|
في رمضان تغص المساجد بالمصلين في أوقات الصلاة الخمسة، خاصة في صلاة الفجر والتراويح، ويقبل الناس على قراءة القرآن، ويختمونه عدة مرات خلال الشهر، وتزداد الدروس والمواعظ، وتكثر الزيارات بين الأقارب وصلة الأرحام، وتجمع الزكاة وتوزع على الفقراء والمحتاجين، ويسود جو من الألفة والتسامح بين الناس.. صورة رائعة تظهر في المجتمعات العربية والإسلامية، يحسدنا العالم أجمع عليها، لكن هذه الصورة سرعان ما تتبدل وتتغير بل تنقلب إلى أقصى درجات المخالفة في أول يوم بعد انتهاء هذا الشهر الكريم (يوم العيد)، الذي يكون بداية لعودة عجيبة في سرعتها وشكلها إلى ما كان قبل رمضان من حال لدى الكثير من الناس إلا من ثبته الله على الطاعة والخير؛ حيث تعود المساجد بعد العمران فارغة، والمصاحف بعد الألفة والصحبة للهجران، وتعود أخلاق الناس إلى ما كانت عليه، فتسمع ما لا تحب، وترى ما تكره.
أنا أعرف أن الأمر ليس بهذه الدرجة من السوء، ولكن لا يختلف اثنان على أن تغييرا جوهريا قد حصل.
شهر مميز بكافة المقاييس
ولمعرفة أسباب هذا التغيير الذي طرأ على حياة الناس وخاصة من الناحية الدينية، قمنا بطرح السؤال التالي على عدد من الأشخاص من مختلف الفئات ومن الجنسين أيضا: لماذا تمتلئ المساجد في رمضان بالمصلين وبقارئي القرآن ولا نشاهد هذه الصورة بعد رمضان؟!
يقول وجدي العامر -21 عاما، طالب جامعي-: إن لرمضان سحرا وميزة عن بقية الأشهر، وهو موسم للعبادة يجب استغلاله جيدا؛ فالشياطين تصفد كما قال رسول الله في الحديث الشريف، ويكون الأجر مضاعفا لسبعين ضعفا عما سواه، وفي بقية الأشهر تصول الشياطين وتجول.
ويتابع: كما أن السحور يلعب دورا كبيرا بامتلاء المساجد بالمصلين في صلاة الفجر، ولا يوجد سحور في الأشهر الأخرى.
ويشارك يوسف مزهر -36 عاما، موظف في مؤسسة خاصة- الرأي بأن لرمضان جوا خاصا يميزه عن باقي الأشهر؛ فالاستعدادات التي تسبق رمضان والجو العام الذي يكون خلاله يساعد الإنسان على التزام بالعبادات.
ويضيف يوسف أن قدوم العيد مباشرة بعد رمضان يلعب دورا في انشغال الناس عن العبادات، حيث إنه ومن الساعات الأولى لأول أيام العيد تظهر الكثير من الأمور التي تلهي الناس وتنسيهم ما كانوا عليه قبل يوم واحد فقط، فزيارة المقابر بعد صلاة العيد ومن ثم يستريحون قليلا لتبدأ بعدها جولة قد تستمر لأيام في زيارة الأقارب والأهل وخاصة الذين يقطنون في أماكن بعيدة، ومع كل ما ذكر من أسباب إلا أنها لا تشكل ذريعة مقنعة للتخاذل والقعود عن العبادات.
وترى أم ياسر الحمد - ربة بيت- أن الإعلام يلعب دورا كبيرا في اهتمام الناس برمضان، حيث تتسابق المحطات الفضائية والمحلية على عرض البرامج التي تجذب انتباه المشاهدين، وتشعرهم بالشهر الفضيل، وخاصة البرامج الدينية ونقل صلاة التراويح مباشرة من المساجد، وكذلك الدروس والمسلسلات التاريخية. وما إن ينتهي الشهر الفضيل حتى تعود المحطات إلى سابق عهدها، وبالتالي تجبر المشاهد على العودة معها إلى ما كان عليه قبل رمضان.
المنقطعون قسمان
ويقسم الدكتور غسان بدران المحاضر في كلية الشريعة بجامعة النجاح مَن ينقطع بعد رمضان إلى فئتين رئيسيتين:
1- انقطاع جزئي: هم فئة من الناس يصلون ويترددون على المساجد، ويقومون ببعض العبادات بصورة متقطعة، يزداد اجتهادهم في رمضان، وما يلبثون أن يعودوا لوضعهم السابق فور انتهاء الشهر الكريم.
2- انقطاع كلي: هم الأشخاص الذين لم يكونوا يصلون قبل رمضان، وخلال الشهر ولأسباب عدة يترددون على المساجد "قد تكون مجاملة للناس"، وبعده أيضا لا يصلون.
والأشخاص من الفئة الثانية قد تستمر عباداتهم بعد رمضان، إما بصورة خفيفة، وإما أن يكون رمضان سببا في هدايتهم وتوبتهم، وهذا ما نتمناه جميعا.
ويقول د. بدران: إن وجود هذه الفئات يعتبر حجة على الإنسان؛ فهو عندما نوى أن يصلي في رمضان قام بذلك، علما بأنه لم يكن يصلي قبله، وبعده توقف عن الصلاة، وبدأ يسوق المبررات الواهية عن سبب توقفه، وهذا دليل على أن الإنسان يملك القدرة، والدافع على القيام بما فرضه الله عليه؛ فالله لا يطلب من الإنسان فعل ما لا يستطيع القيام به.. يقول الله تعالى: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر"، وهذه الآية نزلت في الصيام تحديدا.
فلا يجب على الإنسان أن يوقت نفسه كالساعة على رمضان "سأفعل"، وبعدها يوقت نفسه مجددا على أن يترك "لن أفعل والمبرر جاهز"، ودليل ذلك أنه يتكرر في كل عام.
ويرجع د. بدران أسباب ظهور هذه الفئات إلى ما يلي:
أ. الفهم الخاطئ للعبادات، وبالتالي ضعف الإيمان: فهناك من يعتقد أن رمضان موسم يجب استغلاله كالمواسم التجارية، ممكن أن يعملوا خلالها، ويجمعون الأموال لبقية الأشهر التي لا عمل فيها، وهذا تصور غير صحيح؛ فالصلاة في غير رمضان فرض على المسلم كما هي في رمضان، وتركهم لها لا يعني سقوطها عنهم.
ب. الجو العام الذي يسود المجتمع خلال رمضان: سواء في البيوت والمدارس والجامعات والمؤسسات ووسائل الإعلام، وكذلك في المساجد ودور العبادة والأسواق؛ فالناس قبل رمضان بأشهر يقومون بالتهيؤ له، ويستعدون لاستقباله؛ فتمتلئ الأسواق بالرواد، وتقوم المؤسسات والمدارس والهيئات الحكومية والخاصة بوضع ترتيبات خاصة للشهر، وتروج وسائل الإعلام لبرامجها خلال الشهر، وتتنافس في تقديم الجديد والمميز، كما أن أوقات الدوام تتغير في رمضان، وتكثر الإجازات والحوافز التشجيعية، كل هذه المظاهر لا تلبث أن تنتهي بعد رمضان؛ وهو ما يعطي انطباعا لدى الناس بضرورة استغلال الشهر من كافة الجوانب الدينية منها والحياتية.
الإنسان يتأثر
ويرى الدكتور ماهر أبو زنط رئيس قسم علم النفس في جامعة النجاح الوطنية أن الإنسان بطيعته يميل للعمل الجماعي؛ إما للتقليد وإما لمجاملة الناس، وهو ما نسميه "الالتزام الاجتماعي"، هناك بعض الأشخاص الذين لا يصلون في الأيام العادية، إلا أنهم يذهبون لصلاة الجمعة، وذات الأمر ينطبق في رمضان؛ فالذي لم يكن يصلي يرى الناس يصلون ويقرءون القرآن ويتوجهون للمساجد؛ فهناك من يتحرك عندهم الدافع الديني، ويظهر نوع من الخجل من الناس، وآخرون يتوبون، ويعودون لله بصورة فعلية، ويستمرون في العبادات بعد رمضان.
كما أن الإنسان يتأثر بصورة كبيرة بالمحيطين به؛ فالطقوس الدينية والعادات والتقاليد الخاصة برمضان تسيطر على الإنسان، وتجعل التقرب لله يزداد، وتجعله وبصورة عفوية يسلك سلوكا متدينا، وإن اختفى أو قل هذا الالتزام، إلا أننا لا يمكن أن نسميه انقطاعا فهناك من يستمر في أداء الصلوات وقراءة القرآن بعد رمضان، ولكن لا يذهب للمسجد بل يصلي في البيت.
ما العمل؟
وإن أردنا القضاء على هذا الظاهرة -إن صح التعبير- خاصة أنها تتكرر في كل عام، فيجب ألا ننسى أن الإنسان بحد ذاته تقع على عاتقه المسئولية الأولى "فردية"، بصفته من يقوم بالفعل ومن يتركه بعد ذلك، ومهما كانت الأعذار فهي بالإجماع غير مقبولة؛ لأن العبادة غير مقتصرة على رمضان؛ بحيث يكون شهر رمضان بداية العودة وليس نهايتها، وتشجيع للزيادة في الطاعات والعبادات، وليس موسما ينتهي مع دخول أول أيام العيد.
كما تقع المسئولية على أئمة المساجد والدعاة، خاصة أن المسجد في رمضان يغص بالمصلين ومن كافة الشرائح الاجتماعية -ومن ضمنهم طبعا من نقصدهم في مقالنا هذا- فيحسن بالإمام استغلال هذا العدد الكبير الذي يصعب جمعه في غير أيام رمضان، فاعمل أخي الداعية على ربط الناس بالمسجد بأسلوب جميل وبلغة بسيطة سهلة، من غير تشديد عليهم وزجرهم وتخويفهم بما قد يأتي بنتائج سلبية لا مبرر لها.
وللأسف هناك بعض الدعاة والأئمة لا يحسنون استغلال المواقف؛ فيبدأ الواحد منهم بوصف من يصلون في رمضان ويتركونها بعده بـ"يا عُباد رمضان" أو "من تعبدون رمضان ولا تعبدون رب رمضان"، ويقول لهم بأن صلاتهم مردودة عليهم، وصيامهم غير مقبول، ودعاءهم غير مستجاب.. وما إلى ذلك من الكلام المنفر، خاصة لمن جاء تائبا، ودخل المسجد للمرة الأولى في حياته؛ حيث تحدث عنده ردة فعل عكسية لا تحمد عقباها.
إذن كيف نحدثهم؟ الجواب بكل سهولة ويسر: تحدث أخي الداعية لهم بأسلوبك المعهود؛ فلا داعيَ لأن تغيره في رمضان عما كان عليه قبله، وأن تستغل من جاء يتوب إلى الله، وتعتبره صيدا ثمينا للإسلام والمسلمين يجب عدم تفويته، وتتدرج معه بالكلام الجميل والقصص الهادفة لمن عاد إلى الله وقبلت منه توبته.
واعمل من خلال الدروس والمواعظ والخطب على توضيح أهمية الصلاة وقراءة القرآن في رمضان وفي غير رمضان، وبين لهم حكم تاركها، ولا ضير في تذكيرهم دوما بأن الله غفور رحيم، ولكنه شديد العقاب على من يستحقه.
كما أن النساء يذهبن للصلاة في المساجد في رمضان، وهذه أيضا نقطة يمكن بصورة كبيرة أن تستفيد منها أخي الداعية، ولا تنسَ أن المرأة تقوم بدور كبير في تربية الأجيال الناشئة.
ومن بعض الاقتراحات التي يمكن من خلالها الاستمرار على نفس الوتيرة والنهج في الأشهر التي تلي الشهر الكريم:
- إن كنت أخي المسلم تذهب لصلاة الفجر في رمضان بسبب استيقاظك لتناول طعام السحور، ولا يوجد في الأشهر الأخرى سحور، وبالتالي -كما تعتقد- لا توجد صلاة؛ فيمكن بكل سهولة أن تقوم "ساعة التوقيت" مقام المؤذن الذي يدعوك للقيام قبل الفجر، وهي متوفرة للجميع وسهلة الاستخدام كذلك.
- إن اعتدت على قراءة جزء من كتاب الله، وختمت المصحف في رمضان، ولن تتكرر هذه الفرصة مجددا إلا بعد عام كامل، فاقرأ أخي المسلم صفحة واحدة من المصحف في وقت فراغك، وهذه لن تأخذ منك سوى دقائق معدودة لن تؤثر على مجرى حياتك، واجتهد بعدها في زيادة عدد الصفحات عل الله يرضى عنك ويوفقك في دنياك، ويدخلك الجنة يوم القيامة.
- وبالنسبة لصلاة التراويح، اعمل أخي المسلم على صلاة ركعتين -أو أكثر إن استطعت- يوميا بعد صلاة العشاء وقبل الوتر حتى تبقى على نفس الوتيرة، وحتى لا تجد صعوبة في صلاتها في العام القادم.
أخي المسلم يا من صليت الأوقات الخمسة، وختمت المصحف، ووصلت رحمك، ودفعت زكاة أموالك، وصنت لسانك عما يؤذي الناس.. أقول لك: لا تنسَ أن الله موجود في الأشهر الأخرى، ويراك ويراقبك في كل ما تقوم به، ويستجيب لدعائك؛ فلا تنسَه؛ لأنه لن ينساك.
صحفي فلسطيني.
|