|
| الإسلام مرجعية دستورية عادلة |
الأصل في الإسلام أنه نظام حياة، ودستور وجود.. وفي بلاد تكون الغالبية فيها للمسلمين، وينص دستورها على أن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي لقوانينها المنظمة لشتى مناحي حياتها.. في بلد كهذا -أيا كان- لا بد من الإجابة على مجموعة من الأسئلة الفقهية قبل الإقدام على أي تعديل للدستور الذي يحكمه وينظم حركته.. فمثلا:
ما نظرة الإسلام بداية لهذا الدستور وتعديله؟ وهل لا بد لهذه التعديلات من موافقة رغبات الجماهير، وما الأهداف الشرعية التي يجب تحققها في أي تعديل دستوري، وماذا لو كانت هناك مواد تخالف الشريعة الإسلامية.. هل يلتزم بها المسلم؟ أم أن عليه الخروج عليها، وكيف يفعل ذلك؟
أسئلة كثيرة فرضها الحديث المتواصل في أرجاء كثيرة من العالم الإسلامي عن الدستور وتعديلاته.
التزام شرعي
|
|
د. رأفت عثمان
|
من جهته يوضح الدكتور "محمد رأفت عثمان"، عضو مجمع البحوث الإسلامية ومتخصص في السياسة الشرعية، أنه من المستقر أن الدستور هو أبو القوانين.. بمعنى أنه الإطار العام الذي لا يجوز أن يخرج عن حدوده أي قانون يصدر في الدولة، ولهذا فإن أي قانون يتناقض مع الدستور تصح المطالبة بإلغائه استنادًا لعدم دستوريته.
ويلمح إلى أن الدساتير تصاغ أو تشكل وفق أعراف المجتمعات وتقاليدها، وثقافتها وما تؤمن به من مبادئ أو قيم، وأنه ليس من الغريب أن نجد المجتمع البريطاني غير مكتوب الدستور، وإنما هناك قواعد عامة مستقرة فيه، أصبحت كالعقيدة التي يستغرب الجميع أي خروج عنها مع عدم كتابتها.
ويشدد الدكتور "رأفت" على أن دستور الدولة لا بد وأن يوافق ما يدين به شعب تلك الدولة، فلا يُتصور أن يصدر دستور من بلد ما، ويُدَّعَى أنه يمثل جموع مواطني هذه البلد إلا إذا كان مترجمًا لمثلهم وقيمهم وعاداتهم وأعرافهم، ولهذا فليس غريبًا أن يكون عند المسلمين في أي دولة إسلامية اقتناع تام وإيمان بوجوب أن تكون مواد الدستور مترجمة عما يؤمن به الشعب.
ويضيف أن هذا هو الدافع إلى النص في الدستور المصري الحالي في المادة الثانية منه على أن الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.
وعن مدى التزام المسلم بنص دستوري قد يخالف قاعدة شرعية يؤكد الدكتور "محمد رأفت عثمان" أن المسلم لا يجوز له أن يلتزم بأي نص يخالف الشريعة؛ لأن معنى كون الشخص مسلمًا أن يكون متصرفًا وفق قانون الله عز وجل، والله تعالى أمرنا باتّباع أحكامه لا باتّباع أحكام غيره.
ويشير إلى أن النص القرآني يعيب من ينفذ بعض أحكام الشريعة ولا ينفذ بعضها الآخر، فيقول عز وجل: " أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ"، ولذلك فالقاعدة المستقرة في الشريعة الإسلامية أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وعن موقف الشريعة من التعديل الدستوري يشدد الدكتور "رأفت عثمان" على أن أي تعديل لا بد أن يكون متوائمًا مع الحريات التي يجب أن تتوفر لمجموع الشعب، وتحقيق مبدأ المساواة والعدالة، وتدعيم السلطة القضائية والتشريعية، وأنه لا يُلجأ إلى التعديل إلا إذا كانت هناك مواد تتصادم مع نصوص الشريعة أو مع حقوق الشعب التي لا تتصادم هي الأخرى مع نصوص الشرع..
قبول الشعب
الدكتور "محمد كمال إمام"، أستاذ الشريعة بحقوق الإسكندرية، يعتبر فكرة الدستور فكرة تنظيمية تعتمد على الخبرة في أن يكون هناك خطاب مجرد من الناحية القانونية، مهمته تحديد الحقوق والحريات لمؤسسات الدولة المختلفة، وتكون مواده حاسمة للأفراد والمؤسسات، وأيضًا الضبط والرقابة، وهي مسألة ليست بعيدة عن الفكر الإسلامي، ولذلك فالدستور أمر مهم عمليا، وإقراره صحيح.
وعن ضرورة الالتزام بالنصوص الدستورية يوضح الدكتور "إمام" أن النص الدستوري في أصله هو خطاب مِن ولي الأمر إلى المواطنين، وهذا الخطاب لا يكتسب أهميته إلا من عنصر الإلزام، ولذلك فإن القاعدة الدستورية توجب على المواطن وعلى مؤسسات الدولة أن تعتبر هذا الأمر الصادر أمرا ملزما، وعليها احترامه والتفاعل معه والالتزام بما جاء به من أمر أو نهي.
وعن تعديل النص الدستوري يشير الدكتور "إمام" إلى أن النص الدستوري كأي نص قائم صادر في الدولة الإسلامية صادر بسلطة ولي الأمر، وبالتالي فهو ليس نصا قرآنيا، وإنما هو نص اجتماعي، ولا يستمر استمرارا دائما، فإذا وُجدت مصالح تقتضي التغيير، أو موقف ظهر أنه مخالف لمنظومة العلاقات الدولية، فكل ذلك يؤدي إلى تعديل الدستور.
ويضيف أن هناك نوعين من الدساتير.. أولها: المرنة التي يتم فيها التعديل كما تُعدل التشريعات القانونية، وثاني هذه الدساتير هي: الجامدة التي لا يمكن تعديلها إلا من خلال نصوص، وموافقة أغلبية معينة.
ويشدد على أنه لا يمكن أن يكون الدستور مقبولا إلا إذا عبر عن مصالح الأمة، فلا يكون مجرد تعبير عن الرغبات العادية والأهواء، أو يتعارض مع المنظومة الحضارية، فإذا لم يتم مراعاة هذه الأمور عند إجراء أي تعديل دستوري فنحن أمام تعديل يفرض بسلطة الدولة، ولكنه لا يحترم من قبل الجموع.
ويؤكد الدكتور "إمام" أن التعديل في مواد الدستور لا يصلح دستورًا إلا بعد الموافقة عليه من الشعب وإقراره، أما كون المجتمع لا يمارس حقه في الرقابة فهذه مشاكل لا بد من حلها، ومع هذا فإن الأرقام التي تؤكد رفض أو قبول مادة دستورية لا بد وأن تكون معبرة عن حقيقة قبول الشعب لتعديل دستوري بعينه.
آراء قانونية
|
|
المستشار أحمد مكي
|
وعن الرؤية القانونية يوضح المستشار "أحمد مكي"، نائب رئيس محكمة النقض المصرية، أن الدستور هو أمر ملزم ومنظم لحياة المجتمعات، وأن التعديل الإصلاحي للدستور قد يكون وليد ضبط، أو لوجود ميل لدى الحاكم في التعديل الدستوري كي يقود شعبه للأحسن، مثلما فعل "عمر بن عبد العزيز" في الدولة الأموية، الذي أعاد تنظيم دستور الدولة بما هو أقرب إلى روح الإسلام؛ لذلك سمي خامس الخلفاء الراشدين.
ويورد المستشار "مكي" شيئا من التفصيل في توضيح أسباب تعديل الدستور، فيقول :" إن تعديل الدستور يكون في حالة من اثنتين.. أولاهما: وقوع تغيير في القوى الفاعلة في المجتمع، مثلما حدث في ثورة 1919م في مصر، عندما أراد الشعب المصري أن يرتب شئونه بنفسه، ويقوم بتعديل الدستور من أجل هذا، والثانية: أن تكون هناك رغبة لدى الحاكم في أن يجري تعديلات تحقيقًا لرغبات مواطنيه، مثلما حدث في المغرب والبحرين".
ويضيف أن الأمة مصدر السلطات، وهذه هي القاعدة التي لا بد من العمل بها عند تعديل أي دستور، ولذلك فينبغي أن تفرض الشعوب إرادتها على حكامها، حيث إن الشعب هو مصدر القاعدة القانونية، ولذلك فإن أي تعديل أو قاعدة قانونية ينبغي أن يسبقها تمهيد وقبول للناس، خاصة وأنه لا يمكن فرض أي تعديل على الشعب، حتى وإن كان لصالحه، فإن فُرض الخير بالقوة صار منكرًا.
وعن مدى الالتزام بمادة أو نص قانوني يؤكد المستشار "مكي" أنه إذا فرض قانون أو مادة بعينها فعلى الناس اتباعه، حتى ولو كانوا كارهين، فإذا كان هناك إكراه ينبغي أن تكون هناك مطالبات بتعديله، لكن لا يتم رفض التطبيق لتلك المادة أو ذلك النص القانوني.
ويشدد على أن الخروج عن القانون يعرض الجماعات للانهيار، حتى ولو كان ذلك القانون غير مطابق للشريعة، فلا يجوز لإنسان أن يخرج على القانون حتى ولو بدعوى أنه مخالف للشريعة، لأن ذلك من شأنه أن يؤدي للفوضى.
أما الدكتور "عاطف البنا"، أستاذ القانون الدستوري بحقوق القاهرة، فيوضح أنه يلجأ لتعديل الدساتير عندما تصبح بعض أحكامها غير متفقة مع التطور الذي حدث في البلاد، أو وجود مطالب شعبية بتعديلها، ولذلك فإن أي تعديل لقانون أو دستور من المفترض أن يكون له هدف معين، ويتجه إلى تحقيق أهداف معينة متعلقة بالمصلحة العامة.
وحول الالتزام باحترام الدستور يشير الدكتور "البنا" إلى أن أي قانون أو دستور يمكن انتقاضه والمطالبة بتعديله أو إلغائه، لكن القوانين التي تكون قائمة من المفترض أن تطبق ولا تكون هناك مقاومة لتطبيقها بالقوة، ولكن مسموح بالاعتراض عليها بالنشر أو الطعن عليها، لكن النصوص الدستورية ما دامت قائمة فلا بد من أن تطبق.
ويلمح الدكتور "عاطف" إلى نقطة هامة حين يذكر أنه من الممكن أن تأتي فترات لا توجد فيها استجابة للسلطة، فتبدأ الدعوة بالعصيان المدني وفقًا لإجراءات معروفة، فمن الممكن أن يكون هناك عصيان، ولكن ذلك في الأوقات الحرجة كمقاومة الاستبداد والطغيان.. وهذا حق سياسي للشعوب.
صحيفة المدينة أول دستور
|
|
الشيخ: راشد الغنوشي
|
الشيخ "راشد الغنوشي"، رئيس حركة النهضة الإسلامية بتونس والمقيم حاليا في لندن، وعضو مجلس الإفتاء الأوروبي، يوضح أن الدستور في أي دولة إسلامية لا بد وأن يتحدد بالقواعد العامة للإسلام فلا يخرج عنها، حيث إن الدستور في كل دولة هو المحدد الأساسي لهويتها، والضابط لمؤسساتها، وللعلاقة بينها.
ويضيف أنه:" من هذا الجانب أمكن لبعض المفكرين المسلمين أن يضاهوا بين الدستور وبين القرآن الكريم، ومن هنا جاء الإخوان المسلمون بشعارهم الشهير "القرآن دستورنا" يقصدون بذلك أنه المحدد للهوية، والمرجعية العليا لكل السياسات الإسلامية، ومصدر القيم والتشريعات.
ويشدد الدكتور "الغنوشي" على أن احترام دستور الدولة أمر مطلوب، فلا ينبغي في دولة يحكمها دستور أن يخرج تشريع من تشريعاتها أو سياسة من سياساتها عن القيم والضوابط العليا التي يحددها الدستور، والأمر نفسه بالنسبة للأفراد، حيث إنه لا يجوز لهم الخروج على الدستور.
ويشير الدكتور "الغنوشي" إلى أن الإسلام يحترم الدستور.. بل إنه أول من عرف مسألة وضع الدستور للدولة، فدولة المدينة المنورة كانت محكومة بوثيقة دستورية هي "صحيفة المدينة"، التي كانت أول عمل للنبي صلى الله عليه وسلم عندما حل بها، وأخذ يؤسس الدولة الإسلامية، فوضع هذه الصحيفة التي كانت ترجمة عملية لمبادئ القرآن الكريم في تنظيم أول اجتماع سياسي إسلامي.
ويستطرد قائلا :" الرسول صلى الله عليه وسلم نظم بذلك مجتمعًا متعدد الأعراق والقبائل والديانات، فحدد هذا الدستور (الصحيفة) طبيعة هذه الدولة ومرجعيتها التنظيمية، كما نص على الجماعات المكونة لهذه الدولة، وربط العلاقات بينها، وحدد حقوقها وواجباتها، وذلك ما تفعله الدساتير عامة".
ويضيف "الغنوشي":" إن وثيقة المدينة كانت محل اتفاق من كل المكونات الدينية والعرقية للجماعة السياسية، فالمسلمون واليهود بمختلف قبائلهم اعتبرتهم "صحيفة المدينة" أمة من دون الناس، فأرسى هذا الدستور علاقة المواطنة أساسًا لهذه الدولة".
وعن اللجوء للتعديل يؤكد "الغنوشي" أن الوظيفة التي تقوم بها الدساتير هي بالأساس ضبط هوية الجماعة السياسية، وضبط مؤسساتها الحاكمة والعلاقات بينها، وضبط حقوق وواجبات المواطنين، ولذلك فإن الدساتير تتسم عادة بالثبات، وتعديلها يخضع لإجراءات غاية في التعقيد.. حيث إن إقرار القانون الدستوري يحتاج إلى نسبة عالية تصل إلى ثلثي أعضاء الهيئة الدستورية، أو التصويت عليه من قبل الشعب".
ويؤكد أن علامة استقرار الجماعة السياسية هي استقرار دستورها، وعدم تعرضه للتعديلات الكثيرة، وهذا الثبات ملاحظ في الدساتير الأمريكية، فالدستور الأمريكي خضع لتعديلات محدودة بعد أكثر من قرنين بما يدل على استقرار تلك الدول".
ويشير إلى أنه على العكس من ذلك نرى في كثير من الدول العربية تتعرض الدساتير لسلسلة من التعديلات والتغييرات التي تكاد تأتي على الدستور برمته، ويضرب مثالا لذلك بالدستور التونسي الذي تضاعف حجمه خلال سنتين أو ثلاث، بما يدل على حالة عدم استقرار، وعلى حالة تحكم الجهاز التنفيذي في صناعة هوية واستحداث مؤسسات والعبث بأخرى فقط لاسترضاء أو لتحقيق أهداف الحاكم أو الأسرة الحاكمة، بما يكرس ويضاعف من الطبيعة الفردية لهذه الأنظمة.
صحفي مصري
|