|
| اقتصاد العالم يحترق بنار الاحتباس الحراري |
شهدت العقود الثلاثة الأخيرة خسائر اقتصادية فادحة نسبت للتغيرات المناخية الناتجة عن ظاهرة الاحتباس الحراري، والتي عمت نتائجها لتصيب كل شبر على سطح كرتنا الأرضية، وبعيدا عن الأخذ والرد بين علماء البيئة والأرصاد عن مدى انخراط البشر في التسبب في هذه الظاهرة، فإن الأرقام تؤكد أن لتلك التغيرات آثارًا جمة.
ففي عام 2003 عمت أوروبا موجة حر شديدة لم تشهدها منذ 500 عام، ألحقت خسائر وصل حجمها إلى 17 مليار يورو، أما عام 2004 فقدرت الخسائر بـ35 مليار دولار أمريكي تحملت الولايات المتحدة وحدها 26 مليار منها، إلى جانب خسائر شركات التأمين والتي قدرت بـ 115 مليار دولار، منها 65 مليار حصة أمريكا، و35 مليار لأوروبا وحوالي 15 مليار دولار لليابان، ويتوقع أن تصل الخسائر الاقتصادية لبليون يورو إذا ارتفعت درجة حرارة الكرة الأرضية درجة مئوية واحدة فقط، وذلك حسب تصريحات معهد الاقتصاد الألماني في برلين.
ولذلك تصر دول الاتحاد الأوروبي على التزام كافة الدول باتفاقية كيوتو ولا سيما الدول الصناعية مثل أمريكا والصين والهند، حيث تستهلك أكثر من 30% من الطاقة العالمية.
العالم يغرق
ويمثل ارتفاع منسوب مياه البحار من 1- 5 أمتار فوق مستويات 1990 صورة أخرى من الصور السلبية التي ستؤدي إليها التغيرات المناخية،حيث أشار التقرير الصادر عن البنك الدولي في 7 فبراير 2007 إلى أن كل ارتفاع إضافي لمنسوب مياه البحر قدره 39 بوصة سيؤدي إلى الكثير من الأضرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلا أن الضرر الأعظم سيكون من نصيب بعض الدول مثل مصر، حيث من المتوقع غرق ربع دلتا النيل كثيفة السكان، و35% من المناطق الحضرية في فيتنام،بالإضافة إلى المناطق الساحلية في تونس والإمارات العربية المتحدة وجزر الباهاما.
ويؤكد التقرير ذاته أن ذلك سيؤدي إلى تحويل 56 مليون شخص على الأقل في 84 دولة نامية إلى لاجئين، بجانب تضرر نحو 30% من البنية الساحلية في إفريقيا؛ وهو ما سيؤثر مباشرة على صناعة السياحة، بالإضافة إلى تأثر الناتج المحلي الإجمالي للقارة الإفريقية بنسبة 2.38%، وسيرتفع عدد الأشخاص الذين يعانون من نقص مياه الشرب من 5 مليارات إلى 8 مليارات شخص.
وأضاف التقرير أن معرفة أي الدول التي ستكون أكثر تأثرا سيسمح باستهداف أفضل للموارد المتاحة وسيحث الدول المعرضة لتلك الآثار على تطوير خطط للتكيف مع البيئة وتجنب الخسائر، بحيث تتضمن تلك الخطط الاتجاه إلى أراض أكثر ارتفاعا وبناء سدود للحماية من الفيضانات؛ وهو ما يترتب عليه حماية الدول النامية من أعباء اقتصادية إضافية لن تستطيع الكثير منها تحملها.
المجاعات قادمة
ولا تتوقف خطورة التغيرات المناخية عند هذا الحد، بل إن خطر حدوث المجاعات يعتبر من أهم أخطارها وأكثرها فتكا بالبشرية، وقد أكد على ذلك المؤتمر الدولي الثاني عشر للتغيرات المناخية الذي عقد في العاصمة الكينية نيروبي في الثاني من فبراير 2007 لمناقشة أسباب ارتفاع حرارة الأرض، حيث حذر من أن وصول درجة الحرارة إلى 3-4 فهرنهايت، يعني أن إنتاجية الأرض الزراعية من الحبوب -خاصة من الأرز والذرة- ستنخفض بشدة بنسبة تتراوح ما بين 25%-35%، بما يجعل مئات الملايين غير قادرين على إنتاج أو شراء الحد الأدنى من احتياجاتهم الغذائية، ليزيد عدد المعرضين للمجاعات والذي وصل عددهم إلى حوالي 800 مليون شخص على مستوى العالم.
وأشار المؤتمر إلى أنه بحلول عام 2080 قد تتراجع كمية المحاصيل المنتجة عالميا بنسبة 5% بما يعرض حوالي 70% من سكان إفريقيا للمجاعة.
وأضاف أن التلوث البيئي الناتج عن التغيرات المناخية سيؤدي إلى نقص عمليات النمو والتكاثر بالنسبة للأحياء المائية في العالم بنسبة لا تقل عن 18% وترتفع هذه النسبة إلى حوالي 25% في المناطق التي تتعرض لتلوث أشد، مشيرا إلى تقلص الأنواع التي تعيش في البر والبحر بنسبة 30% مقارنة بما كان عليه الحال قبل 30 عاما.
وطالب المؤتمر في النهاية بضرورة استنباط أساليب تنموية تقاوم تغيرات المناخ وتحد من انبعاث الغاز بشكل كبير.
العلاقات الدولية في خطر
ويذهب خبراء البيئة والمناخ في رصدهم للآثار المتوقعة للتغيرات المناخية لأبعد من ذلك، مؤكدين أنها تفرض أوضاعا خطيرة على الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، نتيجة لوقوع أكثر من 400 مليون نسمة تحت ظروف معيشية متدهورة بسبب الجفاف، وارتفاع درجات الحرارة، وزيادة عدد السكان، وتردي النشاط الاقتصادي؛ وهو ما سيظهر معه مشاكل متعددة في أغلب قارات العالم خلال الفترة ما بين 2010 -2030.
حيث يتوقعون تعرض أوروبا إلى جفاف سينعكس على شكل صراعات مسلحة بين دول الاتحاد الأوربي حول الغذاء وموارد المياه ومشاكل الهجرة؛ وهو ما سيؤدي بدوره إلى فسخ العلاقات الدبلوماسية بينها.
وفي آسيا ستتعمق النزاعات الحدودية بين بعض الدول التي تعاني من مشاكل المياه؛ وهو ما سيؤدي إلى تطوير الإمكانيات العسكرية في بعضها، وتعميق الاتفاقيات حول حماية مصادر الطاقة وامتداداتها مثل النفط والغاز الطبيعي.
وفي قارة أمريكا ستشتعل الصراعات نتيجة لارتفاع أسعار النفط بسبب الوضع السياسي غير المستقر في منطقة الدائرة النفطية ما بين بحر قزوين ومنطقة الخليج، إضافة إلى احتمال تفاقم أزمة النفط إذا ما تصاعدت حدة النزاع بين دول الاتحاد الأوروبي والدول المصدرة للنفط (الأوبك) بسبب إصرار أوروبا على دفع دول منظمة أوبك تعويضات نتيجة الخسائر الناجمة عن احتراق النفط.
أما بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط فنجد أن أغلب الدول تعاني من مشاكل كثيرة والتي ستزيدها سوء التغيرات المناخية مثل الجفاف والتصحر ونضوب مصادر المياه، إضافة إلى التزايد السكاني، وتردي الأوضاع الاقتصادية؛ ولذا يتوقع الخبراء بروز صراعات حول مصادر المياه والطاقة وتفعيل الأزمات الحدودية بين الكثير من دول منطقة الشرق الأوسط.
الفقراء الأكثر معاناة
وعن أكثر الدول تأثرا بالتغيرات المناخية أشار تقرير صادر عن البنك الدولي في يناير 2006 إلى أن جميع الدول ستتأثر دون استثناء، إلا أن الشعوب الأكثر فقرا ستكون أكثر من يعاني رغم أنهم قد يكونون أقل من ساهموا في تغير المناخ، وبالتالي يجب على الدول الغنية أن تتحمل تكاليف تخفيض انبعاث الغازات بنسبة 60% الى80%، غير أن هدا لا يمنع أن البلدان النامية يجب أن تتخذ إجراءات ملموسة دون أن تكون مطالبة بتحمل التكلفة.
وبيّن التقرير أن التكلفة الإجمالية لتغير المناخ قد تصل إلى 3.68 تريليوناتجنيه إسترليني إذا لم يتم اتخاذ إجراء الآن لمواجهة التغيرات المناخية، وأن تكاليف تحمل المخاطر الناتجة عن تلك التغيرات ستكون معادلة لفقدان ما لا يقل عن 5% من إجمالي الناتج العالمي كل عام، أما إذا تمت المبالغة في حساب المخاطر وآثارها فإن التكاليف قد ترتفع لتصل إلى نسبة 20% من إجمالي الناتج العالمي كل عام أو تزيد، بينما يمكن أن تؤدي معالجة هذه الظاهرة في الوقت الحاضر إلى تحجيم التراجع في إجمالي الناتج العالمي إلى نسبة 1% فقط.
وأضاف التقرير أن الإجراءات المتخذة لمواجهة التغيرات المناخية ستولد فرص عمل هائلة مع ظهور أسواق جديدة في تقنيات الطاقة منخفضة الكربون والسلع، ويمكن لهذه الأسواق أن تنمو لتحقق مئات البلايين من الدولارات كل عام.
تأمين فقراء إفريقيا
وتطمح الأمم المتحدة في مساعدة شركات التأمين لحماية الفقراء من انعكاسات التغير المناخي كأحد الحلول المؤقتة، وأشارت إلى أن برامج التأمين من شأنها أن توفر الأموال بطريقة أسرع للمتضررين من نتائج التغير المناخي، ويرى توماس لوستر من جمعية ميونيخ التابعة لإحدى أكبر شركات التأمين أن القطاع الخاص بتعاونه مع المؤسسات الدولية يمكن أن يساهم إلى حد بعيد في تحسين الأمور.
وكانت الأمم المتحدة قد بدأت بتجربة برنامج تأميني في إثيوبيا في 2006 وقامت بتأمين 17 ألف وحدة زراعية ضد الجفاف، حيث وافقت شركة التأمين على أن تدفع 7 ملايين دولار في غضون أيام إذا لم تسجل كمية معينة من الأمطار، على أن تكون القيمة القصوى للتعويض 930 مليون دولار؛ فكثير من سكان القارة الإفريقية يتضررون كل سنة بسبب نتائج الأزمات المناخية التي تضرب القارة، وهم لا يملكون أي تأمين على محاصيلهم.
وأوكلت الأمم المتحدة إلى أكثر من 165 مصرفا وشركة تأمين كبرى مهمة تحديد كيفية التعامل مع الخسائر الناتجة عن التغير المناخي، وتوصلوا إلى أن ثمن الخسائر الناتجة عن التغير المناخي سيزداد بسرعة خلال الأعوام المقبلة.
وتشير الأمم المتحدة إلى أنه بعد حوالي 30 عاما ستصل قيمة الخسائر الناتجة عن العوامل المناخية إلى ألف مليار دولار؛ وهو ما سيؤثر سلبا على كل القطاعات الاقتصادية في كل دول العالم.
هوامش ومصادر:
كاتبة مهتمة بالشأن الاقتصادي، ويمكنك التواصل معها عبر البريد الإلكتروني للنطاق namaa@iolteam.com.
|