|
| الوعي والانتقاء ضروريان لمواجهة الفضائيات |
يتابع البعض الفضائيات من خلال الضغط على زر "الريموت كنترول"، فيلاحق المواد الإعلامية المتنوعة بضغطة زر، ولا يبالي بأن هذا التعاطي يحتاج إلى قائمة من القواعد والأخلاقيات.
فهناك زر داخلي يمكن أن نطلق عليه "الأخلاق كنترول" يجب أن نفعله عند متابعة التليفزيون، لأن التعرض للإعلام يحتاج إلى انتقائية، ولا يمكن أن يستسلم المسلم للشاشة؛ ويصير متلقيا سلبيا، مُعَرَّضًا لكافة التأثيرات السلبية التي تبثها الشاشة.
فيحمل التلفاز منافع إيجابية للمسلم عليه أن ينتفع بها، وفي نفس الوقت يبث سموما مميتة، يجب أن يحصن الإنسان نفسه منها، ويختار فقط ما يصلح ويفيد، ويتجنب ما يتعارض مع قيمه وأخلاقه ودينه.
سياسة نشر الوعي
تتعامل الدكتورة إنجي -أستاذة علم النبات بجامعة طنطا- مع أبنائها من منطلق الحلال والحرام، فتبين لهم الخطأ من الصواب، ثم تتركهم يختارون ما يشاهدونه بعد الدراية والمعرفة، فهي ترى أن الفضائيات ليست شرا كلها.
وترى إنجي أن غلق التليفزيون وحرمان الأبناء من متابعته "عنف" غير مبرر من الآباء، وطريقة غير تربوية، قد تجعل الأبناء يلجئون إلى أساليب ملتوية لفعل ما يريدون من وراء الأهل.
ويحرص محمد حسين – عامل/ الكويت- أن يكون قدوة لأبنائه، يرشدهم للصواب، ويبين لهم مضار العمل الحرام، وعواقبه في الدنيا والآخرة. لكنه لم يكتف بغرس تلك القيم، بل امتدت حمايته "الفكرية" إلى تشفير قناتين، يرى أنهما تقدمان مواد تخالف الدين والتقاليد الأخلاقية.
وتصف أسماء عبد المنعم – طالبة/ مصر- التليفزيون بأنه جهاز "مخرب"، وترى أن تأثيره السلبي على أخلاق وسلوكيات إخوتها وخاصة الصغار منهم.
أما أم عدنان -ربة منزل/ الأردن- فبادرتنا بالدعاء قالت: ربنا ينجي شباب المسلمين من المخربين، الذين يبثون المواد الإعلامية الجنسية المثيرة على قنواتنا.. وتابعت حديثها بتأثر شديد؛ قالت: تذكرت تلك اللحظة التي عرفت فيها أن ابنها يمارس العادة السرية بكثافة، وقد اتهمت التليفزيون بأنه السبب لما يعرضه من مثيرات للشهوة.
ولأنه يعيش في المملكة العربية السعودية؛ بعيداً عن وطنه الأم السودان، يعد نائل موسى مشاهدة الفضائيات الشيء الذي يصله بوطنه ويواسيه في الغربة.. لكنه يحرص على متابعة البرامج المفيدة وفي مقدمتها البرامج السياسية في القنوات الفضائية، كالجزيرة والعربية غيرها، كما يشاهد بعض البرامج الترفيهية التي تقدم فنًّا هادفًا غير معتمد على الإثارة والعري الجسدي.
ويقول موسى: المرأة -في نظري- هي أمي، وأختي وزوجتي، وابنتي، وما يحدث بهذه القنوات من عرض المرأة على أنها سلعة أو أداة للإعلان والترويج هو إسفاف وتدنٍ ثقافي وفكري، وحط من قيمة المرأة ومكانتها التي أعلاها الله عز وجل.
الممنوع مرغوب
|
|
مطلوب إحياء الرقابة الذاتية لدى الأبناء
|
وبالرغم من عدم الرضا بين الشباب لما هو معروض على الفضائيات؛ فإنهم يقبلون على مشاهدتها بكثافة؛ وهذا ما يتضح من نتائج بحث أجراه د. حسن علي بكلية الآداب جامعة المنيا تحت عنوان "استخدامات الشباب الجامعي للقنوات الغنائية".
وقد تبين أن 100% من الشباب الذين شملتهم العينة يشاهدون نانسي عجرم وإليسا وبقية مطربات الفيديو كليب؛ رغم عدم اقتناعهم بمشاهدتهم لهن، وهناك 40% من الشباب يشاهدون الأغاني رغما عن أسرهم.
وأرجع الدكتور سمير عبد الفتاح - أستاذ علم النفس بجامعة المنيا، عميد المعهد العالي للخدمة الاجتماعية ببنها، بعض الأمراض النفسية التي يعانيها شباب هذا الجيل إلى المواد الإعلامية التي تتناقض مع عاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية.
ومن هذه الأمراض: القلق، والاكتئاب، والاضطرابات النفسية، والخوف، والتوجس من كل ما هو جديد، كما أن مشاهدة بعض المواد الجنسية التي تعرضها الفضائيات قد يؤثر على التكوين البيولوجي للإنسان، فيضعفه جنسيًّا، بسبب الممارسات السلبية الناتجة عن هذه المشاهدات.
ويشير الدكتور سيد شحاتة -أستاذ علم الاجتماع بجامعة الإسكندرية، إلى خطورة تأثر الشباب بالنماذج المعروضة في الفضائيات واندفاعهم في التقليد الأعمى؛ دون تدبر أو تفكير، وبغض النظر عما إذا كان هذا المعروض يتوافق مع ديننا الإسلامي الحنيف وقيمنا الأخلاقية أم لا؟
المشكلة الحقيقية التي أوضحها د. شحاتة أن هناك حالة من عدم الرضا تتكون داخل الشباب تجاه الجنس الآخر؛ لأنهم يرون نماذج نسائية -مثل نانسي عجرم، وهيفاء وهبي،...- لا يتمكنون من الارتباط بمثيلاتهن في الشكل، فيشعرون بحالة من السخط وعدم الرضا عن زوجاتهم، مما يزيد من الخلافات الزوجية، فتتقوض الأسرة وتزداد حالات الطلاق.
ويقدم "شحاتة" بعض الإرشادات التي قد تعين الآباء على تنمية الرقابة الذاتية لدى الأبناء في متابعة الفضائيات، وتكسبهم القدرة على الانتقاء السليم، مثل:
- وجود مساحة من التفاهم بين الآباء والأبناء؛ لأننا الآن لا نستطيع منع الأبناء من مشاهدة الفضائيات، فإذا منعناهم في البيت سيشاهدونها لدى أصدقائهم أو في النوادي والمقاهي وغيرها من الأماكن الكثيرة التي يتجمع فيها الشباب.
- ضرورة التنشئة الدينية السليمة للأطفال، بحيث يتعرفون على الحلال والحرام، فنحيي بداخلهم الرقابة الذاتية، والتي هي خير ضمان للفرد.
- مشاركة الآباء للأبناء في مشاهدة هذه القنوات؛ ليقوموا بدور الموجه والمصحح لما يعرض من مفاهيم مغلوطة أو سلوكيات مرفوضة، وليتربى الأبناء على كيفية اختيار وانتقاء المواد الصالحة للمشاهدة، وهم بمفردهم دون رقابة من الآخرين.
ضوابط شرعية
ولا يمكن أن ننكر أن المقومات الاجتماعية ليست وحدها الحافز والمؤثر على الشباب في اختيار المواد الإعلامية التي يتابعونا في الفضائيات.
فيقول الدكتور عبد الحكم الصعيدي - الأستاذ بجامعة الأزهر: "يجد الشباب والكبار في هذه الفضائيات لونًا من ألوان التسلية التي يمتد تأثيرها سلبًا على الفرد ذاته، حينما تتكرر مشاهدته للمناظر الخليعة والمثيرة.
ويوجهنا الدكتور الصعيدي إلى بعض الأمور التي تساعد على ترشيد مشاهدة الفضائيات؛ مثل:
- انتقاء القنوات الجادة التي تقدم المواد المفيدة سواء كانت دينية أو ثقافية.
- الامتناع التام عن مشاهدة القنوات التي تقدم المواد الإباحية، وغض البصر تماما عن هذه المواد، امتثالا لقوله تعالى: {"قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ..، وقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ...}.
- الحفاظ على الوقت، الذي هو رأس مال المسلم، وصدق من قال "الوقت هو الحياة"، فمشاهدة التليفزيون يجب أن تكون بقدر، وبهدف، فلا يضيع المسلم وقته الذي هو عمره، أمام هذا الجهاز بلا هدف ولا طائل.
انفتاح.. ولكن!
|
|
الدكتور أحمد العسال
|
وقبل النهاية يرصد الدكتور أحمد العسال - مستشار الجامعة الإسلامية العالمية في باكستان بعض الإيجابيات من متابعة الفضائيات؛ وفي مقدمتها الانفتاح على العالم، والتعرف على أحوال المسلمين وبخاصة الأقليات المسلمة التي تعيش خارج ديار المسلمين، والتفاعل مع القضايا المهمة التي تكون القنوات الفضائية نافذتنا الأساسية للتعرف عليها.
ويستدرك العسال: ".. ولكن الشيطان يحاول أن يوقع الإنسان في الهلاك، ويقلب الإيجابيات إلى سلبيات، فبدلا من أن ينتفع الشباب بميزة الفضائيات في عصر السماوات المفتوحة التي جعلت العالم كله يبدو كأنه قرية واحدة صغيرة، نجده -للأسف الشديد- يندفع إلى المعاصي دفعا، وينشغل بتوافه الأمور وسفاسفها!
فلابد أن نعي أن الإعلام الغربي يقود مجتمعاتنا إلى استباحة ما حرمه الله، كما يقود الحضارة الإنسانية كلها إلى غياهب الظلمات، ولنكن صرحاء مع أنفسنا؛ فلا يمكن أن يكون الإنسان محايدا تجاه المشاهد الساخنة التي يشاهدها في بعض الفضائيات.
ويقول العسال: "معلوم أن الإيمان يزيد وينقص عند الإنسان، وأن الشيطان يقتنص هذه الفرصة وهذا التقلب للدخول إلى قلب وعقل الإنسان، الذي هو مفطور أصلاً على حب الشهوة، قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ......} (آل عمران: 14)، وإن كان المسلم مأموراً بالسيطرة عليها وترشيدها وصرفها في الحلال".
ويختتم الدكتور العسال قائلا: "يجب أن نعيد النظر في علاقتنا بالمعاصي والمحرمات حتى ولو كانت صغيرة؛ فالذنب الصغير يقودنا إلى الكبير، وكما قيل (لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار)، ومن فضل الله علينا أن ديننا هو دين الفطرة، والإيمان موجود في القلب، وعلى الإنسان أن يغذي قلبه بذكر الله، والابتعاد عن قرناء السوء، ومقدمات الذنوب".
صحفية مصرية، يمكنكم التواصل معها، أو مراسلتنا بآرائكم وخواطركم الإيمانية، عبر بريد الصفحة: tazkia@iolteam.com
كاتبة متعاونة مع نطاق التزكية؛ يمكنكم التواصل معها، أو مراسلتها بآرائكم وخواطركم الإيمانية عبر بريد الصفحة: tazkia@iolteam.com.
|