English

 

الثلاثاء. فبراير. 20, 2007

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » الأقليات المسلمة

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

مسلمان في الحكومة الهولندية

تغليب الاعتدال على الصراع في سياسات اندماج

نبيل شبيب

Image
أحمد أبو طالب
الأمير الهولندي ألكسندر، ابن الملكة الهولندية بيآتريكس، متزوج بالأميرة ماكسيما، التي تحمل جنسية الأرجنتين، بلدها الأصلي، بالإضافة إلى الجنسية الهولندية، ولم يسبق أن واجهت حملة سياسية عدائية، حتى من جانب اليمين المتطرف في هولندا، فازدواج الجنسية أمر معروف في واقع المجتمع الهولندي، ويشمل أكثر من مليون مواطن، كثير منهم من أصول تركية ومغربية. ولكن هذه الحملة كانت من نصيب أحمد أبو طالب، ونبهات بيريق، وزيري الدولة في الحكومة الهولندية الجديدة المنبثقة عن انتخابات نوفمبر 2006.

العنصر الإسلامي في الواجهة

الحملة على الوزيرين الجديدين، الهولندي المغربي الأصل أحمد أبو طالب، والهولندية التركية الأصل نبهات بيريق، كانت حملة منتظرة وإن جاءت مبكرة من جانب حزب الحرية اليميني المتطرف، لا سيما وأن معركته الانتخابية كانت حافلة بالعمل على استغلال الأجواء التي خلفتها في المجتمع جريمة اغتيال المخرج الهولندي فان كوخ على يد شاب هولندي الجنسية من أصل مغربي.

وكان من العسير أن يكتب لتلك الحملة النجاح، فالتاريخ السياسي للوزيرين الجديدين حافل بالشواهد التي تؤكد عدم وجود عقبة حقيقية بين انتمائهما الأصلي وولائهما السياسي لموطنهما الجديد (أبو طالب منذ كان عمره 16 عاما، وبيريق منذ العام الثاني من عمرها) بما في ذلك الارتباط بالإسلام أيضا، وهو ما يسري على أحمد أبو طالب بصورة خاصة، المعروف بأنه لا يواري حفاظه على دينه، ولكنه يقف بشدة ضد مَن ينسب إلى الدين الإسلامي ممارساته العدائية داخل هولندا، لا سيما إذا وصلت تلك الممارسات إلى مستوى عملية اغتيال أو التحريض على "عمل إرهابي".

في هذا الإطار كان نشاطه السياسي في حزب "العمل" الديمقراطي الاشتراكي منصبا على قضايا الاندماج، وهو ما يكمله نشاط نبهات بيريق في الحزب نفسه على صعيد تخصصها في القانون الدولي، إلى أن أصبحا من أعمدة قيادات الحزب. ويبدو أن عدم حصول أحدهما على الأقل، على حقيبة وزارية كوزراة الاندماج والشؤون الاجتماعية -وكانا مرشحين لذلك- لا يعود إلى عدم كفاءتهما، بل إلى الرغبة في تجنب إعطاء خصومهما فرصة أكبر للحملة المضادة المنتظرة.
 
وكان بعض وسائل الإعلام قد اعتبر نجاح حزب الحرية اليميني المتطرف بالحصول على 9 من أصل 150 مقعدا في الانتخابات الماضية، أنه جاء نتيجة حملته الشديدة المعادية للإسلام، مقابل خسارة حزب العمل الذي ينتمي إليه الوزيران الجديدان 10 مقاعد وحصوله على 32 مقعدا فقط. وليس هذا التقويم دقيقا، لدى الإشارة إلى انتخاب 7 من الهولنديين المسلمين -بجنسيات مزدودجة- في المجلس النيابي الجديد، وهو عدد قريب من مقاعد حزب الحرية المتطرف نفسه. والواقع أنّ ناخبيه كانوا في الأصل من ناخبي الحزبين اليمينيين المتشددين أصلا في الحكومة الهولندية السابقة، بينما تحولت نسبة كبيرة من ناخبي حزب العمل الديمقراطي الاشتراكي إلى الحزب الاشتراكي، الذي ارتفع عدد مقاعده في المجلس الجديد من 8 إلى 26 مقعدا.

لم تكن حصيلة الانتخابات بذلك في صالح اليمين، وهو الأقرب إلى المواقف السلبية تجاه الإسلام وعلى صعيد سياسات الهجرة والاندماج عموما، وهذا ما يفسر أن رئيس الوزراء السابق والحالي، بالكنيندي، من الحزب المسيحي الديمقراطي (41 مقعدا بخسارة 3) اضطر بعد الانتخابات إلى التخلي عما يوصف بيمين الوسط، وتشكيل الوزارة الجديدة مع الحزبين اليساريين. ولا ينعكس هذا التوجه نحو الاعتدال في دخول العنصر الإسلامي بصورة واضحة في تشكيلة المجلس النيابي وتشكيلة الحكومة فحسب، بل ينعكس أيضا في البرامج المتفق عليها في الائتلاف الجديد، وفي مقدمتها ممارسة سياسات أكثر اعتدالا على صعيد "الاندماج"، بمعنى التعامل مع حملة الأصول غير الهولندية من المواطنين، وأكثريتهم من المسلمين (زهاء مليون مسلم من أصل 16.5 مليون نسمة في هولندا).

الاندماج الإيجابي المطلوب

على أن وصول "مواطنين هولنديين" مسلمين من أصل مغربي وتركي إلى الواجهة السياسية في هولندا، لا يعني -على النقيض مما قد تأخذ به استنتاجات متسرعة- تقبل وصول "الإسلام" نفسه، لا سيما من حيث شموله للجانب السياسي، إلى أجهزة صناعة القرار. فأحمد أبو طالب ونبهات بيريق يمثلان النموذج الذي أصبح أكثر رواجا في الأوساط الإسلامية الأوروبية عموما، خاصة على مستوى الشبيبة من الجيل الثاني والثالث ومن أهل البلاد الأصليين، وهو النموذج الذي يراد من خلاله الانتقال إلى واقع الاندماج الإيجابي في المجتمعات الأوروبية، بعد مرحلة طويلة تميزت بانفصال الجاليات الإسلامية عن المجتمع، والعمل على الحصول على حقوقها في مواقع "أقليات" و "وافدين أجانب"، فكانت بالتالي في حالة "صراع" مع الغالبية، علاوة على غلبة الاهتمام بقضايا العالم الإسلامي بالمقارنة مع الاهتمام بقضايا المسلمين -وسواهم- في الدول الأوروبية نفسها، بينما أصبح المطلوب عموما هو أن يكون تحصيل الحقوق باعتبارها فئات مسلمة، تمثل جزءا عضويا من المجتمعات الأوروبية.

الاندماج الإيجابي المطلوب هو القائم على عدد من العناصر، أولها عدم الذوبان في المجتمع الأوروبي، وهو ما يؤكده أبو طالب عن نفسه، وثانيها المشاركة المباشرة في هموم المجتمع ومشكلاته وفق المعطيات الواقعية القائمة، وهو ما انعكس في شهرة أبو طالب على صعيد دعم سياسات الاندماج الهولندية إيجابيا (منح في مطلع 2007 جائزة "هيلين دي مونتينييه" للتواصل الثقافي لعام 2006) ودعم سياسات مواجهة التطرف والتشدد في الأوساط الإسلامية، بينما انعكس في الحياة السياسية للوزيرة الهولندية الجديدة بيريق فيما سبق أن شاركت فيه من أنشطة سياسية ابتداء من تمثيل حزبها منذ عام 1998 في المجلس النيابي، مرورا بالعديد من المراكز الهولندية والأوروبية، وصولا إلى لجنة تطوير الحوار حول العلاقات الأطلسية الأوروبية-الأمريكية.

ولئن كانت حملات اليمين الهولندي شديدة على السياسييْن المسلميْن، فقد سبق أن واجها حملات أخرى من جانب أوساط إسلامية متشددة، إلى درجة وضعهما تحت الحماية الأمنية أحيانا، ويمكن أن يواجها المزيد في الفترة المقبلة، أدناها التنديد باعتبار بيريق هولندية أكثر منها تركية، فضلا عن انتقاد مواقف أبو طالب الجريئة داخل بعض المساجد الإسلامية ضد من يؤيدون عمليات عنف مرفوضة، مثل اغتيال المخرج السينمائي الهولندي فان كوخ، بعد إخراجه فيلمه الحافل بالإساءات الشديدة للإسلام.

وقد يكون من المفارقات الكاشفة لاتجاه الريح في المستقبل، أن يأتي تعيين الوزيرين الجديدين متزامنا مع احتفاء مؤسسة "إنتر برايس" الأمريكية اليمينية بالكاتبة السياسية الهولندية الجنسية، الصومالية الأصل إيان هيرسي علي، بمناسبة كتابها الجديد "الملحدة"، بعد أن وصلت بافتراءاتها على الإسلام والمسلمين إلى درجة لم يقبل بها المجتمع السياسي الهولندي نفسه، فهاجرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليحتضنها اليمين من المحافظين الجدد.


كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات