|
| تفجير بكفيا.. لصالح من؟ |
التفجير الذي وقع يوم 13 فبراير 2007 كعادة بعض التفجيرات السابقة يقع في منطقة مسيحية، هي "بكفيا" التي شهدت مقتل الوزير الكتائبي بيار جميل منذ وقت ليس ببعيد. وتنهمر التحليلات من قبل السياسيين اللبنانيين، كل بحسب مشربه ومذاق مطعمه، يفسر ويجتهد، لكن الكثرة من المسيحيين يتفقون على أن المقصود من هذه الاستهدافات هو الوجود المسيحي في لبنان.
هل الوجود المسيحي مستهدف؟
فمن يا ترى الذي لا يريد للمسيحيين وجودا في لبنان؟.. هل هي المعارضة التي تعتمد في إثبات وطنيتها على ركن أصيل في نسيجها، وهو "التيار الوطني الحر" الذي لا ينفي عن نفسه مرجعيته للمسيحيين وحقه في صون حقوقهم في هذا البلد؟. أم الموالاة والتي فيها أكثر من جناح مسيحي وصل بهم الإفراط في التعصب لمسيحيتهم في لبنان إبان الحرب الأهلية إلى حد التعامل مع إسرائيل والدعوة إلى فيدرالية للبنان تحافظ على وجودهم السياسي أمام التكاثر العددي والزحف الديموغرافي لشركائهم في الوطن من المسلمين بجناحيهم السني والشيعي؟. أم أن سوريا التي تحولت إلى "الشيطان الأكبر في لبنان" هي التي تتربص بهم هذا الشر العظيم؟ وإذا كان كذلك فلماذا هم دون غيرهم من الطوائف اللبنانية؟.
لا المسيحيون وحدهم جاءوا بالقرار 1559 الذي دعا إلى خروج جميع الجيوش الأجنبية من لبنان، ولا هم وحدهم الذين طالبوا بإخراج سوريا من لبنان، ولا هم الذين انفردوا من بين الطوائف اللبنانية بالتوحد والإجماع حول العداء لسوريا، ففهيم الجنرال عون الذي تتهمه الموالاة بأنه رتب صفقة مع السوريين مفادها الكف عن اتهام سوريا أو التحريض عليها مقابل وصوله لرئاسة الجمهورية اللبنانية.
أيضا هل من مصلحة سوريا، إذا سايرنا-جدلاً- قوى الأكثرية بأن عون أصبح حليفاً لها في لبنان، أن تضر بشعبية حليفها المسيحي الوحيد لصالح أحزاب مسيحية منافسة تطالب علناً بمحاكمة سوريا وحصارها وترحيل نظامها إلى الجحيم؟، ثم أليس أكثر الناس عداء لسوريا في لبنان هو الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، الذي نادى صراحة عقب اغتيال الحريري برغبته في اجتياح أمريكي لسوريا، على غرار ما فعلته بنظام صدام حسين؟ فلماذا لا تحدث هذه التفجيرات بين الدروز لإرعابهم وتمزيقهم والغالبية منهم تكاد تجمع على جنبلاط زعيما لهم في لبنان؟.
ثم أليست الطائفة السنية هي التي رجحت الكفة بإخراج سوريا من لبنان؟؟.. القاصي والداني يعرف أن المسيحيين دائماً كانوا يرغبون برحيل سوريا من لبنان، ولهذا تشكل لقاء قرنة شهوان، إلا أن مطالبهم كانت تذهب سدى لأنهم لا يشكلون الأكثرية الشعبية، وقد كانوا بحاجة إلى طائفة أخرى من الطوائف الكبرى كالطائفة السنية أو الشيعية لدعمهم في هذا، حتى جاء اغتيال الحريري في 14 فبراير 2005 لتميل الكفة السنية لصالح المسيحيين في المطالبة برحيل الجيش السوري عن لبنان، بل ذهب الأمر بالطائفة السنية إلى أنها تنازلت عن حقها في دم رئيس الوزراء اللبناني رشيد كرامي الذي اغتيل على يد سمير جعجع قائد القوات اللبنانية، والذي صدر بحقه حكم قضائي بذلك، حتى أن مفتي جبل لبنان الشيخ محمد علي الجوزو قال في تصريح له ذات يوم: "إن السنة تحالفوا مع أكثر المسيحيين تطرفاً وهي القوات اللبنانية التي كانت تذبح السنة على الهوية، وإنها تنازلت عن حقها في دم رشيد كرامي رغبة منها في بناء وطن جامع للبنانيين على اختلاف طوائفهم"، فلماذا لا تنتقم سوريا من السنة بوضع متفجرات في مناطقها وهم الذين كانوا السبب المباشر في إخراجها وهم أكثر الناس الآن مطالبة بالمحكمة الدولية؟.
لا مستفيد
إن وقوع هذا التفجير في منطقة يتنافس عليها حزبان رئيسان هما حزب الكتائب المعادي لسوريا والمحارب لها، والحزب القومي السوري الاجتماعي، الحزب الوحيد الذي خرق الطائفة المسيحية من بين الأحزاب الموالية لسوريا، يطرح تساؤلاً حول ما إذا كانت هذه التفجيرات تستهدف وجود هذا الحزب داخل الطائفة المسيحية خصوصا إذا علمنا أن قوى 14 آذار خرجت مباشرة مستبقة التحقيق كعادتها لتحمل سوريا مسئولية ما حدث، بل إن الوزير مروان حمادة المعروف بكرهه الشديد للنظام السوري لوح به لتشابه العملية بمحاولة اغتيال سابقة وقعت لضابط لبناني معني بملف اغتيال الحريري.
لسنا بصدد الدفاع عن النظام السوري ولا يعنينا ذلك، ولكن يبدو من سياق الأحداث أن هناك جهات قد تكون داخلية أو خارجية، أو داخلية وخارجية معا، متضررة من أي وفاق يتم بين اللبنانيين من جهة حيث قبيل أي تقارب يحدث بين قوى الأكثرية والمعارضة يقع تفجير أو يطرأ إشكال كبير يعرقل المساعي لذلك.
وقد تكون هذه الجهة موجودة داخل قوى 14 آذار أو داخل قوى 8 آذار أيضا. ومن جهة ثانية، فإن الواضع لهذه التفجيرات يريد أن يبعد المسيحيين في لبنان عن أي اندماج في مشروع الوطن الواحد لخلق فئات متطرفة داخل الطائفة تسعى إلى إيجاد أمن ذاتي لها وللطائفة من بعدها، بما قد يؤدي في النهاية إلى إيجاد أو خلق ميلشيات مسلحة تهدد أمن لبنان ككل وتعيد طرح موضع الفيدرالية بزخم أكبر.
فهل سيعي اللبناني أيا كان انتماؤه أو مذهبه أنها فتنة القائم فيها خير من الساعي والقاعد خير من القائم والمحارب لها خير من الجميع؟!.
كاتب لبناني
|