|
| الحجاج أثناء أداء رمي الجمرات |
هي مدرسة فقهية ترتدي ثوب التشدد، يصفها البعض بالسلفية، والبعض الآخر يقول: "إنهم وهابيون.."، ومع مدارس فقهية متعددة -تستمد كلها من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم- تحدث بعض الاختلافات الفقهية.
ومع اتفاقنا على أن التيسير سمة من سمات الشريعة الإسلامية الغراء فإننا نرفض المغالاة التي لا تستند إلى قواعد فقهية أو مقاصد شرعية، ونقر بأن هذا التيسير يعتمد على أسس كثيرة إن انعدمت فاتباع السنة أولى..
وهذه هي الرؤية التي يحاول هذا المقال تأصيلها، ويظهر مواضع كثيرة عدلت فيها هذه المدرسة عن تشددها لآراء أيسر وأسهل في ظل قواعد التيسير المعروفة، مما يحدث نوعًا من التقارب بين هذه المدرسة والمدارس الفقهية الأخرى، خاصة في فتاوى الحج التي يمكن أن تكون بداية لحراك في منهج تلك المدرسة، وإلى نص المقال..
يقتضي المنهج العلمي أن تُبنى الفتوى في الحج -كما في غيرها من المسائل- على مقدمتين: مقدمة نقلية (النصوص من كتاب وسنة)، ومقدمة عقلية (تتعلق بمعرفة الواقع)، أو كما قال ابن القيم باختصار: معرفة الواقع ومعرفة الواجب فيه.
ويُضاف مقدمة أخرى مهمة وهي: (فقه المقاصد الشرعية التي يقصدُ الشارع تحقيقها من خلال أحكامه)؛ ففي العناية بهذه المقاصد حفظ لمقصود الشارع، كما أشار الإمام الغزالي وغيره من الأصوليين، فهذا الثلاثي (النقل والعقل والمقاصد) لا بد من توفره واستحضاره لدى الفقيه قبل وأثناء بحثه عن حكم مسألة ما حتى يكون حكمه أو فتواه مستوفية.
والخلل الذي يحصل في أي من هذه المقدمات المهمة ينتج عنه خلل وقصور في الفتوى؛ من مظاهره: بُعد الفتوى عن النصوص، أو عدم انطباقها على الواقع، أو مخالفتها للمقاصد الشرعية من أي وجه، وأسوأ الفتاوى ما اجتمعت فيها هذه المظاهر كلها!.
ومن درر الإمام الشاطبي قوله في السياق نفسه (المفتي البالغ ذروة الاجتهاد هو الذي يحملُ الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين؛ خرج عن قصد الشارع؛ ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذمومًا عند العلماء الراسخين). الموافقات (5/ 276)
نموذج مثالي
والفتوى في الحج تُعَدّ نموذجًا مثاليًّا لتطبيق هذا الثلاثي، فالحج ورد فيه نصوص كثيرة من كتابٍ وسنة (وأكثره أفعال، وفي دلالة الفعل بحث ونظر عند الأصوليين)، وهو مرتبط بواقع خاص من حيث الزمان والمكان، ومحاطٌ بسياج من المقاصد الكلية المستنبطة من النصوص الشرعية كالتيسير ورفع الحرج... إلخ.
والمفتون وطلبة العلم في هذا كلّه ما بين مــُقلٍ ومكثر! وبقدر ما يكون طالب العلم مؤهلاً ومؤصلاً تأصيلاً علميًّا جيدًا بقدر ما يكون حديثُه وبحثُه وفتواه قريبًا من الحق بإذن الله.
ولأن الحكم على الأشياء فرع عن تصورها؛ فإن الكثير من الكاتبين وبعض الفضلاء من طلبة العلم ينادي بشعارات عامة من قبيل: تيسير الفتوى في الحج والتخفيف على الناس، وقد يصفُ العلماء -وبشكل عام- بالتشدد وعدم تفهم الواقع!.
والسؤال الذي لا بد أن يُسأل لتحرير محل النزاع: ما مفهوم التيسير الذي تريدون؟ وهل ثمة حرج على الناس مردهُ حكمٌ أو فتوى؟ ولا يظهر ذلك إلا من خلال معرفة ما جرى عليه العمل والفتوى في الواقع.
والعالمُ بواقع الحج من حيث مواكبة الفتوى للواقع ومراعاة المقاصد من تيسير ونحوه -إن كان منصفًا متابعًا- يجد وبصورة ظاهرة أن كثيرًا من المسائل التي قد تكون مظنة حرج ومشقة -ومن الممكن من حيث الأدلة الشرعية ومن حيث إعمال القواعد الشرعية اختيار قول فيه تيسير ومراعاة للواقع المُتغيّر- يجدُ أن الفتوى تنسجمُ مع هذه المتغيرات وفق المقدمات الثلاثة المذكورة سابقًا.
ومن هذه المسائل ما يتعلقُ بالسعي، ومنها ما يتعلقُ بالطواف، أو رمي الجمار، وهي المواطن التي قد تكون موضع إشكال أو حرج.
فما يتعلق بالسعي مثلاً: الفتوى الصادرة من هيئة كبار العلماء في توسيع مكان السعي نظرًا للازدحام الشديد؛ ومشروعية السعي من الدور الثاني، وأن حكمه حكم أرض المسعى.
ومما يتعلق برمي الجمار: صدور الفتوى في مشروعية بناء طوابق متعددة للرمي، ورفع الشاخص تسهيلاً على الحجاج، أو كما جاء في القرار (بناءً على قاعدة المشقة تجلب التيسير).
وكذلك: صدور فتوى من هيئة كبار العلماء -ومنذ أكثر من عقد من الزمان- في جواز الرمي ليلاً في أيام الرمي كلها؛ حتى أصبح الرمي يبدأُ من منتصف ليلة النحر وعلى مدار اليوم دون توقف! فأي تيسير أكثر من هذا؟.
ومن ذلك: فتوى اللجنة الدائمة بجواز التوكيل في الرمي لمن كان لا يستطيع بنفسه، أو تلحقه مشقة، أو تلحق غيره (كالمرأة التي معها أطفال، فتوكل زوجها للرمي عنها ولو لم تكن مريضة).
ومن مسائل الطواف: الفتوى بجواز تأخير طواف الإفاضة مع طوافِ الوداعِ بنيةِ الأول -لأنه الركن- ليكونا طوافًا واحدًا.
ومن المسائل الأخرى المتنوعة والتي فيها تيسير ورفع حرج عن الحجاج والمعتمرين (جواز استعمال الصابون المُعطّر للمحرم، وجواز غسل ملابس الإحرام أو تغييرها إذا احتاج لذلك، وجواز خروج من كان معه عائلات ونساء من المزدلفة بعد منتصف الليل، ولو لم يكن من الضّعفة، "من لم يجد مكانًا في المزدلفة، وبات خارجها أو لم يتمكن من دخولها فلا شيء عليه"، وكذلك من اجتهد في التماس مكان بمنى فلم يجد للمبيت فيه فلا حرج عليه (بعد الحرص والاجتهاد)، وغير ذلك الكثير من مظاهر التيسير في الفتوى التي جرى عليها العمل من قديم ولله الحمد. انظر مجموع فتاوى سماحة الشيخ الإمام عبد العزيز بن باز -رحمه الله- ج/17.
فتوى الرمي
ولم يبق مما يُدندن حوله الناس اليوم سوى مسألة الرمي قبل الزوال أو بعده في اليوم الثاني عشر (وهو يوم النفر الأول لمن تعجل)، وتجد من يصف العلماء بالتشدد وعدم مراعاة الواقع ومقاصد الشرع لأنه فقط يفتي في هذه المسألة تحديدًا بما عليه جمهور الفقهاء قديمًا! وينسى أو يغفل عن الفتاوى الأخرى الصادرة في السياق الذي يُنادي به! فأين الإنصاف؟.
مع وجود عدد من علمائنا -قديمًا وحديثًا- يُفتي بجــواز الرمــي قبل الزوال وهو في ذلك له أدلته؛ من حيث أن أدلة الجمهور صحيحة غير صريحة، بل محتملة؛ والخلاف في المسألة معتبر، بل حتى من يُفتي بظاهر النصوص، ويأخذ بقول الجمهور فإنه لا يُعنف ولا يُبطل رمي من أخذ بالقول الآخر مقلدًا لعالم آخر -وذلك فيما أعلم والله أعلم-.
بل إني وقفتُ على بحث لطيف للشيخ الفقيه المُفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي عالم القصيم المتوفَّى سنة 1376هـ في مسألة "الرمي قبل الزوال"، وهو يناقش رسالة الشيخ عبد الله آل محمود المتوفَّى سنة 1417 رحمه الله، والتي قــرّر فيها (جواز الرمي قبل الزوال أيام التشريق كلها). فقد قرّر الشيخ السعدي -رحمه الله- أن الخلاف في المسألة معتبر؛ حيث قال: "الرسالة (يقصد الشيخ آل محمود) واستدلاله لجواز الرمي قبل الزوال وفي الليل فهو بحث علمي، مثله ودونه وأكثر منه يبحث فيه أهلُ العلم، ولا يُعدّ شذوذًا ومنكرًا".
بل ذهب الشيخ إلى أكثر من ذلك، حيث قال: بنظر العالم المدقق المنصف فأنت إذا وازنت بين استدلال صاحب الرسالة واستدلال الجمهور رأيتها متقاربة، إن لم تقل: تكاد أدلته ترجح! انظر كلام الشيخ في كتاب (الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة) ص334.
وفي هذا الموسم المبارك صدر من سماحة المفتي -وفقه الله- ما يرفع الحرج عندما اختار قول من قال بمشروعية الرمي قبل الزوال، وأنه قول معتبر لا حرج على من قلَّده وعمل به.
ضبط التيسير
إلا أن العلماء والمفتين في موسم الحج -وفقهم الله- يحرصون على بيان السنة للحاج، ويدلونه دائمًا على الأكمل والأوفق للنصوص وللهدي النبوي؛ حتى يكمل حجه بإذن الله، أما الفتوى بالرخص ابتداء أو بشكل عام دون النظر لحال السائل ومدى حاجته للترخص فعلاً؛ فهو خلاف المنهج العلمي للفتوى، بل هو خلاف لطبيعة الرخصة ذاتها؛ وقد يكون فيه تفويت مصلحة على السائل من حيث تركه لما هو أولى وأكمل!.
فتوسُّعُ الناس في مخالفة ما دلت عليه النصوص -بحجة التيسير- تحتاج إلى ضبط وتدقيق وفقه؛ فإن التيسير لا يعني أبدًا التفلّت من مقتضيات النصوص وظواهر الأدلة، وليس مخرجًا يخترعُهُ الفقيه! بل هو أصل ثابت قامت عليه الشريعة، فالشريعة كلها بأحكامها وتشريعاتها يسرٌ (والحجُّ منها)، وقد دفعَ اللهُ عنها الحرج "وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ".
فمن فهم الشريعة وفقه أحكامها أيقن أنها يسر كلها، وابتعد عمّا يدخل الحرج على نفسه، ووفّق الله العلماء لبيان الشريعة، وتقبل اللهُ من الحجاج حجّهم ويسّر أمورهم، ووفق طلبة العلم لبيان الحق والدلالة على السنة.
أستاذ أصول الفقه بجامعة الطائف
|