English

 

الأربعاء. فبراير. 21, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » مصر

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

مفكرون مصريون: الشريعة ضمانة للمواطنة

حمدي الحسيني

Image
إحدى المظاهرات المصرية للمطالبة بالإصلاح
انشغلت الأوساط السياسية والدينية والثقافية المصرية مؤخرًا بمناقشة فكرية حول نص المادة الثانية من الدستور التي تنص على "الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"، برغم أن هذه المادة ليست ضمن المواد الـ 34 التي اقترحها الرئيس مبارك للتعديل.

وبالرغم من أن ثمة ما يكفي من النقاش والجدل بشأنه في كافة تعديلات المواد المقترحة، والتي تمس شكل الدولة المصرية مستقبلا، وما قد ينتج عن هذه التعديلات من تضييق على عدد من الحريات التي كفلها الدستور سابقًا، وبحيث لن يفرق ذلك بين مواطن وآخر، فإن البعض يحاول أن يقحم المادة الثانية من الدستور في سجال ربما يكون فرعيًّا، إذا ما قورن بما سترتبه كافة التعديلات الأخرى من تأثير خطير على مستقبل مصر.

وفي مقابل من يرى ضرورة تعديل نص المادة الثانية، بحيث تتضمن ما يسمح بوجود مصادر أخرى للتشريع إلى جوار الشريعة الإسلامية، تحت حجة سد الذرائع أمام سوء التفسير أو أمام أي خلاف حول هذا النص، فإن الرأي الغالب في هذه المسألة يرى ضرورة التمسك بالنص كما هو دون تغيير، حيث لا يتعارض النص بصورته الحالية مع مبدأ المواطنة الذي ينص عليه مقترح تعديل المادة الأولى من الدستور:

أولا: لأن الشريعة الإسلامية تكفل مبدأ العدالة والمساواة.

ثانيًا: إن المساواة مفهوم اجتماعي استقر وتكرس في وجدان المصريين وشكلت فكرة المواطنة ذاتها وعيًا اجتماعيا مصريًّا عبر 14 قرنا.

ثالثًًا: لا أحد أجبر أيا من المسيحيين على أن يتبع شيئًا ما ليس بديانته.

رابعًا: إن لكل مجتمع مرجعيته التاريخية والحضارية التي لا ينسلخ عنها.

خامسًا: إن توافق الجماعة الوطنية المصرية هو أساس توفير الضمانات الكفيلة بتحقيق مبدأ المواطنة والمساواة بين جميع المواطنين.

سادسًا: إن تعديل هذه المادة من عدمه لا يمس بالأساس عملية الإصلاح السياسي وتعزيز الديمقراطية التي يطالب بها كافة المصريين، مسلمين ومسيحيين، والتي يبدو أن النظام من خلال التعديلات المقترحة ينفض يديه منها تمامًا.

وحول قضية العلاقة بين بقاء المادة الثانية دون تعديل وهل تتناقض بشكلها الحالي مع مبدأ المواطنة، استطلعت شبكة "إسلام أون لاين. نت" آراء بعض الخبراء والمفكرين والحقوقيين المصريين، والتي أكدت في مجملها على أنه لا تناقض بين وجود الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع وبين مبدأ المواطنة، وفيما يلي عرض موجز لبعض هذه الآراء.

الشريعة الإسلامية ضمانة للمواطنة

يرى "ضياء رشوان" الخبير في الحركات الإسلامية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، أن المطالبين بتعديل المادة الثانية من الدستور يدفعون بالنقاش العام إلى اتجاهات ليست في صالح جموع المواطنين المصريين، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين، لأنه على مدار أكثر من 37 عاما لم يسجل مسيحي مصري أنه تعرض لضرر بسبب وجود المادة الثانية على وضعها الحالي، بل إن المقصود من الشريعة هو "روحها"، والشريعة وروحها هنا تخدم بشكل أساسي مبدأ المساواة بين جميع المواطنين المصريين.

ويؤكد "رشوان" أنه بدلا من تحمس بعض الأصوات الإسلامية والمسيحية لتعديل المادة الثانية، فإنهما لا بد وأن يناضلا معًا من أجل تعديل مواد الدستور التي ثبت ضررها بالفعل على مدار الممارسة اليومية، والتي أنتجت واقعًا سياسيًّا يقوم على الديكتاتورية والظلم والإقصاء الذي يتعرض له أغلب المصريين، مسيحيين ومسلمين.

ومن بين النصوص التي يجب أن نحتشد جميعًا للكفاح من أجل تعديلها: المادتين 67 و 77، ومن النصوص التي يجب أن نسعى لعدم المساس بها المادة 88، كما لا بد من التصدي لتمرير بعض التعديلات المقترحة، مثل قانون مكافحة الإرهاب الذي سيكون سيفًا مسلطًا على رقاب المعارضين لنظام الحكم بصرف النظر عن ديانتهم، فهو سيكون أداة قمع قوية في يد السلطة تحاصر بها كل من يتبني رأيًا أو موقفًا مغايرًا لموقفها.

أما بالنسبة لمسألة تعارض المادة الثانية مع مبدأ المواطنة والمساواة، فيرى "رشوان" أن هذا مردود عليه بنص المادة 40 من الدستور، فهي مادة الحصانة "المانعة الجامعة" لكافة أشكال التمييز بين المواطنين على أساس العقيدة أو اللون أو الجنس، ويقول رشوان: "أتصور أن هذا النص، بجانب الممارسة السابقة على مدار نحو نصف قرن، تكفي لطمأنة المسيحيين فيما يتعلق بمبدأ المساواة والمواطنة الكاملة، وهي كذلك قضية حسمها المفهوم الاجتماعي العام على مدار حوالي 1400 عام، حتى أصبحت لا تشكل أي خلاف بين المصريين عمومًا".

ويعتقد رشوان أن أخطر ما يقلق أي مجتمع هو ألا يتعمق مفهوم "المساواة" ويترسخ في وجدان شرائح وطبقات المجتمع، وهذا ليس قائمًا بالفعل في مصر، لأن المسيحية جزء ومكون أساسي للثقافة والتراث المصري عبر عصور التاريخ، وهنا نستشهد بما قاله المفكر والسياسي المسيحي الوطني الكبير "مكرم عبيد" عندما كان يتم طرح هذه القضية للنقاش العام: "أنا مسيحي الديانة مسلم الثقافة". وبالتالي أي تخوف من مسألة الشريعة الإسلامية يكون بمثابة افتئات على حق تاريخي، خصوصًا أن المقصود من الشريعة هو روحها التي تقوم على مبدأ العدالة والمساواة، وهو الأمر الذي يهم كل المصريين وليس فقط المسيحيين، بل يبدو المسلمون أكثر حرصًا وإدراكًا لأهميته من بعض المسيحيين، خصوصًا أن القانون المصري لا يفرق عمليًّا بين المواطنين.

ويدلل رشوان عمليًّا بأن نص المادة الثانية لم يترتب عليه أي صراع أو خلاف، بقوله: "إنه بنظرة سريعة على الاحتقانات الطائفية التي شهدتها مصر خلال أكثر من ربع قرن، كان السبب فيها خلافات يومية بسيطة بين جيران، كما حدث في أحداث الزاوية الحمراء بقلب القاهرة أواخر عهد الرئيس السادات، فقد كان الخلاف بين أسرتين أحدهما مسيحية والأخرى مسلمة على أمر بسيط يحدث يوميًّا بين كافة المصريين سببًا في إشعال تلك الأحداث، كما أن أحداث الفتنة الطائفية في قرية "الكشح" بصعيد مصر كان سببها الاعتداء على امرأة في أحد الأسواق، ونفس الأسباب البسيطة هذه هي محرك كل حدث كبير لفتنة طائفية".

ويرى رشوان أن المحك الأساسي هو التساؤل عن: هل تم تجاهل الشريعة المسيحية.. ويجيب قائلا: "لم يحدث أن تم إجبار مواطن مسيحي مثلا على تعدد الزوجات كما هو الحال بالنسبة للمسلمين، ولم يحدث أيضًا أن تم تطبيق أحد حدود الشريعة الإسلامية على متهم مسيحي، ففي مصر لا يوجد تطبيق للحدود المنصوص عليها في الشريعة، وهناك واقع اجتماعي فرضته ممارسات يومية على مدى 14 قرنًا لا يمكن بأي حال التحلل منها".

ويفند رشوان أسباب رفض المساس بنص المادة الثانية بقوله: "المطالبة بتخلي الدستور المصري عن هذا النص خطأ تاريخي وحضاري أيضًا؛ لأن الشريعة الإسلامية هي منتج بشري وجزء أساسي من التراث الحضاري العالمي، وإذا أنكرناه واستبعدناه سنكون كمن يتخلى عن تاريخه وحضارته في الوقت الذي يستمد الآخرون منه قواعد تنظم حياتهم.. فمثلا لا يجوز أن أقنع الغرب بقاعدة تعدد الزوجات، وكذلك لا أتصور أن نتخلى عن نصوص الشريعة فيما يتعلق بتوزيع الميراث بين الرجل والمرأة بدعوى المساواة.. هذه أمور تنطبق على المسلم الفرنسي، فلا يجوز أن يؤثر في الثقافة الفرنسية ويقنعهم بتعدد الزوجات الذي يؤمن به كمسلم، كما لا نتصور أن تتخلى فرنسا عن مبادئها العلمانية فيما يتعلق بحقوق المسلمين.. وهكذا فإن الأساس الذي يجب أن يشغلنا هو توافر مبدأ العدالة والمساواة بين كافة المواطنين بصرف النظر عن العقيدة أو اللون أو النوع".

أما بالنسبة لقضية يثيرها كثيرًا إخواننا المسيحيون في مصر، وهي استبعاد المسيحيين من بعض الوظائف، يؤكد رشوان أن ذلك لا يتم وفقًا لأعراف ثابتة، ولا يوجد تشريع بشأنها، أضف لذلك أن الغالبية العظمى من فقراء مصر تحديدًا، يتم استبعادهم من الشرطة والقوات المسلحة والوظائف العليا، ودعا رشوان إلى مكافحة الظلم الذي يقع على أغلب المصريين بغض النظر عن ديانتهم.

لم الجدل حول ما لا يمس جوهر الإصلاح؟

أما حافظ أبو سعدة الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان، فيرى أنه إذا كان البعض يرى أن في نص المادة الثانية ما يتضمن ظلمًا للمسيحيين، فإنه يمكن أن يتم إدخال تعديل على المادة الأولى بالنص على أن "الدستور يضمن المساواة ويحمي حقوق المواطنين، مسلمين ومسيحيين، رجل أم امرأة" وفقًا للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، على أن نترك المادة الثانية بدون تعديل لأن المقصود بالشريعة هنا هو مقصدها وليس نصها المجرد.

وبرغم رفض أبو سعدة لنص المادة الثانية بشكلها الحالي طالما لم يتم التعديل السابق، فإنه ليس من المطالبين بتعديلها لسببين: الأول هو أن تعديلها أو تركها على حالها لن يؤثر كثيرًا على عملية الإصلاح التي يتطلع إليها الشعب المصري من وراء أي تعديل دستوري مرتقب، والسبب الثاني أن الرئيس مبارك لم يطرحها ضمن 34 مادة طلب من البرلمان تعديلها، وحتى يتم إدراجها إلى تلك الحزمة يجب أن يطلب الرئيس من البرلمان ذلك أو أن يتقدم ثلث أعضاء البرلمان بطلب تعديلها، وهذا عمليًّا يعني عدم الاقتراب منها.

أما بالنسبة لمن يقترحون أن يستند الدستور على المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، يقول أبو سعدة: "الأمر الغائب عن الجميع أن مصر موقعة على أكثر من 500 اتفاقية دولية، من بينها مواثيق حقوق الإنسان كافة، كما أن الدستور يقر في المادة 151 بأن الاتفاقيات التي يوقعها رئيس الجمهورية ويقرها البرلمان تصبح أتوماتيكيًّا نصوصًا تشريعية وقوانين ملزمة، وبالتالي لا توجد ضرورة للنص على ذلك في الدستور صراحة طالما أنه يتم وتقره النصوص القائمة.

وحول التخوف من التعارض في بعض مبادئ الشريعة الإسلامية ومعايير حقوق الإنسان، يرى أبو سعدة أنه في مثل هذه الحالات يكون اللجوء إلى مبادئ الشريعة الإسلامية هو الأساس والأصل.

الشريعة تتفق مع هوية المجتمع وثوابته

ومن جانبه، يحذر د. سيف عبد الفتاح أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة من المساس بالمادة الثانية من الدستور، لأنها تمثل المرجعية التي تشكل قواعد وأسس المجتمع المصري. واعتبر عبد الفتاح أن هناك موجة من الآراء الخطيرة جرى تداولها في الفترة الأخيرة في الأوساط الثقافية المصرية، يخلط بعضها بين الموقف من بعض جماعات الإسلام السياسي مثل "الإخوان المسلمين"، ومعاداة الإسلام كـ "عقيدة"، وهذا يشكل مأزقًا خطيرًا قد يترتب عليه إشكالات وعواقب غير مأمونة.

وبرأي عبد الفتاح فإن كل مجتمع أو نظام سياسي في العالم يستند إلى "مرجعيات" يستقي منها منظومته الأخلاقية والقانونية، وتتكون هذه المنظومة في مصر من أمرين اثنين، هما:

الأول: الشريعة الإسلامية، فهي مرجعية النظام العام التي تشكل عناصر ثوابته في مصر، وهي الجذر الرئيسي لشجرة المجتمع والتي تغذي باقي أفرع الحياة فيه. وبالتالي تخرج منها وتنبثق عنها منظومة القيم والأسس المنظمة لكل مكونات المجتمع.

الثاني: المواطنة، وهي الأساس الذي يحدد قواعد المساواة بين كافة المواطنين بصرف النظر عن العقيدة أو اللون أو الجنس. ولا يمكن أن يتعارض الأول مع الثاني، أي الشريعة مع المواطنة، كما لا تشكل الشريعة أي تعارض مع بناء الدولة المدنية الحديثة، وربما العكس هو الصحيح.

إن كل مجتمع إنساني يجب أن يكون لديه مرجعية توفر له منظومة تتوافق مع ثوابت الغالبية العظمى من أفراده، والمثال على ذلك، كما يرى عبد الفتاح، هو أن المجتمعات الغربية ارتضت بالديمقراطية قاعدة منظمة لحياتهم، ومع ذلك هناك جماعات صغيرة لم تتوافق مع هذه الديمقراطية ولم تلتفت إليها الأغلبية.

ويؤكد عبد الفتاح أن ذلك لا يمنع من أن تتوافق الجماعة الوطنية بل وتتحد لتوفير الضمانات الكفيلة بتحقيق مبدأ المواطنة والمساواة بين جميع المواطنين، دون الاقتراب من أصول المجتمع التي تحدد هويته وملامحه لأن أي عبث في هذه الثوابت يشكل خطرًا جسيمًا على حاضره ومستقبله، وبالتالي فأي حديث عن أي مخاوف من أن يكون نص المادة الثانية بوضعه الحالي يشكل نواة لدولة دينية هو أمر يثير السخرية، لأن العالم أجمع لم يعرف أي شكل للدولة الدينية في المنطقة العربية باستثناء إسرائيل الدولة التي تقوم على العنصرية الدينية.


صحفي ومراسل إسلام أون لاين.نت في مصر.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات