|
| فريد زكريا |
من أبرز التحديات التي تواجهها الإدارة الأمريكية الحالية هي منع إيران من امتلاك القدرات النووية التي تؤهلها للحصول على السلاح النووي. ولا شك أن الأمريكيين على اختلاف توجهاتهم يتفقون على هذا الهدف، لكن ثمة اختلاف حول أنجع السبل لمواجهة إيران في الوقت الراهن، بين من يرون استمرار الضغوط الغربية، وصولا إلى تكثيف سياسة العزلة والحصار لتنضم إليها أطراف دولية فاعلة، وبين من يرون مواجهة النظام الإيراني الحالي من داخله؛ لأنه من وجهة نظرهم يحمل عوامل سقوطه، وبين من يرى ردع إيران نوويا حتى وإن كان الخيار العسكري هو الملجأ الأخير.
وفي هذا السياق نظمت دورية "ناشيونال إنتريست" الأمريكية حلقة نقاشية للبحث حول أنسب السبل لمواجهة إيران والحيلولة دون تملكها التكنولوجيا النووية، ضمت أربعة من النخب الفكرية والأكاديمية بعدد من مراكز الأبحاث الأمريكية.
وفيما يلي موجز لهذه الحلقة النقاشية:
فريد زكريا رئيس تحرير صحيفة "نيوزويك إنترناشيونال"، أستاذ العلاقات الدولية والفلسفة السياسية بجامعات هارفارد وكولومبيا ويال.
تتطلب مسألة صياغة استجابة فاعلة للتحدي النووي الإيراني من جانب صانعي السياسة بالغرب الإجابة على ثلاثة تساؤلات ترتبط ببعضها:
أولاً: هل الهدف من البرنامج النووي الإيراني تحقيق الهيمنة الإقليمية بمنطقة الخليج ومختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط؟.
ثانيا: هل إمكانية حدوث هذه النتيجة تمثل سببا كافيا لتحرك الولايات المتحدة وتوجيهها ضربة عسكرية لإيران إذا ما لزم الأمر؟.
ثالثا: هل ينبغي أن يصبح من المبادئ العامة لسياستنا الخارجية أن جميع الدول المعادية لمصالحنا ينبغي تحييدها باستخدام القوة العسكرية؟.
وفي ضوء هذه التساؤلات، ينبغي أن تتسم السياسة الأمريكية بقدر أكبر من المهارة والقدرة على العمل على مسارين في الوقت ذاته، بدلا من تحديد بدائل، تأخذ بمبدأ (إما هذا أو ذاك) فليس هناك ما يمنع ضرورة انتقاد إيران لاستمرارها في جهود حيازة القدرة على إنتاج الأسلحة النووية، لكن مع التمسك في الوقت ذاته بإمكانية عودة إيران إلى المسار الصحيح كعضو كامل في المجتمع الدولي، وواقعيا فإنه يمكن إجراء المفاوضات مع إيران، بينما يجري فرض عقوبات بسبب تصرفات طائشة ماضية وجارية.
كليف كوبتشان مدير مجموعة دراسات أوروآسيا بالولايات المتحدة
لنبدأ بوضع تعريف لما يعنيه وجود "إيران نووية"، ذلك يعني أن طهران ستصبح في وضع تتميز فيه بإتقان جميع التقنيات المرتبطة بالمجال النووي، وستكون قد قامت بالفعل بتركيب ما يتراوح بين 1500 إلى 3000 جهاز طرد مركزي عامل تحت الأرض بمنشأة "ناتانز" لتخصيب اليورانيوم، ما يمنحها القدرة على إنتاج قنبلة نووية خلال عام واحد.
ومن الواضح أن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي، والرئيس أحمدي نجاد، والغالبية العظمى من الصفوة الإيرانية عاقدين العزم على الحصول على القدرة النووية. وبرغم الانتكاسة التي مُني بها نجاد، أبرز مؤيدي إتباع سياسة نووية قوية، في أثناء انتخابات المجالس البلدية في 15 ديسمبر عام 2006 التي لم يحصل أنصاره خلالها على ما يزيد على 25% من المقاعد بأي مدينة كبرى، لا تتوافر أي مؤشرات توحي بوجود انقسام كبير في طبقة الصفوة الإيرانية حول فحوى السياسة النووية.
ويتمثل التحدي الرئيسي للولايات المتحدة في كيفية منع طهران من الحصول على الأسلحة النووية، أو إذا كان ذلك من المستحيل، كيف يمكن التعامل مع إيران نووية؟.
من غير المحتمل أن تفلح أي من الأمم المتحدة أو المحادثات المباشرة في منع طهران من المضي قدما نحو المسار النووي. يذكر أن قرار مجلس الأمن رقم 1737 الذي تم تمريره في 23 ديسمبر 2006، فرض عقوبات خفيفة على طهران من المحتمل ألا تخلف تأثيرا كبيرا، ومن المحتمل أن يصدر قرار آخر، إلا أن المعارضة الروسية والصينية لفرض عقوبات صارمة ضد طهران تعني أن التحركات داخل الأمم المتحدة ستواجه في النهاية طريقا مسدودا.
وبرغم ضرورة دخول واشنطن في محادثات مع طهران، فإن الحقيقة تبقى أن الجانبين يفصل بينهما صدع كبير تفاقم جراء إعلان الرئيس "بوش" في 10 يناير 2007 بأن بلاده ستعمل بجد على إعاقة النشاطات الإيرانية داخل العراق، كما أن واشنطن تصر على التجميد طويل الأمد لأنشطة التخصيب وترغب في الاحتفاظ بحق اعتراض قوي (فيتو) على استئناف طهران لهذه الأنشطة.
أما إيران، ففي أفضل الأحوال ستوافق على وقف أنشطتها النووية الفنية لعدة شهور وسترغب في عقد منتدى كبير لا تهيمن عليه الولايات المتحدة للبت فيما إذا كانت قد استعادت ثقة المجتمع الدولي.
من ناحية أخرى، ستعمد واشنطن إلى فرض عزلة اقتصادية على إيران. وبالفعل، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية قرارا بحظر التعامل مع مصرفين إيرانيين تزعم تورطهما في أنشطة غير قانونية، سعيا لمنعهما من الحصول على دولارات ومن ثم منها من المشاركة في التعاملات الدولارية، ما سيؤثر بالسلب على مصالح المجموعات المرتبطة بهما. وتحث واشنطن المصارف الأجنبية على الاحتذاء حذوها، ومن المحتمل أن تحظر التعامل مع المزيد من المصارف الإيرانية. كما تعمد واشنطن إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية على الحكومات والمصارف والشركات الأجنبية بهدف تقييد أنشطتها التجارية مع إيران.
وقد أحرزت واشنطن بعض النجاح في هذا الصدد، واستهدفت بصورة خاصة القطاع النفطي الإيراني الذي يشكل 80% من عوائد الصادرات، وتمكنت من تقليص أنشطة الشركات الأجنبية النفطية داخل إيران واستعداد جهات الإقراض الأجنبية لتمويل مشروعات جديدة.
وفي سعيها لتوسيع نطاق هذه الجهود، من المحتمل أن تحاول الولايات المتحدة تشكيل ائتلافات دولية من الأطراف الراغبة مع مجموعة الدول السبع العظمى والاتحاد الأوروبي والدول الخليجية الحليفة من أجل فرض عقوبات ضد طهران، لكن من غير المحتمل أن تثمر هذه الجهود تحولا جوهريا في الوضع الراهن، ذلك أنه مع أهمية العقوبات والضغوط الأمريكية، فإنها تبقى محدودة، حيث بإمكان طهران الاتجار من خلال عملات ومصارف وشركات نفطية أخرى تنتمي لدول لا تدعم واشنطن.
وواقعيا، من المحتمل أن تعارض الكثير من الدول فرض عقوبات صارمة ضد إيران، على رأسها روسيا والصين اللتين ترتبطان مع إيران بمصالح اقتصادية قوية، إلى جانب العديد من أعضاء حركة عدم الانحياز التي تدعم الموقف الإيراني، بل وبعض الدول الكبرى بالاتحاد الأوروبي، مثل ألمانيا التي تتمسك ببعض التحفظات على فرض عقوبات ضد إيران خارج نطاق الأمم المتحدة.
ومن الخيارات الأخرى القائمة تهديد طهران عسكريا، يذكر أنه سوف تصل مجموعة حاملات قتالية ثانية للمنطقة في فبراير الجاري 2007، وسوف يجري نشر صواريخ باتريوت بالدول الإقليمية الحليفة، وتعمل واشنطن على إعاقة الأنشطة الإيرانية داخل العراق، بيد أن هذه المبادرة تنطوي على قدر من المخاطر، حيث قد تسفر عن اندلاع أعمال قتال بين الجانبين الإيراني والأمريكي داخل العراق، أو تأجيج حرب وكالة محتملة بين إيران والسعودية من خلال طائفتي الشيعة والسنة، علاوة على إمكانية أن تسفر المبادرة عن تعزيز وضع العناصر المتشددة الإيرانية بالداخل.
وبناء على ذلك، من المحتمل أن ينتهي الحال بالولايات المتحدة في مواجهة إيران لتصبح أمام خيار مزدوج: ما بين ردع إيران "نوويا" واتخاذ عمل عسكري.
جويل روزنتال مدير مجلس كارنيجي لأخلاقيات العلاقات الدولية
التساؤل الذي يفرض نفسه الآن: هل السبيل الأمثل للتعامل مع إيران ترك النظام يمضي قدما حتى نهايته؟.
من المعروف أن انتخابات المجالس البلدية الإيرانية في ديسمبر 2006 شهدت كسب الإصلاحيين تأييدا كبيرا، الأمر الذي نجم عنه تفاقم الصدع العميق داخل المشهد السياسي الإيراني، وتنامي احتمالات تحرك "خامنئي" ومعاونيه (بما في ذلك الرئيس السابق رافسنجاني) نحو فرض المزيد من القيود على قدرة الرئيس "نجاد" على العمل بحرية.
وبصورة عامة، لا تعد إيران من الدول الطامحة للتحول إلى قوة عظمى، ذلك أنها تعاني من نقاط ضعف سياسية واقتصادية، فعلى الصعيد السياسي، ما يزال الموقف المتأزم مع واشنطن حول العراق والقضية النووية، ومع إسرائيل بسبب الدعم الإيراني لحزب الله في أثناء حربه مع إسرائيل صيف 2006، يخلق مشكلات لطهران على الساحة الدولية. وعلى الصعيد الاقتصادي، تنشأ المشكلات عن ارتفاع معدلات البطالة وتردد المستثمرين الأجانب حيال المشاركة في إيران بسبب حالة انعدام الاستقرار الإقليمي. علاوة على ذلك، تخلق أسعار النفط المرتفعة مشكلات هائلة للقطاع غير النفطي. وعند الاسترشاد بالأحداث التاريخية الماضية، من المتوقع أن تدخل طهران مرحلة انحدار اقتصادي خلال عامين أو ثلاثة... إذن لماذا لا نعمد إلى استغلال عامل الوقت حتى نضع النظام الإيراني في مواجهة الضغوط الشعبية التي ستحل المشكلة دونما الحاجة لشن حرب؟.
جيديون روز مدير تحرير دورية "فورين أفيرز"
يحمل السعي الإيراني للحصول على القدرة على إنتاج الأسلحة النووية في طياته مشكلات بالغة، فإذا نجحت إيران في مساعيها، ستهدد بذلك مصالح واشنطن وحلفاءها وتؤدي إلى اندلاع سباق تسلح وأزمة انعدام استقرار بالشرق الأوسط، وإلحاق المزيد من الضعف بنظام حظر الانتشار النووي العالمي.
ويتعين على جميع الدول المهتمة بمحاربة الإرهاب أو حظر انتشار الأسلحة النووية أو أمن الشرق الأوسط، البحث عن سبل لتجنب وقوع هذا الخطر.
بيد أنه من غير الواضح الإجابة عن التساؤل القائل: متى سيصل البرنامج النووي الإيراني إلى أهدافه، وقد تستجد الكثير من الأحداث خلال هذه الفترة. وتبدو الدوافع الإيرانية على هذا الصعيد دفاعية بقدر ما هي هجومية، لذا فإنه حتى حال إنتاج طهران للقنبلة النووية، فإنه من غير المحتمل بدرجة كبيرة أن تقدم على شن هجوم نووي دون تعرضها لاستفزاز.
وليس هناك ما يدعو للاعتقاد بوجود ميول انتحارية لدى القادة الإيرانيين، لذا فإن الترسانات الأمريكية والإسرائيلية قادرة على ردع حال حدوث تبادل لإطلاق الأسلحة النووية، كما أن مخاطر التعرض للانتقام تحد من احتمالات تسليم النظام الإيراني أسلحته النووية إلى الإرهابيين أو العناصر الأخرى غير التابعة لدولة ما.
وبالنظر إلى ما سبق، أعتقد أن أقل التوجهات حيال الوضع الراهن تتمثل في سياسة الاحتواء التي تقوم على بذل جهود متناغمة للضغط على إيران وتوضيح أن مضيها قدما في طريقها الحالي سيكبدها ثمنا فادحا وقد يجعل منها دولة منبوذة على الصعيد الدولي.
ربما يرى البعض أن هذه السياسة تنطوي على قدر كبير من المخاطر وأن السبيل الأمثل هو توجيه ضربة عسكرية قبل تحقق الخطر، لكن سياسة الاحتواء تستحق قدرا أكبر من التقدير لما يحمله سجلها من نجاحات على امتداد سنوات عدة في التعامل مع المخاطر بتكاليف مقبولة.
وبرغم خطورة التهديد الناشئ عن إيران، إلا أنه أقل وطأة من ذلك الذي ارتبط بالاتحاد السوفيتي أو الصين الماوية فيما مضى. وفي كلا الحالتين، تمكنت واشنطن من التغلب على غريمها دون استخدام القوة العسكرية.
*موجز نشره موقع يوم 5 فبراير 2007 لحلقة نقاشية تحت عنوان: "ماذا يجب أن نفعل حيال إيران؟"، ستصدر كاملة بدورية، عدد مارس/أبريل 2007.
|