اليوم.. يحتفل الشعب بعيد ميلاد أديبه الكبير عبد الله المصري، عبد الله المصري كاتب عالمي اشتهر في جميع أنحاء العالم، ومؤلفاته ترجمت بكل لغات العالم، حصل على عدد ضخم من الجوائز في كل فنون الكتابة والفكر من عدد كبير من الدول إن لم يكن كلها، تواضعه الشديد يجعلك تشعر بأنه إنسان عادي بل بالعكس إنسان شديد الفقر، تحسبه شارد الذهن على الرغم من أنه يرى ويسمع بعين وأذن طفل متشوقتين للحياة، تعودنا كل سنة أن نكون معه في عيد ميلاده لنقدم له تهاني الشعب...
- كل سنة وأنت طيب يا أستاذ عبد الله وعقبى لـ 100 سنة.
- وحضرتك بالصحة والسلامة.
- ما هي آخر أخبار كتاباتك العظيمة؟
- تمهل قليلا ثم قال: سأشرع فى كتابة كتاب جديد اسمه "طفولتي".
- هل يمكننا أن نعرف أكثر عن هذا الكتاب؟
- سيكون مفاجأة بإذن الله.
خرج كاتبنا إلى شرفته المطلة على النيل بعد أن ذهب التليفزيون بكل كاميراته ومعدي البرامج والمخرجين وهو يفكر...
لا يدري لماذا قال إنه سيكتب قصة حياته فهو لم يفكر في تلك الفكرة من قبل وليس من طباعه أن يبوح للناس بحياته الشخصية وهو الذي قد وضع دائماً خطًّا فاصلاً بين حياته الفكرية والشخصية أو قلما تحدث عن أي شيء يخص أسرته، نشأته أو مشوار حياته.
ولكنه أراد أن يأتي بشيء جديد هذا العام ويثبت للناس أنه في عامه السبعون ما زال قادرا على إبداع أشياء جديدة.
ومع بداية فجر يوم جديد جلس في شرفته كعادته وانحنى على الورق ليضع أول كلمة في الجزء الأول من كتابه الجديد "طفولتي".
توقف لبرهة ثم رجع بظهره للوراء واسترخى في كرسيه الخشبي العتيق، وقد أيقن أن المسألة ليست بالسهولة التي كان يتصورها، فخمسة وسبعون عاما ليست بالقليل، وقد مضى على تلك الأيام عدد لا بأس به من الأحداث، تراكمت فوق ذكريات طفولته، ولكن طفولته كانت إلى حد ما سعيدة فجعلت تلك الذكريات كلعبة طفل تحت كومة قش وليس من الصعب على الأطفال أن يعثروا على لعبتهم، وانتابته نشوة الأطفال وروح الطفولة بقدر ما بدأ يتذكر بعض الأحداث فأخذ يطيح بذلك القش بذاكرته وكلما اقترب من القاع ازدادت سرعته في البحث عن لعبته وطفولته.
وأخذ يكتب كل الأحداث التي استطاع أن يتذكرها، ولم يكن لديه وقت كافٍ ليكتب بقية الأجزاء، فمعرض الكتاب سيأتي بعد شهرين وعليه أن ينتهي من كتابة الكتاب قبل هذا الموعد ليطبعه وينشره ويخرج لشعبه ما هو جديد هذا العام كما عودهم دائما.
توالت الأيام وانتهى كاتبنا الكبير قبل الموعد الذي حدده لنفسه وطبع الكتاب وبدأ معرض الكتاب.
دائما يفوز كاتبنا وبجائزة أكبر توزيع، ولكن ذلك العام استقبل الكتاب بحفاوة كبيرة وفاق كل التوقعات ووزع أعداداً هائلة؛ نظراً لذلك التعتيم الإعلامي والسور العالي الذي كان يفرضه كاتبنا على حياته الشخصية من قبل، وامتلأت الصحف بكلمات الثناء والشكر على هذا الكتاب.
تحمس كاتبنا في استكمال المشوار، وبدأ في كتابة الجزء الثاني "شبابي"، وتكررت الأحداث مع ذلك الكتاب أيضا، بل وصلت إلى أبعد مدى فالكتاب وصل إلى بيوت معظم شعبه إن لم يكن كله.
وفي العام الثالث وهو جالس في كرسيه العتيق، في شرفته المطلة علي النيل، يشرب الشاي ويستعد لكتابة الجزء الثالث، لفتت نظره نملة علي حافة المنضدة وقفت بجانب ذرات من السكر كانت قد تبعثرت منه.
تبسم لها الكاتب ورأى أن النملة لا شك أنها تمر بأسعد لحظات حياتها فها هو القدر يكشف لها كنزاً من الطعام لم يكن في حسبانها وهي هائمة تتجول على المنضدة.
وراقبها جيدا وهي تحمل ذرة من الذرات وتأخذها معها، فلا بد أنها ذاهبة إلى قومها لتعلن لهم عن هذا الكنز الذي وجدته، وفي طريقها قابلت نملة أخرى، ووقفا ليتحدثا قليلا ولكن فيما يبدو أنهما اختلفتا علي شيء وزادت حركاتهما وكأنهما يتشاجران فسقطت ذرة السكر.
انصرفت النملة الأولى إلى شأنها، وتتبعها كاتبنا مرة أخرى حتى وصلت إلى جماعتها، ثم مضت مرة أخرى تسبق الأخريات لتريهم طريق ذلك الكنز.
ولكن القدر لم يسعفها ليحتفوا بها فقبل أن تصل إلى السكر بقليل جاءت ريح خفيفة أطاحت بتلك النملة من الشرفة نهائيًّا وقدر للنملة الموت بالتأكيد.
عجب كاتبنا من تلك الكائنات الصغيرة، فها هو يأخذ الحكمة منهم فلقد رأى أن الحياة كتاب واحد لا يتجزأ إلى قدر سعيد وقدر حزين فلينظر الإنسان إلى حياته نظرة شاملة، وقرر أن يضم كتاب "طفولتي" و"شبابي" والجزء الثالث في كتاب واحد.
بالطبع لم تحْظَ تلك الفكرة بقبول الناشرين ولا القراء فالكتاب أصبح ذا حجم كبير جدًّا يحمله الناس بصعوبة بالغة، ولكنه كاتبنا والكلمة كلمته والرأي رأيه والرجل صاحب فكرة هنا، لم تكن تلك الفكرة فقط التي استنبطها كاتبنا من النمل بل قرر أن يعيد الكتابة في الجزأين السابقين، ويكمل الكتابة إلى أن يصل سنه هذه، مع مراعاة كتابة تفاصيل كل ما حدث ويحدث له بكل صراحة ووضوح واستفاضة.
إذن لقد بدأ مشواره الجديد الأصعب، ولكنه لا يصعب على كاتبنا، وأخذ يكتب آناء الليل والنهار ولا ينام إلا عدة ساعات قليلة لا ليرتاح بل لعله يحلم بأي شيء يذكره بالماضي.
وتوالت السنين وكاتبنا يكتب، والكتاب يكبر حتى وصل إلى حجم لا يستطيع المرء أن يحمله بمفرده لا لثقله فقط بل لعدم عملية تلك الفكرة أكثر.
أصبح كتاب "حياتي" حديث الشعب كله، وأصبح له جناح خاص في معرض الكتاب وانتشر في الشعب كالنار في الهشيم، وأصبح وجوده في البيوت دليل ثقافة سكان ذلك البيت حتى أصبح زاد المثقفين وتقليعة الأغنياء، فقد أصبح ينشر في أغلفة عديدة الألوان فيطلب مثلا من الناشر بلون معين "حياتي أحمر" أو "حياتي أخضر"، وتعددت أنواع الأغلفة من القماش الفاخر والجلد والخوص أحيانا للمصايف، حتى أن أحدهم طلب أن يكون الغلاف من الحرير ليضعه "كمخدة" في حجرة نومه.
وخرجت علينا التفاسير والمفسرون يفسرون الكتاب، وأصبح هناك برنامج أسبوعي في الإذاعة والتليفزيون عن كتاب "حياتي"، وظهرت الملابس والصور والأغاني تغنى من كلمات "حياتي"، لقد أصبح "حياتي" آفة العقد.
كان قد وصل بريد كاتبنا آلاف بل مئات الآلاف من الرسائل ولكنه لا يفتحها، فليس لديه الوقت، فكل ما يفعل هو الكتابة المتواصلة ليلا ونهارًا ومقابلة الناشر مرة واحدة في الشهر يسلم له آخر ما كتب، ويواصل كتاباته.
في عامه الخامس والثمانون كان قد وصل في الكتابة إلى تلك اللحظة وكتب "أجلس هنا لأكتب كتاب حياتي في عيد ميلادي الخامس والثمانين ووضع كلمة "النهاية وللكتاب بقية".
عشرة أعوام من العمل الشاق بالتأكيد تحتاج إلى راحة طويلة وأحسن مكان لقضاء تلك الراحة في نظر كاتبنا على شاطئ البحر، حيث يستمتع هناك بالهدوء والشمس والهواء المنعش والمنظر الخلاب، أخذ كل الرسائل التي وصلته في العشرة أعوام الأخيرة معه في رحلته.
وصل إلي شاطئ الأبيض وبالتحديد مرسى مطروح ووضع أمتعته وذهب مباشرة إلى الشاطئ وأخذ معه عددًا لا بأس من الرسائل ليقرأها على البحر في ذلك الهدوء البديع الذي لا يكسره سوى صوت تتابع موجات البحر الهادئ.
بدأ يفتح الخطاب تلو الآخر وهو لا يصدق ما يقرأ فكل ما ركز عليه، وسأل عنه القراء كان ينصب على تفاصيل حياته الشخصية التي كان يكتبها فقط ليضع الصورة الشاملة والصريحة أمامهم، وليضع شيء من التشويق لحياته المليئة بالفكر، لا ليسألوا ويركزوا عليها فقط، لقد تركوا ما هو هام من فكر وعلم، وتشبثوا بما هو ثانوي وتافه.
حزن حزنا شديدا على كل ما بذله من جهد لإخراج ذلك العمل الفكري، وقرر أن يقطع إجازته فورا، وذهب إلى جناح حياتي وأمر بغلقه وكتب على بابه تلك الرسالة: "لا تذكروا خلافات النمل وأقداره واذكروا أعماله".
ثم رحل إلى الشاطئ مرة أخرى ليستريح قليلا، ويكتب شيئاً آخر يفيد البشرية وترك العالم كله في ذهول!
تقول الأديبة والناقدة/ عزة سلطان:
ارتباك واضح وجلي يسود الأجواء العامة للقصة، ربما هذا الانطباع هو أول ما تخرج به بعد قراءتك لقصة حياتي والتي يحاول الراوي فيها أن يحكي حكاية أحد الكتاب المشهورين والذي نلمح منها أنه يتحدث عن شخصية أشبه بالأديب العالمي نجيب محفوظ، الارتباك يبدأ من استخدام الضمائر الواضح من الجملة الأولى فلا تستطيع أن تعرف من هو مقدم الحفل هل هو رجل أم امرأة فهو يحكي عن المقدم بالصيغتين متبادلتين في مواقع عدة فيقول مثلا: بوصفها الشديد يجعلك تشعر بأنه إنسان عادي بل بالعكس إنسان شديد الفكر تحسبه شارد الذهن على الرغم من أنه يرى ويسمع بعين وأذن طفل متشوقتين للحياة. تعودنا كل سنة أن نكون معه، استخدم القاص الهاء الدالة على الأنثى في كلمته الأولى واستخدم الهاء الدالة على الذكر في كلمته الأخيرة مما يشعر المتلقي بالارتباك البين، والأخطاء الإملائية التي ملأت العمل زادت من ارتباكه.