English

 

الاثنين. مارس. 20, 2006

تزكية » إيمانية

أرسل لصديق  
   
روابط من إسلام أون لاين

الرسوم المسيئة.. "محنة" أم "منحة"؟

صبحي مجاهد

أزمة الرسوم حركت مشاعر المسلمين بالغرب
أزمة الرسوم حركت مشاعر المسلمين بالغرب

يعيش مسلمو الغرب في ظروف خاصة، بدأنا نشعر بمشاكلهم في أزمة الدانمارك. لم تكن الرسوم المسيئة بمعزل عن الصورة التي أنتجوها عن الإسلام في مجتمعاتهم.

فما هي المشاكل الإيمانية التي تواجههم؟ وكيف يمكن أن ينصروا دينهم ونبيهم دون صدام مع واجبات المواطنة؟ هذا ما سنعرفه من حوارنا مع الشيخ علي إسماعيل -مصري الأصل ودانماركي الجنسية- المتحدث باسم الأئمة في السويد:

* بداية هل أثر احتكاك المسلمين بالدول الإسكندينافية على إيمانياتهم؟

- جاء المسلمون إلى الدول الإسكندينافية الخمس (الدانمارك - السويد - النرويج - فنلندا - أيسلندا)، في الستينيات من أجل التجارة، ومعظمهم من الأتراك. ثم تبعهم مسلمون من البوسنة والهرسك، ثم لحق بهم مسلمون من الهند وباكستان.

وكانت علاقة المسلمين بالدانمارك وغيرها من الدول الإسكندينافية محددة، ثم تطورت بعد ذلك إلى الهجرة من بعض الدول الإسلامية التي بها مشاكل كأفغانستان ولبنان وفلسطين والصومال، وقد استقبلت الدول الإسكندينافية المسلمين، وأعطتهم حقوقًا في البقاء وممارسة حياتهم الطبيعية، وهذا في بدايته بالقطع كان يساعد أي مسلم على تعميق إيمانياته، وتوثيق صلته بالدين في بلاد المهجر.

والمشكلة ليست في هذه الدول، بقدر ما هي مشكلة المسلمين المهاجرين، فليس في ذهنهم أي شيء سوى التجارة، ويبتعدون عن الدين، خاصة أنهم رحلوا من بلادهم الأصلية بثقافة دينية مشوّهة. ولكن في المقابل هناك أناس يتمسكون بدينهم، ويتقربون إلى الله أكثر بعد الهجرة.

* وما هي أكثر المشكلات التي يتعرض لها مسلمو الدول الإسكندينافية؟

- هذه الدول لا تدين بدين؛ لذلك تشيع بها الإباحية، والحرية المطلقة، والعلمانية والمادية الطاغية. ولا تؤمن إلا بالمادة، وتحاول فرض هذه الفكرة على كل من يعيش فيها، وهذا يُعَدّ من أكبر التحديات لإيمانيات المسلمين هناك، وبالرغم من أن هذه المجتمعات كانت مجتمعات مسيحية متمسكة بالدين، فإنه مع التقدم الهائل أصبحت تقول "نحن لا نحتاج إلى دين أو قيم".

الأسرة والمراكز الإسلامية

* إذا انتقلنا إلى تربية الأبناء، فما هي الطريقة العملية لتربية الأبناء في الغرب على الإيمانيات والأخلاق الإسلامية؟

- تربية الأبناء من المشاكل العويصة في الغرب، ولا يصلح أن نذهب بأبنائنا إلى الدول الغربية، وندخلهم مدارس خاصة لتعليم القرآن وعلوم الإسلام بعيدًا عن أقرانهم من المجتمع الغربي.

ولكن يجب أن نؤسس أبناءنا على الإيمان والأخلاق تأسيسًا صحيحًا ونتركهم يتعلمون في المدارس العامة؛ في الوقت الذي يمارس فيه الوالدان دورهم الحقيقي. فمثلاً عندما يقول المعلم الدانماركي للابن المسلم "أين الله؟ ولا يوجد شيء اسمه ربنا"، فعلى الأب والأم في البيت أن يجيبوا عليه ويوضحوا له الأمور.

وينبغي وصل الأبناء بالدين الإسلامي من خلال المراكز الإسلامية التي تعلمهم القرآن ومبادئ الإسلام لكي تتشكل هويتهم، ولا يتأثرون بالقيم الغربية.

* هل ترى أن تعامل المسلمين في الغرب مع الآخر يتم على أسس أخلاقية إسلامية؟

- هناك من المسلمين في الغرب أناس لديهم وعي ويقومون بالتعامل مع الآخر من خلال الخلق الإسلامي، والحفاظ على حقوق الجار، وإشراكه في تناول الأطعمة من مأكولات طيبة، وزيارته في مرضه.

فحسن الخلق هو جسر التواصل الحقيقي بين الغرب والإسلام، وعندما يزور المسلم جاره غير المسلم، يهم السويدي أو الدانماركي إلى معرفة سر هذا الدين الذي يدعو إلى التواصل الاجتماعي واحترام عقائد الآخرين.

* في مواجهة تيار الانحلال واللادينية بالدول الغربية.. ما هي الوصفة الإيمانية التي يمكن من خلالها أن يحافظ المسلم في الغرب على إيمانه؟

- على المسلم أن يقترب من الصالحين في مجتمعه الغربي، خاصة أن الدول الغربية هي مجتمعات فردية تؤمن بالفرد، في حين أن الإسلام يدعو إلى الجماعة للحفاظ على المجتمع والأسرة.

ولذلك نسعى منذ هجرتنا للدانمارك إلى إيجاد مؤسسات إسلامية تحتوي وتحافظ على هوية المسلم في هذه المجتمعات، كما وفّرنا جميع الأمور التي تعين المسلم على ممارسة شعائره، خاصة أن هناك حرية في ذلك.

الإساءة للرسول

* يشير البعض بأصابع الاتهام إلى سوء تصرفات الأقليات المسلمة بالغرب، وأنها أدت إلى تجرؤ الصحافة الدانماركية على الإساءة للرسول صلى الله عليه وسلم، فما صحة ذلك؟

- الحق يقال، ولا شك أن المسلمين المتواجدين الآن في الغرب ليسوا على مستوى دينهم؛ بمعنى أنهم لم يدرسوا الدين، فعجزوا عن نشر المظاهر السلوكية الإيجابية للإسلام؛ لأن الكلام وحده غير كاف.

وقد يرى البعض أن أزمة الرسوم كلها سلبيات، ولكنها على العكس أيقظت الغرب، وجعلته يرى المسلمين في ثوب الأقوياء؛ لأن صفوفهم توحدت في وقت بسيط، وهو ما أذهل الجميع -بما فيهم المسلمون أنفسهم- بعد أن شوّهتهم الصورة النمطية للضعف والتشتت.

فكان حب النبي صلى الله عليه وسلم ونصرته علامة إيمانية وحدت المسلمين. وهذا ما أزعج الغرب؛ لأن نصرة النبي ظاهرة إيمانية لن تنطفئ سريعًا، ولن تمر مرور الكرام، وأوروبا بهذه الواقعة نبهت الكثير للإسلام، وعرف العالم أن حب الرسل جزء من إيمان المسلمين وعقيدتهم.

* ولكن هل كانت غضبة مسلمي الغرب نابعة من حبهم للرسول صلى الله عليه وسلم، أم مجرد تحفز ضد الغرب؟

- لم يكن هناك سبب آخر لغضب المسلمين في الغرب سوى نصرة الحبيب صلى الله عليه وسلم، والدليل على ذلك أن هناك مسلمين غير متدينين، ولا يقرءون القرآن بل يشربون الخمر، لم يطيقوا الإهانة على نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم. وكلهم على استعداد لفداء الرسول بحياتهم.

وهذا ما حدث من قبل عام 1973م، حيث كان هناك شخص يجلس في مقهى، وأثار شعوره شخص دانماركي من الرسول فما كان منه إلا أن رفع السكين وقتله، ومن هنا فالهجمة الدانماركية الأخيرة على شخص الرسول والتحرك الذي قام به المسلمون في العالم من مقاطعة وتظاهر كان تحركًا واعيًا في الرد على هذه الإساءة، وأبلغ دليل على أن حب النبي إيمان راسخ في النفوس، ومسألة لا يمكن المفاصلة فيها.

الجهل بالإسلام السبب

* وكيف يمكن للمسلم في أوروبا أن ينصر النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يكون خارجًا عن الدولة؟

- تعيش الدول الأوروبية حياة مادية خالصة، ومن ثَم فنصرة النبي هناك تكون من خلال تطبيق سنته تطبيقًا عمليًّا، فإذا أعطى المسلم موعدًا فلا يخلفه، كما عليه أن يحرص على الحق، ويوضح الإسلام للغربيين، وأبسط الأمور لتحقيق ذلك هو نشر التعاون بين المسلمين المهاجرين والمجتمعات الأوروبية من خلال أخلاق الإسلام في التعامل. ولا بد أن يكون هناك وعي وقناعة تامة عند التحدث مع الآخرين عن الإسلام؛ لأن الجهل بالإسلام هو أساس الهجوم والاستهانة به وبمقدساته.

وأريد أن أقول إن غضبة المسلمين لنصرة النبي أوقفت أمورًا أخرى كانت ستحدث؛ لأن الفاعل وجد المسلمين رغم ضعفهم تجمعوا لنصرة نبيهم؛ ولذلك أرى أن ما حدث من إساءة للرسول، وغضبتنا لذلك هي منحة من الله علينا، حيث حركت مشاعر المسلمين، ودفعتهم للعمل وبذل الجهد لإظهار محاسن الإسلام وتصحيح الصورة المغلوطة عنه في ذهن الغرب.

ويجب ألا يذهب المسلمون إلى التشاؤم عندما تحل عليهم النكبات، فرد الفعل على الرسوم المسيئة موقف إيجابي، وإذا كنا نريد استثماره فعلينا التعريف بالإسلام، وتعميق مفاهيمه في حياتنا، والتمسك بتعاليمه، وهذا ما يزيد من إيمانيات المسلمين، وييسر لهم سبل ممارسة الدين بالغرب.


صحفي مصري؛ يمكنكم التواصل معه، أو مراسلتنا بآرائكم وخواطركم الإيمانية؛ عبر بريد الصفحة: tazkia@iolteam.com

 

«

ابحث

بحث متقدم