|
| د. محمد علي آذر شيب |
صعدت قضية التقريب بين السنة والشيعة على سطح الأحداث في منطقة الشرق الأوسط هذه الفترة في ظل سياقات سياسية لا تشجع على التقريب، وأحداث تختزن قدرا من المرارات على خلفية القتل الطائفي في العراق، والأزمة السياسية في لبنان التي يسعى البعض إلى إلباسها لباسا مذهبيا.
وفي هذا الحوار نسعى لتفكيك عدد من القضايا حول التقريب السني الشيعي مع الأكاديمي الإيراني الدكتور "محمد علي آذرشيب" الأستاذ بجامعة طهران، وعضو المجمع العالمي للتقريب بإيران، ورئيس مركز الدراسات الثقافية الإيرانية العربية.
ومن القضايا التي طرحت في الحوار تأثير ما يجري في العراق على مسألة التقريب، ودور المرجعيات الدينية وقدرتها على وقف الاحتقان والاقتتال الطائفي، ورؤيته لمستقبل التقريب الذي يبدو -وفقا له- غير مبشر في ظل التراجع الذي تشهده الأمة الإسلامية.
أحداث العراق والتقريب
- هل ترى أن مسألة التقريب تتأثر بالوضع السياسي وما يجري في العراق؟
الوضع القائم في العراق سياسي بامتياز، والمشاكل ناتجة عن الاحتلال والاحتقان وعن الوضع الذي كان قائما أيام النظام السابق وانعكاساته، وما جر إليه من وضع نفسي ووضع طائفي في العراق، فليس الوضع إذن مذهبيا.
لأنك إذا قلت إن القضية مذهبية، لقلت إن هناك اختلافا في المسائل الفقهية والمسائل الكلامية... إلى آخره، لكن الاختلاف الموجود اليوم في العراق لا يقوم على أساس قواعد فكرية أو قواعد فقهية أو كلامية، وإنما يقوم على أساس تحزب وتكتل وتشرذم وتصارع تغذيه عوامل خارجية، وتستغل ظروف التخلف الفكري، والعُقد التي خلفها النظام البائد في نفوس العراقيين، وهذه كلها من إفرازات الوضع القائم أيام الرئيس الراحل صدام حسين.
- من الملاحظ أن الخبرة التاريخية تشير إلى أن الخلاف السياسي ينتقل إلى المذهبي، ثم يتحول إلى نوع من التنظير للمذهب، فالسياسة تنعكس على المذهب، ثم يبدأ نوع من التحصن العلمي والثقافي تجاه الطرف الآخر، المختلف معه سياسيا في الأساس؟
نعم، يوجد في التاريخ شيء من ذلك، لكن في واقعنا لا نشهد ذلك، في التاريخ شهدنا اختلافات سياسية تبلورت إلى خلافات فقهية وكلامية، أما الآن فمسألة الكلام والفكر غير مطروحين على الساحة ليكونا عامل انفصال وعامل تفرقة ومواجهة.
البداية سياسية والنهاية سياسية، وأظن كل اللافتات التي ترفع هي شعارات يتمترس حولها هذا وذاك، وليست لها علاقة بالدين.
في اعتقادي لو انتهت الاختلافات الطائفية في العراق لبرزت اختلافات قومية وأخرى إثنية وعشائرية بين السنة والسنة، وبين الشيعة والشيعة، وبين الأكراد والتركمان، وهذه طبيعة حالة الركود والتخلف التي تفرز هذه المشاكل، وليس هناك أمام الأمة الإسلامية للوقوف أمام الحالة العراقية سوى أن تجتمع لتضع المشروع الكبير الذي ينبغي أن توجه إليه أنظار العراقيين وطاقاتهم، وهو المشروع الوطني القومي، واتحاد العراقيين نحو أهداف وطنية واحدة، هذا ما ينبغي أن يكون، أن يوضع أمام الشعب العراقي بكل فصائله ومذاهبه وقومياته أهداف كبيرة يوجه العلماء هؤلاء الجماهير العراقية إلى تحقيقها، ساعتها سوف يتعالون على ما فيهم من جراح، وإلا فالتجزئة سوف تبقى، والمشاكل سوف تتضخم.
- يتحدث البعض عن نوع من الثأر الشيعي العراقي من النظام السابق في شخوص السنة، بمعنى أن المظلومية الشيعية التي تعرضوا لها أثناء نظام صدام حسين والذي تعرض لها الشعب العراقي بأكمله أيضا، يحاول الشيعة ترجمتها إلى نوع من السيطرة على مفاصل الدولة.. فما رأيكم؟
في اعتقادي، هذا غير صحيح لأسباب:
أولا: لأن العراقيين كانوا متعايشين مع أهل السنة وبينهم زواج وعلاقات وروابط جوار وتآخ أكثر منه تعايش، والشيعة في رأيي يفصلون تماما بين النظام الذي كان يحكم في العراق وأهل السنة، ثم بعد ذلك، اسمح لي أن أقول إنه بعد انهيار نظام صدام دخلت الجماهير جميعها تردد (لا سنية لا شيعية.. إسلامية إسلامية ) دليل على استشعارهم الخطر الذي يمزق اللحمة الوطنية بين السنة والشيعة؛ ولذا نهضوا جميعا يواجهون الخطر الذي يمكن أن يحدث.
ثانيا: الاحتلال -وهذا رأيي الخاص- استطاع تعبئة السنة ضد الشيعة، والشيعة ضد السنة تحت عناوين مختلفة عن طريق إثارة انفجارات مفتعلة وحساسيات، أدى ذلك إلى أن تخرج الأمور عن سيطرة الحكومة والمراجع، ودخلنا في حالة هستيرية من القتل في العراق نتيجة الثأر، وهي عملية عندما تتصاعد لا يمكن حدها بموعظة أو بيان أو فتوى، وإنما يجب أن تكون هناك حالة أمنية يجب أن يسيطر عليها، ولكن الملف في يد الأمريكان فقط في الواقع، وإن كان يبدو أن الملف الأمني يُعطى للحكومة العراقية في بعض المدن، لكن هذا غير صحيح.
الاحتلال وإثارة الطائفية
- كلام حضرتك يثير تساؤلين: الأول: أن الاحتلال لعب دور العامل الوسيط الذي حرك
|
|
محرر النطاق الثقافي، مصطفى عاشور ود. آذر شيب
|
الحساسيات من باطن النفوس إلى سطح الأحداث. والثاني: أن المرجعيات الشيعة لها خصوصية -طبقا للمذهب- في السيطرة على الأتباع أكثر من دور العلماء السنة؟
لا أقول إن الاحتلال فقط حرك الحساسيات، ولكنه خلق نوعا من الحساسيات في النفوس التي لم تكن بها، وأوجد لهم عدوا موهوما، وهذا شاهدناه في كثير من الظروف، فمثلا نجد تيارا من التيارات كان يحارب بجانب السنة في الفلوجة ومناطق أخرى، ولكن دخل الاحتلال وأثار نوعا من الحساسيات في هذا التيار بالذات بحيث جعل هناك مواجهة بينه وبين أهل السنة.
وهناك أمثلة مشهودة في كثير من الأمور في بغداد وأمثالها على أنه خلق الحساسيات ولم يستثرها فقط.
وفي جانب آخر، المرجعيات -يا أخي- صحيح أن الناس يتبعون مراجعهم في التقليد والفتوى في الحالة العادية والهادئة، لكن عندما تثور الفتن والعصبيات، وتخلق حالة هستيريا في المجتمع فلا يستطيع أحد أن يمسك زمام الأمور.
- ربما يدعم ذلك تصريح السيد السيستاني أنه نفسه لا يستطيع وقف حرب أهلية.
لا يحتاج الأمر إلى تصريح، هذا واقع، عندما تكون هناك موجة عارمة من العواطف المتأججة، وروح الانتقام، فلا يمكن السيطرة عليها، فقط الأمن وحده يستطيع ذلك.
- لكن، دكتور، هذا لا يعفي المرجعيات مما نسميه التبرئة، بمعنى أن دور العالم أو المرجع أن يقول كلمته، وليس مطالبا أن ينزل بها إلى مستوى التنفيذ.
في هذا المؤتمر (مؤتمر الدوحة السادس للتقريب بين المذاهب) بالذات تلقيت كتابا أعطاني إياه الإخوان، فوجدت فيه كل مواقف السيد السيستاني، وهي جميعها تدعو إلى التهدئة وتحريم سفك الدماء وتدعو لوحدة التراب العراقي، ولكن على كل حال، الدعوة والفتوى واتخاذ الموقف شيء، وإنزاله إلى الحياة العملية شيء آخر.
عتاب القرضاوي
- عتابك على الشيخ القرضاوي في المؤتمر كان أشبه بالحجر الذي حرك كثيرا من المياه، أو كثيرا مما في النفوس، ألا تشعر أن هناك نوعا من الاحتقان الذي يحتاج إلى الصعود إلى السطح لكي يناقش بصراحة؟
في الواقع، هذا كلام صحيح، أنا شعرت بوجود الاحتقان، لكن هل هذا الاحتقان يجب أن يصعد إلى السطح أمام الإعلام أم لا؟ في اعتقادي أن المصارحة يجب أن تكون، ولكن بالشكل الذي يساعد على التقريب لا على الاستفزاز، بعبارة أخرى، هناك اختلاف قائم على أساس اجتهادات علمية، واختلاف قائم على أساس الجهل، الاختلاف القائم على أساس اجتهادات علمية يمكن تناوله في المحافل العلمية البعيدة عن أضواء الإعلام؛ لأن هذا حين ينعكس على الجماهير يؤدي إلى فتنة، أو على الأقل يزيد نار الفتنة.
أما الاختلاف الناشئ عن الجهل فيحتاج إلى تثقيف، والتثقيف إذا قرن بالاستفزاز يؤدي إلى مردود عكسي، التثقيف هو رفع مستوى الفكر الجماهيري إلى آلام وآمال يعيشها الواقع الاجتماعي وتعيشها الأمة في مستقبلها وأيامها القادمة.
إذا نحن وقفنا أمام الإعلام والفضائيات وتحدثنا بالمكبوت في النفوس -كما في هذه الحالة- وأخرجناها بشفافية إلى الخارج، ماذا ستكون رسالتها إلى الجمهور؟ يعني على سبيل المثال، العراقيون الذين سيشاهدون هذه الندوة إما أن يخرجوا بنتيجة أن العلماء متفقون، ولكن الاختلافات بسيطة والاشتراكات كثيرة جدا، فيخفف هذا من غلوهم، وإما لا، وسوف يخرجون ساعتها بنتيجة أن الأمور مشتعلة وملتهبة.
يعني، نحن في الواقع اليوم أمام إعلام يحتاج إلى نوع معين من المواجهة، لكن هذا الاحتقان موجود، ثم إن هناك مشتركات وهناك اختلافات، لو ركزنا على الاختلافات، وكأننا أمة، وأنتم أمة، وكأنه لا يوجد أي مشترك بيننا، فهذه هي المصيبة التي سوف تؤدي إلى انفجار الموقف أكثر وأكثر.
المشكلة ليست مشكلة العراق، بل هي مشكلة المنطقة كلها، هناك خطة لإثارة الاختلافات على مستوى كل المنطقة من أجل الهيمنة والسيطرة، لو تلاحظ هذه الاختلافات أثيرت في بداية الثمانينيات وأثيرت الآن، ولا بد أن يكون هناك شيء مشترك بين هذين الموقفين اللذين تثار فيهما، وأنا في اعتقادي أن هذه الإثارات فقط لتفويت فرص عظيمة على الأمة كي تتحد، وهذه من الأمور التي نشاهدها دائما في التاريخ المعاصر.
توظيف سياسي للمذهبية
- ولكن ألا ترون أن السياسة تلعب بالجميع، لنكن صرحاء، في إيران يحدث نوع من التوظيف السياسي لمسألة التقريب، وفي عالمنا العربي يوجد نوع من اللجوء للمذهب لمقاومة الضعف السياسي الموجود، وبالتالي هناك توظيف للدين في عملية سياسية بحتة، بمعنى أن إيران تتعامل بمنطق الدولة، ودولنا تتعامل بمنطق الحماية، أو محاولة دفع المشروع السياسي الإيراني إلى أبعد قدر ممكن؟
سؤالك يدل على حسن ظنك بالقرار السياسي والوضع السياسي القائم. هل القرار السياسي بيد العالم الإسلامي أم بيد غيره؟ المشكلة أن القرار السياسي قد فلت من يد العالم الإسلامي وأصبح العالم الإسلامي مثل أحجار الشطرنج يلعب بها من أجل تحقيق مصالح الشركات الكبرى الأمريكية والصهيونية، هذه الحالة نشاهدها في دارفور والعراق ولبنان وأفغانستان.
كل هذه الإثارات التي نشاهدها هدفها واحد، وهو توفير الظروف لهيمنة الشركات العالمية الصهيونية والأمريكية، ولذلك في اعتقادي الخطر هنا أن توظف الاختلافات السياسية لهذا الهدف، وليس الخطر أن يكون الدين داعما لسياسة الدولة وظهيرا لمشروعها ولتقويتها. الدين والدولة إذا اتحدا في مشروع واحد تصبح الدولة قوة قائمة على أساس جماهيري، لكن الخطورة أن القوة المهيمنة تستخدم الاختلافات بما فيها الاختلافات الدينية من أجل تحقيق مصالحها.
- يحدث الآن في العالم الإسلامي نوع من التوظيف السياسي للمذهب كاستخدام إيران التقريب كمظلة للدخول إلى المنطقة.. هذا ما يتردد في أوساط المثقفين، هل تتفق مع ذلك أم تختلف؟
أنا لن أدافع عن إيران، حتى لا أكون في جبهة والآخرون في جبهة أخرى، كلنا في جبهة واحدة، إيران إذا كان قصدها استفزاز العالم العربي عن الطريق المذهبي فهذا بعيد عن العقل والمنطق، المصالح القومية الإيرانية -دعنا من المصلحة الدينية والعقائدية- المصلحة الوطنية تتطلب مد جسور الثقة مع العالم العربي، وفعلت ذلك منذ اليوم الأول لانتصار الثورة، حاولت أن تفعل ذلك، لكنك تعلم أن الحرب الإيرانية العراقية أساءت لهذه العلاقات، وما أن وضعت الحرب أوزارها حتى تعالت إيران على الجراح ومدت يدها إلى كافة البلدان العربية، وأقامت علاقات معها حتى تلك الدول التي كانت تمد هذه الحرب بالوقود أقامت معها علاقات، ومن مصلحتها أن تفعل ذلك؛ لأنها إذا ابتعدت عن العالم العربي سوف تبتعد عن هويتها الإسلامية التي تتطلب اقترابا من العالم العربي.
العرب والإسلام مرتبطون لا يمكن الفصل بينهما على الإطلاق، إذا كنت تريد أن تحافظ على هويتك الإسلامية في إيران فلا بد أن ترتبط بالعالم العربي، هذه مسألة ربما لا يفهمها العرب، العالم العربي بالنسبة لإيران هو الكعبة، والهدف، والأمل، ربما لا تدري أنه إذا عز الإسلام وذل العرب ذل الإسلام في إيران، فذل العرب وعزهم يؤثر علينا مباشرة.
ثم لا أدري كيف يمكن أن يكون التقريب وسيلة للإساءة للعرب أو التغلغل داخلهم؟ التقريب وسيلة تجمع بين المذاهب في العالم الإسلامي، وهو ليس بدعة ابتدعتها إيران، إنما هي بدأت من مصر من القاهرة، وتبنتها إيران كوسيلة ارتباط لا وسيلة انفصال أو تدخل.
اسمح لي، نحن نغفل شيئا مهما، وهو الاختراقات، هناك عتاب دائم على إيران أنها تدعو إلى التشيع في العالم العربي، الحديث واسع في ذلك، لكن لا تغفل وجود أفراد يدعون إلى التشيع من أجل الإساءة إلى الشيعة، والإساءة إلى علاقة إيران بالعالم العربي، ففي بعض من البلدان العربية توجد مجموعة متشيعة تابعة لمخابرات تلك الدولة من أجل الإساءة للتشيع، والعلاقات بين إيران والعالم العربي.
- وربما يؤكد هذا أنه عندما بدأ التحرك الإيجابي بين مصر وإيران يكشف عن تنظيم شيعي معين..التوقيت يثير نوع من الدهشة.
نعم، هناك أيضا توظيف من المخابرات البريطانية لهذا الأمر فهي تعمل أيضا على إثارة النزاع بين إيران والعالم العربي عن طريق هذا النوع من الاختراقات، ولدينا أدلة ومفردات، ولها كذلك تدخلاتها في إيران حيث تعمل على إثارة الإيرانيين ضد السنة، والتشجيع على ظهور بعض الكتب المعادية للسنة داخل إيران، وهذا شيء طبيعي، أنا لا أعتب على بريطانيا أو مخابراتها، بل أعتب علينا لأننا نُستفز ونُخترق "ما دخل اليهود من حدودنا، وإنما تسربوا كالنمل من عيوبنا" الضعف فينا، فنحن نُخترق ونُحرك ويُلعب بنا كأحجار الشطرنج، وهو ما يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار في مسالة اللوم والعتاب، وهذه حقيقة وعندنا أدلة عليها.
السنة في إيران
- لو عدنا إلى مسألة التقريب مرة أخرى، يتردد أن السنة في مدينة طهران يتجاوز عددهم مليون سني، وليس لديهم مسجد خاص بهم. الأمر الآخر: إذا كنا نريد تقريبا حقيقيا فلا بد من تحويل التقريب إلى حركة اجتماعية، بمعنى أن ينزل التقريب إلى المجتمع، فعلى سبيل المثال، لا يوجد من الشيعة من يسمي أبا بكر أو عمر، بالإضافة إلى ذلك ما يتعلق بالتقريب بشكل جزئي مثل مسألة سب الصحابة، والواجب على المرجعيات الشيعية الكبرى أن تصدر إدانة واضحة في ذلك.
أولا: تعامل إيران مع أهل السنة مسألة واسعة وتعرف أنها من الإثارات الكبيرة على الفضائيات والإنترنت.
واسمح لي أن أقول: أهل السنة كانوا في زمن الشاه مضطهدين إلى أبعد الحدود، وهذه المعلومة لا يعرفها إلا من يعرف وضع السنة في إيران في زمن الشاه، بعبارة أخرى، كان الشاه يعتبر نفسه حامي حمى الشيعة في العالم، ولذلك تعامل مع أهل السنة في إيران تعاملا لا يليق بالتعامل مع مواطنين عاديين، فكانوا مهمشين، ولم يكونوا ممثلين في مجلس الشورى، ومدارسهم مخربة، وعلماؤهم كانوا بدون مكانة اجتماعية.
لكن مع قيام الجمهورية الإسلامية، الحق والإنصاف يقال، أنا لا أريد أن أدافع عن ذلك، إنما منذ اليوم الأول للانتصار ركزت الثورة على ضرورة إعطاء فرص لأهل السنة أكثر من الشيعة؛ لتجاوز حالة التخلف الموجودة، وسمت مناطقهم المناطق المحرومة، وركزت هناك على بناء الجامعات والمدارس السنية، وتزويد المكتبات بالكتب وإعطاء مرتبات ومكانة اجتماعية للعلماء، وإعطاء السنة حصة محددة داخل مجلس الشورى.
البعض تحدث عن أن مجلس صيانة الدستور يمنع أحيانا بعض أهل السنة من ترشيح أنفسهم للمجلس، هو أيضا يمنع بعض الشيعة، فهو مكلف بمنح صلاحية الترشيح لمن له صلاحية، سواء كان سنيا أو شيعيا، ليس هناك إقصاء على الإطلاق للسنة، إنما العدد المحدد لأهل السنة في المجلس لا يتغير في كل دورة، مستندا على المناطق السنية الموجودة في البلاد.
الشيء الآخر، وهو التساؤل حول عدم دخول السنة الوزارات، أؤكد على أن أهل السنة كانوا مبعدين عن الدراسة والعلم والجامعة، الآن بدءوا في دخول الجامعة، فهؤلاء يحتاجون إلى مدة كافية؛ لكي يأخذوا درجات عالية ويتخصصوا ويدخلوا الحياة الاجتماعية.
أما بالنسبة لمسألة تسمية الأبناء بأسماء إخوانهم، في الواقع قضية الاختلاف بين الصحابة ليست جديدة علينا. الاختلاف كان قائما منذ يوم السقيفة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وانقسم الناس إلى شيعة علي وشيعة معاوية، هذه ليست جديدة، هذا أولا.
ثانيا: الأسماء عادة اجتماعية، فابن علي بن أبي طالب كان اسمه عثمان، وأبناء بعض أئمة أهل البيت كان اسمه عمر أو عثمان، فهذا ليس موقفا عقائديا أو مبدئيا، إنما هي عادة اجتماعية لا تؤثر كثيرا، فعندما يسمون عليا وفاطمة يدخلون في نفس الدائرة السنية، وكان أحد المصريين قد قال لي مرة: أنتم تسمون أبناءكم الحسن والحسين، ونحن نسمي حسنين، فنحن أكثر التزاما منكم بأهل البيت.
وبالنسبة للمساجد، يوجد الآن مسجد في ضاحية من ضواحي طهران تسمى (فرج)، المشكلة أمنية كما يقول المسئولون، يحكمها الخوف من أن يتحول المسجد أحيانا إلى إثارة الفتن، وأنت تعرف أن مرقد الإمام الرضا في مشهد فُجر تفجيرا عظيما وقتل العشرات وأصيب المرقد بأضرار كبيرة، وهو مكان مقدس، تقول الأجهزة الأمنية: بعد الحادث بدأنا برصد بعض مساجد أهل السنة في إيران فوجدنا جماعة جاءت تفجر مساجد في( زاهدان) عند أهل السنة بعد الحادث، فأمسكناها ووجدنا أنها نفسها التي فجرت المرقد. فكانت تسعى للإثارة، والمشكلة هنا أن المناطق التي بها أكثرية سنية تجد أكثر مساجدها سنة، والعكس صحيح، ثم إن المساجد لله، فلماذا نقول مسجد شيعي ومسجد سني، هذه هي المشكلة التي يجب أن نتجاوزها.
- لكن تحت الحجة الأمنية في العالم العربي يتم تبرير كثير من الأمور.
قضية الأمن حقيقة واقعة، أحيانا تتخذ كشعار، وأحيانا كوسيلة للوقاية، وأحيانا كذريعة، وأحيانا كدليل واقعي، وقد يخيل إليهم أنها دليل واقعي.
التنافس بين قم والنجف
- لو عدنا لمسألة المرجعيات. يتردد في العالم العربي أن هناك تنافسا بين قم والنجف يؤدي إلى نوع من الشحذ الطائفي والتحصن داخل المذهب، ومحاولة تبني خطاب إلى حد ما فيه نوع من التطرف والإقصاء، في محاولة للاستحواذ على الشارع الشيعي.. هل ترون أن ذلك موجود بالفعل؟
أنا لا أجد شيئا من هذا القبيل، على حد معلوماتي لا أعرف أن هناك تنافسا بين المرجعية الشيعية في قم أو في النجف، ولماذا يتنافسان، والهدف واحد، وكلاهما قد فقد زمام السيطرة على الأمور، على أي شيء يتنافسان؟َ!
- التنافس في السيطرة على الشارع؟
الشارع مفقود السيطرة عليه في العراق، وكذلك في قم وطهران.
- لكن هل ترون نوعا من الانفصال بين القيادة الفكرية والقيادة الميدانية سواء على المستوى السني أو الشيعي، وهو ما يجعل القيادة الميدانية هي التي تفرض رأيها، ثم على القيادة الفكرية أن تبرر أو أن تتخذ موقفا؟ بمعنى أن القيادة الميدانية في الشارع التي تقاوم الاحتلال، أو داخلة في بنية السلطة خاصة في الحالة العراق لا تسيطر القيادة الفكرية والدينية عليها، ومن ثم ما يحدد الأمور على الأرض هي القيادات الميدانية. فهل هذا يعرقل التقريب؟
أنا أرى أنها قضية سياسية وليست لها علاقة بالتقريب بين المذاهب الإسلامية؛ ولذلك أجد أن دعاة التقريب يجب أن يواجهوا الحالة الشعبية لتكون منسجمة مع الحالة الدينية القائمة في المجتمع.
أخيرا، هل تعتقد أن هناك جدوى من التقريب، خاصة مع ما استشعرناه في المؤتمر مما في نفوس الطرفين؟ هل هذا الشعور قد يكون عائقا في التقريب، خصوصا أن البعض غير مقتنع بجدوى التقريب؟
هذا اليأس من جدوى التقريب نابع من عدم فهم لمعنى التقريب، فهو ليس توحيد الأفكار الفرعية والجزئية، وصبها في قالب واحد، هذا التفكير من إزالة أي نوع من التنوع وصب أفكار الناس وعواطفهم في قالب واحد أمر غير وارد وغير صحيح، لكن ينبغي أن يكون هناك توحيد في المواقف. لا بد من موقف موحد بين المسلمين تجاه القضايا الإسلامية والعامة، أما الاجتهادات فيجب أن تكون باقية، وأما إذا أردنا أن نوحد مواقفنا في كل مواقف التاريخ وفي كل القضايا فهذا غير وارد على الإطلاق.
لكن، ما هي أبرز العقبات في سبيل التقريب من خلال رؤيتك الفكرية والتجربة العملية؟ وأنا أعرف أنك تتعرض للوقوف في موقف المدافع؟
هذا موقف ليس فيه دفاع، ولكن تشخيصي أننا نعاني من الركود الثقافي، هذا الركود ينتج عنه ركود وتخلف حضاري، وهو العقبة الأولى أمام وحدة الأمة الإسلامية، فهي اليوم لا يوجد لديها مشروع يوحد طاقاتها ويحركها نحو تحقيق أهداف سامية؛ ولذلك فهي تعيش ذاتيتها وأطرها الصغيرة في مكانها.
- رؤيتك لمستقبل التقريب؟
رؤيتي لمستقبل التقريب غير مبشرة بالخير، خاصة مع ظروف التراجع الكبير التي تعيشها المنطقة، المستقبل يرتبط بقرار هذه الأمة أن تستعيد عزتها، وهذا القرار تأتي له ظروف، وتتوفر له الفرصة؛ لكي يتحقق، ويحدث له تطويق وتراجع وتحجيم لهذه الروح. وأنا أشعر أن العالم الإسلامي يعيش في هذه الظروف في حالة تراجع ثقافي وحضاري وإحباط، وهو ما يؤدي لمزيد من الانقسام ومزيد من التشرذم، ولكن لو أتيحت له الظروف ليستعيد ثقته وعزته وكرامته، عند ذلك سيتغلب على هذه الحالة.
مدير تحرير نطاق "ثقافة وفن" في شبكة إسلام أون لاين.
|