|
لم يكن مشهد الصومال منذ عام 1991 وانهيار حكمه المركزي لأطول فترة في تاريخه الحديث ببعيد عن دول جواره، بين مؤتمرات مصالحة ومحادثات تبوء بالفشل -وتجري في دول مثل إثيوبيا وجيبوتي وكينيا والسودان- و إمداد هذه الدول وكل من إريتريا وأوغندا لكافة الفرقاء الصوماليين بالسلاح لخوض الحرب الأهلية بصورة أسهمت بطريقة أو بأخرى في استمرار الوضع المأساوي في الصومال فترة من الزمن.
وليس ما يشهده الصومال ببعيد عن هذا الاقتراب السابق، الذي يستلزم الوقوف بعمق على سياسات وأجندات هذه الدول تجاه الصومال لإيجاد حلول لمشكلة الصومال من جهة أو التنبؤ بمستقبل القرن الإفريقي من جهة أخرى.
إثيوبيا.. رضا أمريكي ومنفذ بحري
تعتبر إثيوبيا من أهم الدول بمنطقة القرن الأفريقي، وتشترك مع الصومال بحدود تقدر بنحو 1000كم، والعلاقة كانت دائما "حربية" بين الطرفين عبر قرابة ستة قرون، زادت حدة منذ ساهمت إثيوبيا مع بريطانيا وإيطاليا وفرنسا في تقاسم الأراضي الصومالية في مؤتمر برلين 1885، فحصلت على منطقة أوجادين المعروفة باسم "الصومال الغربي"، والذي يعتبر خمس المساحة الحالية لإثيوبيا. وعارض الإمبراطور الإثيوبي "هيلاسلاسي" استقلال الصومال، حتى كان توحيد الصومال (البريطاني والإيطالي) وميلاد جمهورية الصومال، والتي شهد قيامها حربا محدودة عام 1964 بين الصومال وإثيوبيا، ثم حرب شاملة عام 1977/1978.
إثيوبيا.. رضا أمريكي ومنفذ بحري
تعتبر إثيوبيا من أهم الدول بمنطقة القرن الأفريقي، وتشترك مع الصومال بحدود تقدر بنحو 1000كم، والعلاقة كانت دائما "حربية" بين الطرفين عبر قرابة ستة قرون، زادت حدة منذ ساهمت إثيوبيا مع بريطانيا وإيطاليا وفرنسا في تقاسم الأراضي الصومالية في مؤتمر برلين 1885، فحصلت على منطقة أوجادين المعروفة باسم "الصومال الغربي"، والذي يعتبر خمس المساحة الحالية لإثيوبيا. وعارض الإمبراطور الإثيوبي "هيلاسلاسي" استقلال الصومال، حتى كان توحيد الصومال (البريطاني والإيطالي) وميلاد جمهورية الصومال، والتي شهد قيامها حربا محدودة عام 1964 بين الصومال وإثيوبيا، ثم حرب شاملة عام 1977/1978.
وبناء على هذه الخلفية، كانت علاقة الطرفيين عدائية وصراعية، فكل بلد يدعم المعارضة لدى الطرف الآخر لإضعافه، ورغم المصالحة الشهيرة بين محمد سياد بري رئيس الصومال وبين منقستو هيلا مريام رئيس إثيوبيا في عام 1988 في جيبوتي، إلا أن الصراع اشتد وحققت المعارضة المسلحة في كل من البلدين انتصارات عسكرية على الأرض، مما أدى إلى انهيار النظامين في عام 1991.
ومع بداية التسعينيات اهتمت الحكومة الإثيوبية بما يجري في الصومال، وتم جمع الفرقاء الصوماليين عدة مرات في أديس أبابا من أجل المصالحة، وفيما تم ساهمت إثيوبيا في تأسيس بعض المجموعات السياسية الصومالية لمعارضة مؤتمر المصالحة في القاهرة 22 ديسمبر 1997، وتم إجهاض اتفاق "عرته" في جيبوتي عام 2000 أيضا من قبل إثيوبيا من خلال تأسيس "مجلس المصالحة وإعادة البناء الصومالي" في مارس 2001، حضره جميع أمراء الحرب، كما أعلن بعض قادة أمراء الحرب مثل موسى سودي يلحو عام 2005 أمام الصحفيين في مقديشو أن إثيوبيا أمدته هو وزملاءه من زعماء الفصائل بالسلاح لإجهاض حكومة عبد القاسم صلاد حسن.
ويرى المراقبون للوضع الصومالي أن إثيوبيا، والتي تعتبر من الدول الفقيرة في القارة، دخلت في المستنقع الصومالي وضحت بكثير من مواردها لدحر المحاكم الإسلامية نهاية 2006 عبر غزو أثيوبي كثيف مع دعم أمريكي لها لعدة أمور:
أولا: دعم حكومة موالية لها، بعد أن نجحت من خلال مؤتمر المصالحة الصومالية في كينيا في 15 أكتوبر 2002، وانتهى نهاية عام 2004، تحت مظلة منظمة الإيجاد في توصيل المحسوبين عليها وخاصة مجموعة "مجلس المصالحة وإعادة البناء الصومالي" إلى الحكم الصومال، حيث أصبح عبد الله يوسف رئيسا للصومال، وعلي محمد جيدي رئيسا للوزراء، وحسين عيديد وزيرا للداخلية ونائبا لرئيس الوزراء، وعبد الله حسن وزيرا للخارجية، ومحمد نور شاتي جدود وزيرا للزراعة، ومحمد آدم مدوبي رئيسا للبرلمان.
ولتوضيح هذه العلاقة بين إثيوبيا وأمراء الحرب، فقد ذكر حسين عيديد وزير الداخلية في لقاء مع وجهاء القبائل في عيد دحر المحاكم ودخول الحكومة الصومالية مع القوات الإثيوبية مقديشو نهاية العام 2006، قوله: "سنعمل لتوحيد العملة والجيش وجواز السفر مع إثيوبيا"، الأمر الذي يؤكد درجة التأثير الإثيوبي في تفكير بعض النخب السياسية الصومالية.
ثانيا: تعتقد إثيوبيا أنها بهذا التدخل العسكري وتقوية الموالين لها بالصومال، أنها ستعزز وجودها في منطقة "أوجادينيا"، التي يقطنها صوماليون، وتقضي نهائيا على جبهة تحرير أوجادينيا، وإغلاق ملف النزاع الحدودي الصومالي/الإثيوبي، إذ أنه انتقل إلى داخل الصومال بل وداخل العاصمة الصومالية مقديشو.
ثالثا: تعطي إثيوبيا أولوية قصوى للوصول إلى ساحل المحيط الهندي والبحر الأحمر وإيجاد ميناء كمنفذ بحري من خلال التواجد عسكري أو من خلال معاهدة طويلة المدى مع حكومة صومالية ضعيفة.
رابعا: هناك هدف إثيوبي داخلي يتعلق بمحاولة استمرار حكم الأقلية "التجرانية" التي ينتمي إليها الرئيس الحالي "ميليس زيناوي" وكبح المعارضة المتصاعدة، وذلك من خلال خلق رأي عام مشدود بمتابعة حرب إثيوبيا في الصومال مرة، وحرب مع إريتريا تارة أخرى، ويبعد عن المواطن الهموم الداخلية وتطلعات الأحزاب الإثيوبية لحكم رشيد ولديمقراطية حقيقية، حيث يرى معارضو زيناوي أنه يكرس لديكتاتورية طويلة المدى، وأن أمريكا لن تطالبه بإصلاح سياسي أو تفتح ملف حقوق الإنسان بعد حربه في الصومال.
خامسا: إن حكم زيناوي يدخل على خط ما يعرف بـ "محاربة الإرهاب"، وكأنه بات بقرة إثيوبيا الحلوب، سيما وأن صحفا أمريكية ذكرت أن أثيوبيا قدمت هدية عيد الميلاد للولايات المتحدة الأمريكية بإنهاء حكم المحاكم الإسلامية -طالبان في القرن الإفريقي حسب الوصف الأمريكي- في نهاية 2006 بعد عام نحس في العراق وأفغانستان.
كينا.. الأولوية لاستمرار تدفق الأموال
يلخص الرئيس الكيني الأسبق "دانيال آراب موي" سياسة كينيا نحو الصومال، بإعلانه في عام 2004 أن كينا وأثيوبيا لا يريدان الاستقرار للصومال، في تصريح تزامن مع مؤتمر للمصالحة الصومالية كان منعقدا في كينيا.
ويرجع توتر العلاقات الصومالية الكينية بعيد الاستقلال مباشرة، حيث ضمت بريطانيا إلى كينيا المقاطعة الشمالية الشرقية، والتي يسكنها صوماليون، حيث تم قمع الأهالي في تلك المنطقة لمطالبتهم بالاستقلال والانضمام إلى الصومال.
ولكن رغم تخلي الحكومة الصومالية عن المطالبة بهذه المنطقة والتوقيع على معاهدة مع كينيا بعد وساطة تنزانية في عام 1963، أصبحت هذه المقاطعة هاجسا دائما تتمحور حوله السياسة الخارجية لكينيا تجاه الصومال.
وتعد كينيا من أكبر المستفيدين من الأزمة الصومالية واستمرار الانهيار الاقتصادي بالصومال، حيث احتضنت كينيا المنظمات الدولية التي كانت تقدم المساعدات المادية، وتحولت مقرات البعثات الأجنبية من مقديشو إلى العاصمة الكينية نيروبي، وبات ميناء ممباسا الكيني مكان لتصدير الثروة الحيوانية الصومالية الهائلة إلى دول عربية وحتى إلى إسرائيل، بسبب الحروب الأهلية التي أدت إلى إغلاق ميناء مقديشو وميناء كسمايو، كما أن عدم الاستقرار قد جعل جزءا مهما من رأس المال الصومالي ورجال الأعمال الصوماليين يوجهون رؤوس أموالهم إلى كينيا، حيث يعتبر سوق الصوماليين في نيروبي – سوق إسلي- من أهم الأسواق الاقتصادية في القرن الإفريقي، ومن ثم فإن عدم استقرار الصومال سيساعد كينيا من الناحية الاقتصادية، ولذا بوجه عام يمكن القول أن كينيا تنتهج من السياسات ما يحافظ على ضعف الصومال دون تفككه لأنها المتضرر الأكبر في حالات الفوضى التي تقود إلى نزوح آلاف الصوماليين إليها.
إريتريا.. تاريخ مشترك وتهديد مشترك
خاضت إريتريا ضد حكم أديس أبابا حرب تحرير هي الأطول في المنطقة، وكانت الصومال في ذلك الوقت بجانب إريتريا يمدها بالسلاح والتدريب، وتجول قيادات الثورة الإريترية بجوازات سفر صومالية، ولا يزال الوضع بين إريتريا وإثيوبيا متوتر حتى اليوم، ويحتمل مواجهات جديدة رغم مصالحة الجزائر عام 2000.
وتشبه مشكلة إريتريا مع إثيوبيا إلى حد ما المشكلة الأخيرة مع الصومال، حيث تحتل إثيوبيا أراض تابعة لإريتريا والصومال، ووجه الشبه الآخر هو أن إريتريا ذات سواحل طويلة وبتعداد سكان قليل مقارنة مع إثيوبيا الدولة الحبيسة، وبالتالي تتطلع إثيوبيا إلى نفوذ وهيمنة بالمنطقة، وتحاول إريتريا والصومال الحد من طموحات الإثيوبية الاقتصادية والسياسية والإستراتيجية.
ومن البديهي أن سياسة إريتريا تجاه ذلك، هي مساعدة أي مجموعة سياسية صومالية أو إثيوبية مثل جبهة تحرير "أوروميا"، وجبهة تحرير "أوجادينيا" للحد من النفوذ الإثيوبي الطاغي في المنطقة ولتخفيف الضغط عنها لتحقيق ضم كافة التراب الإريتري.
جيبوتي.. أخو الصومال الصغير
تعتبر جيبوتي جزءا من الصومال الكبير، لكنه نال استقلاله في عام 1977، وتتمتع باستقرار سياسي واقتصادي منذ هذا التاريخ برعاية فرنسية، حيث توجد أكبر قاعدة لفرنسا في إفريقيا هناك، ونجحت جيبوتي في خلق علاقات متوازنة مع الصومال وإثيوبيا معا، وهو ما مكنها من لعب دور الوساطة بينهما، وتم الاتفاق بين الدولتين عام 1988 بوساطة ناجحة لرئيس جيبوتي الراحل "الحاج حسن جوليد"، كما أصبحت جيبوتي مقرا لمنظمة إقليمية هي إيجاد التي تأسست عام 1986، بسبب أنها دولة "محايدة" في بحر من العداوة وعدم الثقة.
وتأتي أهمية جيبوتي أنها نجحت مرتين في عقد مصالحة للصوماليين، أولها في يوليو 1991 بعيد إطاحة الرئيس محمد سياد بري، حيث تم انتخاب علي مهدي محمد رئيسا مؤقتا للصومال، وجاءت المصالحة الثانية في جيبوتي تحت رعاية رئيس جيبوتي الحالي "إسماعيل عمر جيلي" في عام 2000، والذي انتهى بعد ستة أشهر بتشكيل برلمان وحكومة بقيادة عبد القاسم صلاد.
وتؤمن جيبوتي الآن أن مصالحة صومالية شاملة هي ضرورة ماسة، ووفرت مأوى لرئيس البرلمان الصومالي الأسبق "شريف حسن شيخ آدم"، والذي نُحي هو وثلاثين عضوا آخرين من قبل أعضاء البرلمان الحاليين، وهو لا يزال يرفض هذه التنحية، كما تسعى جيبوتي لإيجاد حكومة صومالية قوية يحكمها وطنيون مع إسلاميين، يعيدون للمنطقة توازنها، ويكبحون جماح النفوذ الإثيوبي في المنطقة، لأن ذلك قد يجعل جيبوتي المنفذ البحري الوحيد لإثيوبيا.
أوغندا.. الجار البعيد
رغم البعد الجغرافي النسبي لأوغندا عن الصومال، إلا أن الرئيس الأوغندي "يوري موسيفيني" مهتم بالشأن الصومالي، ويسجل له أنه الرئيس الأفريقي الوحيد الذي زار الصومال بعد انهيار الحكومة المركزية في بداية تسعينيات القرن الماضي.
ويقال إن اهتمام موسيفيني يأتي من أن قبيلته "ميوكي" وقبائل "التوتسي" في كل من بوروندي ورواندا ذوي أصول صومالية، وفي اهتمامه نوع من صلات القرابة والدم وثقافة مساعدة القبيلة، السائد في أفريقيا.
ولكن معظم المراقبين يرجعون هذا الاهتمام إلى تطلع موسيفيني للعب دور في الصومال لترضية أمريكا، حيث هي التي تدفعه إلى إرسال جنوده إلى الصومال، وهو يأتي فقط لتنفيذ الرغبات الأمريكية، علاوة على أنه يهتم بأن يأتي حل المشكلة الصومالية عن طريق أفريقي وليس عن طريق عربي (جامعة الدول العربية).
ويعتقد المتابعون للشأن الإسلامي في شرق أفريقيا، أن موسيفيني من المتعصبين إلى المسيحية، ويحاول الحد من تأثير الإسلام السياسي في المنطقة، ويعتبر نفسه ناجحا حتى الآن في جنوب السودان لوقف التمدد الإسلامي ومنع سيطرة الجبهة الشعبية لتحرير السودان وإدارتها لشئون الجنوب، وهو يتطلع لدور مماثل في الصومال.
السودان.. الشقيق العربي الجريح
يئن السودان بسبب الجروح في الجنوب المرشح للانفصال، والنزيف الجديد في غرب السودان، حيث يصارع دول الجوار مثل تشاد وإفريقيا الوسطي ودولا تحاول تفكيكه مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، أما علاقته بدول الجوار الصومالي، نلاحظ توترها مع إريتريا، الأمر الذي جعله يتنازل لإثيوبيا لكي تكون اللاعب الرئيسي في المنطقة ومحاولة كسب ود أديس أبابا بشتى الطرق، ولذا ليس مرشحا أن يكون للسودان دور في المنطقة في المستقبل المنظور، فهو ينشغل أكثر بالجنوب والغرب والشرق وبالخارج الدولي.
القرن الأفريقي.. صورة قاتمة
الصورة الكلية لمنطقة القرن الإفريقي الكبير قاتمة جدا ومرشحة للمزيد من الاضطرابات.. هناك صراعات متعددة منها: المشاكل السياسية الداخلية لكل من الصومال وإثيوبيا والسودان وكينيا وأوغندا وهي دول إما منهارة أو مرشحة للانهيار، وهناك حروب أهلية ودويلات مرشحة للظهور مثل دويلة في جنوب السودان، وهناك صراع حدودي بين بعض دول المنطقة، ليس أقلها الصراع الصومالي/الإثيوبي في منطقة أوجادينيا أو الصراع الإريتري/الإثيوبي في منطقة بادني، وهناك تدفق للسلاح في المنطقة يحولها إلى منطقة كوارث وبوار، من السودان إلى أوغندا.. وهناك صراع خفي على أطراف ونقاط التماس العربي الأفريقي بين الإسلام والمسيحية.. وهناك الوقود الذي يشعل كل هذه الأنواع من الصراعات الداخلية والإقليمية والحدودية والعقدية هو تنافس الدول الكبرى مثل أمريكا وبريطانيا وإيطاليا وفرنسا والصين وغيرها.
وبالتالي لم ولن يكون هناك اتفاق بين دول الجوار، وكلها لها تأثير بالصومال على مستقبل هذا البلد أو على وحدة مصيره أو لم شمل أبنائه، فالكل منشغل بتحقيق أهدافه ومصالحه، وهكذا كان الصومال يفعل أيضا إذا لم في كبوة ممتدة منذ سبعة عشر عاما!.
صحفي صومالي، ومدير المركز الصومالي للإعلام – مقديشو.
|