة انقسامات واشتباكات من طبيعة قانونية وسياسية.. ودموية، أفسدت المجال السياسي الفلسطيني وسممت الفعل الديمقراطي. وبدلاً من أن تكون الانتخابات الديمقراطية مطية لتفكيك الاحتقان باتت مدعاة للمزيد منه.

ثالثًا: في منازعاتهما البينية لجأ القطبان الكبيران إلى الاحتماء بالمؤسسات القائمة والقوانين، وسخَّرا كل ما طالته أيديهما في سبيل الاستقواء في مواجهة بعضهما البعض؛ إذ تمترست فتح خلف رئيس السلطة "الفتحاوي" والأجهزة الأمنية والبيروقراطية العليا المنمية إليها، وحاولت تطويع القوانين أو استصدار المزيد منها قبل مغادرة أغلبيتها التشريعية بما من شأنه تعزيز حصونها الباقية في نظام السلطة. وبدورها ذهبت حماس إلى استدراك مواقع تنفيذية وإدارية بيروقراطية لم تمكنها من سلطة فتح من قبل. كما أنشأت "القوة التنفيذية" كذراع أمنية مسلحة تستعيض بها عن قوى الأمن التي أدمنت الاستتباع لفتح.. وقد انداحت هذه الإجراءات الفئوية التنظيمية إلى مختلف مؤسسات النظام مقدمة مشهدًا فصائليًّا انشطاريًّا لا مشهدًا نظاميًّا عامًّا مهيمنًا على الفصائلية والعقلية القبلية والزبائنية.
 
رابعًا: في حمأة بحثها عن ملاذات لقوتها ونفوذها، تذكرت رئاسة السلطة وفتح منظمة التحرير التي ما زالت بمعزل عن مداخلات حماس. وجرى تداول الحديث المنقطع منذ نشوء السلطة عام 1994 عن كونها المرجعية العليا للسلطة الوطنية وقرارات السلم والحروب الفلسطينية، وأنها الطرف المفاوض والمتعاقد باسم الشعب الفلسطيني. وكانت بادرة لإحياء المنظمة لولا أن قضية تفعيل المنظمة هجرت طويلاً ولا يمكن إتيانها دون أخذ الحقائق السياسية الفلسطينية المستجدة في الاعتبار ومنها قوة حماس وضرورة إدراجها في المنظمة.. وهذا أثار الجدل حول: أية منظمة لأية مرحلة وبأية قوى وعلى أي أسس ومواثيق وضمن أية شروط عربية وإقليمية ودولية (وإسرائيلية أيضًا) يمكن اجتراح هدف التفعيل.

خامسًا: مع أن الانتخابات أكدت ضعف غير فتح وحماس من الفصائل الوطنية والمستقلين، إلا أن حالة الاستقطاب والانشطار بين القطبين والتراشق السياسي والدعائي الإعلامي والمسلح وما اتصل بذلك من انتهاكات لحرمة الدم الفلسطيني وتجاوز ما يسمى بالخطوط الحمر في التعامل الداخلي، أثبت الحاجة إلى مداخلات ووساطات القوى الأخرى.. وهو ما اضطلع به بعضهما بالفعل وصولاً إلى إجراء حوارات معمقة بين شركاء النظام جميعًا وإفراز وثائق مهمة في التلاقي الوطني على قواسم مشتركة مثل وثيقة الوفاق الوطنية الموقعة في يونيو 2006. ومع ذلك ظل الخلاف بين القطبيين قائمًا حول تفصيلات وتأويلات بنود الوثيقة، وبدا أن الصيغ الفضفاضة التعبوية لا تكفي لنزع فتائل الفتن بينهما التي تجددت بوتيرة أكثر إيلامًا للشعب الفلسطيني وقضية الوطنية. وقد احتاج الأمر إلى مداخلات عربية أقوى على خطوط النظام والتفاعلات الفلسطينية الداخلية، تولتها أساسًا القوى المركزية في النظام العربي (مصر وسوريا والسعودية)، إلى أن أنجزت تفاهمات مكة المكرمة بخصوص إقامة حكومة وحدة وطنية وتعزيز أسس الشراكة السياسية في المجال السياسي الفلسطيني.

سادسًا: لم يكن النظام الفلسطيني يومًا في عهدي المنظمة والسلطة بمعزل عن المداخلات والأدوار والتأثر بالسياسات الإقليمية والدولية. غير أن الانكشاف المالي والاقتصادي في سنة حكومة حماس والضغوط التي مورست على أطراف هذا النظام بأشكال متعددة أكدت صعوبة الحديث عن سياسة فلسطينية ذاتية بحتة.

لقد تأكد أن استقلالية القرار الفلسطيني غلالة رقيقة يمكن اختراقها من لدن أصدقاء وحلفاء وخصوم وأعداء لهم أجندات مختلفة، وأن هؤلاء الأقوام لا يتورعون عن استخدام هذا الانكشاف في التلاعب بأحوال النظام الفلسطيني، قواه وتوجهاته وأهدافه ووسائله. وهذه عورة ونقيصة يتعين الانشغال بها لمن أراد صيانة القضية الفلسطينية من الأهواء والمتغيرات العاصفة من حولها والافتخار بنظام فلسطيني يملك قراره.

تجربة مأزومة وانتكاس مستحيل

لم تتمكن حكومة عهد حماس من الإقلاع في بيئات مواتية، فهي اعتصرت بين داخل يكيد لها وخارج يعاديها، كما أن مؤسسات النظام تحت قيادتها النيابية والحكومية لم تمارس أدوراها على نحو يمكن منه اختبار أدائها موضوعيًّا.

وفي هذا الإطار استهلكت حماس، حركة وحكومة، جلّ جهدها ووقتها دفاعًا عن أحقيتها في القيادة. ولأنها لم تحكم فعليًّا ولا مارست المقاومة بالطلاقة السابقة على مقامها في النظام، فقد لا تنجو سمعتها وهيبتها من الجرح والنقد، لا سيما أنها في التحليل الأخير باتت أقرب إلى الانطواء تحت عباءة عملية التسوية بغير الشروط التي أرادتها.

لكن الحياة السياسية الفلسطينية كسبت بعض الشيء حين ذهب زمن احتكار السياسة والنظام من قبل قوة أحادية، وحين صار القرار السياسي تحت رقابة مريرة، يمضي بصعوبة، وإنما بعد تمحيص وجدل مستفيض، فإن قدر للفلسطينيين أن يفاوضوا ذات حين، فالمرجح أنهم سيكونون طرفًا صعب المراسي لا ينثني بسهولة.


  كاتب ومحلل سياسي فلسطيني.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات