English

 

الثلاثاء. فبراير. 13, 2007

أخبار وتحليلات » العالم الإسلامي » إيران

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

معهد واشنطن: إيران حائرة بين المواجهة والمهادنة *

باتريك كلاوسون

ترجمة - مروى صبري

Image
باتريك كلاوسون
من المتوقع أن تعلن إيران خلال الذكرى السنوية للثورة الإسلامية في الحادي عشر من فبراير إحرازها تقدمًا هائلاً ببرنامجها النووي بعد أسابيع من العمل الدءوب بمنشأة "ناتانز" لتخصيب اليورانيوم (أعلنت إيران تأجيل هذه المفاجأة حتى شهر إبريل القادم)، وأفضل استجابة غربية لهذا الأمر هي الإبقاء على نهج متشدد حيال طهران حتى تتجلى نقاط الضعف الجوهرية أمام قادتها، وإذا ما انضمت أوروبا وروسيا والصين إلى الولايات المتحدة لممارسة ضغوط أكبر على طهران، ستتحسن إمكانات تحقيق النجاح الدبلوماسي في نهاية الأمر، وعلى الجانب الآخر، بدون إحراز طهران لإنجاز نووي كبير، تبقى احتمالات اتخاذ عمل عسكري وشيك بالغة الضآلة.

في 23 ديسمبر عام 2006، مرر مجلس الأمن الدولي القرار 1737 الذي يلزم طهران بضرورة تجميد جميع أنشطتها بمجالات تحويل اليورانيوم وتخصيبه وأنظمة إطلاق الأسلحة النووية (الصواريخ) وبناء مفاعل نووي يعمل بالماء الثقيل، وبدلا من الانصياع للقرار، مضت إيران قدمًا في هذه الأنشطة. على سبيل المثال، وضعت نصب أعينها هدفًا هو حيازة 3000 جهاز طرد مركزي يستخدم في تخصيب اليورانيوم بحلول 11 مارس 2007 (نهاية العام حسب التقويم الإيراني)، إلا أنه لحسن الحظ برغم احتمالات أن يتوافر لدى إيران مكونات تكفي لتجميع مثل هذا العدد من آلات الطرد المركزي، تبدو حتى الآن عاجزة عن حل مشكلة فنية تتمثل في كيفية توفير البيئة الملائمة لعمل 164 جهاز طرد مركزي تعمل معًا، وقد تعمل لساعات عدة في بعض الأحيان. في الواقع، إن الإسراع نحو تجميع مثل هذا العدد الضخم من أجهزة الطرد المركزي قبل إيجاد حل لهذه المشكلة قد يسفر عن إبطاء عجلة البرنامج النووي.

نقاط الضعف الإيرانية

يعكس عناد طهران قناعة بأنها في وضع إستراتيجي قوي بدرجة تمكنها من تجاهل الضغوط الخارجية، عام 2006، أثمرت أسعار النفط المرتفعة عوائد حكومية قياسية، في الوقت ذاته، حظي حلفاء طهران بمكاسب في العراق ولبنان والمناطق الفلسطينية، بينما ما تزال الولايات المتحدة عالقة بمستنقع العراق وأفغانستان، ومع ذلك، فإنه كلما طال أمد الأزمة النووية، كلما اتضحت نقاط الضعف الجوهرية لدى إيران أمام قادتها، الأمر الذي قد يجبرهم على اتباع موقف أكثر حرصا.

المشكلات الاقتصادية: تعتمد طهران بصورة بالغة على النفط، ولكن نظرا لغياب استثمارات جديدة، يتضاءل الإنتاج النفطي للحقول القديمة بمقدار 360.000 برميل يوميا كل عام، طبقا لما صرح به "غلام حسين نزاري" المدير الإداري للشركة الإيرانية الوطنية للنفط، وجراء التوجه الإيراني الصارم إزاء الاستثمار الأجنبي بهذا القطاع، كانت الجهود المحلية الدءوبة لتنمية مصادر جديدة العامل الوحيد الذي حافظ على مستوى الإنتاج من الانخفاض، وجاءت أسعار النفط المرتفعة لتنقذ طهران خلال السنوات الأخيرة.

بيد أن هذا الوضع قد يتغير قريبا، حيث تتوقع الوكالة الدولية للطاقة الذرية زيادة المعروض النفطي من مصادر خارج الدول الأعضاء بمنظمة "الأوبك" بدرجة تفوق زيادة الطلب العالمي على النفط عام 2007؛ ما يعني أن الطلب على النفط سينخفض بصورة هامشية، وتعتمد مسألة بقاء أسعار النفط عند مستوى مستقر فقط على استعداد السعودية خفض إنتاجها.

وكان من شأن السياسات الاقتصادية التي انتهجها الرئيس "محمود أحمدي نجاد" أن أضرت بجميع الإيرانيين تقريبا، فتفاقمت المشكلات الهيكلية الكامنة بالبلاد، حيث خلف الإنفاق الحكومي المفرط على مشروعات غير ملائمة تداعيات سلبية على الاقتصاد وأسفر عن ارتفاع الأسعار، ولم يقتصر تأثير ذلك على الأفراد ذوي الدخول الثابتة، وإنما قوض قدرة المنتجين الإيرانيين على المنافسة أمام الواردات التي تغرق البلاد، كما تضرر التجار جراء المصاعب التي يواجهونها عند سعيهم لدفع مبالغ مالية عبر المصارف المالية. ونظرا لشعور الإيرانيين بالتردد إزاء المخاطرة بأموالهم وسط شائعات متنامية بشأن قرب اندلاع صراع مع الغرب، انخفضت قيمة الأسهم بشكل بالغ، بينما منيت أسواق العقارات بحالة من الجمود.

ومن المؤكد أن هذه المشكلات ستتفاقم حال انخفاض أسعار النفط من مستواها الراهن البالغ قرابة 55 دولارا للبرميل، خاصة أن النفط الإيراني يجري بيعه بتخفيض قدره حوالي 20% مقارنة بالسعر المتفق عليه، وتحتاج الحكومة 45 دولارا أو ما يزيد إضافية لكل برميل كي تغطي إنفاقاتها، ليس فقط الواردة بالميزانية، وإنما كذلك إنفاقاتها الضخمة الأخرى خارج إطار الميزانية والإعانات الكبيرة التي تقدمها فيما يخص الجازولين التي تبدي حكومة طهران منذ أمد بعيد ترددا حيال خفضها.

المشكلات الأمنية

منذ وقف طهران تعاونها مع أوروبا بشأن قضيتها النووية، ما يقرب من عامين، أعلنت تسعة دول بالمنطقة قيامها بإعادة دراسة خياراتها النووية، وهي: تركيا والأردن ومصر والأنظمة الملكية الخليجية الستة. في المقابل، تحوز إسرائيل الأسلحة النووية منذ 35 عاما على الأقل، بينما لم تقدم الدول العربية من جانبها أي رد فعل يذكر حيال هذا الأمر، رغم كثرة شكواها.

ويحمل هذا الاختلاف دلالات كبيرة فيما يتعلق بتقييم الدول العربية للتهديد الصادر عن كل من إيران وإسرائيل، في واقع الأمر، تعاني طهران من عزلة إستراتيجية وليس لديها أصدقاء بالمعنى الحقيقي، في وقت تشعر الكثير من الدول بالقلق إزاء حقيقة نواياها، حتى أوروبا التي سبق وأن روجت لفكرة الدخول في حوار مع إيران، باتت الآن ترفض إحياء المفاوضات معها حتى تجمد طهران أنشطة تخصيب اليورانيوم، شرط غالبا ما يتم نسبه عن طريق الخطأ إلى إدارة "بوش" وحدها، بل وصوتت كل من روسيا والصين لصالح فرض عقوبات محدودة تحت مظلة الأمم المتحدة ضد إيران، على عكس ما توقعته الأخيرة.

وبطبيعة الحال، تزيد التوجهات العدائية التي تبديها طهران تجاه الولايات المتحدة من المخاطر التي تواجهها البلاد.

أما "نجاد" فقد نجح في مضاعفة مشكلات بلاده الأمنية من خلال خطاباته العدوانية، حيث يتميز بالبراعة في إطلاق التصريحات الاستفزازية، مثل إخباره "كوفي عنان" بأنه بينما انتصرت الولايات المتحدة وبريطانيا في الحرب العالمية الأخيرة، فإنه يتوقع انتصار بلاده في الحرب العالمية التالية، كما اتخذ موقفا معلنا من قضية المحارق النازية بحق اليهود (الهولوكوست)، برغم عدم أهميتها بالنسبة لمصالح بلاده الوطنية، وتعامل مع القضية وكأنه يعلم عن التاريخ الأوروبي أكثر مما يعلمه الأوروبيون أنفسهم.

المشكلات السياسية: برغم كل الحماس الذي تبديه تجاه القيم الثورية وحملاتها المتصاعدة ضد المنشقين، اضطرت حكومة "نجاد" السماح بمعايير أكثر لينا فيما يخص قواعد الملبس وإبداء قدر أكبر من التساهل فيما يخص تطبيق الكثير من صور التسلية، مثل الحفلات الخاصة المختلطة التي تشهد رقص وتناول للكحوليات، الأمر الذي يكشف النقاب عن حقيقة أن غالبية الشعب الإيراني لا يشاركون الثورة أيديولوجيتها المعلنة، وإنما يتساهلون إزاء الجمهورية الإسلامية طالما تسمح لهم بالمضي قدما في حياتهم كيفما يشاءون، في تلك الأثناء، تتنامى الدلائل المشيرة إلى انغماس الإدارة الحالية في نفس الممارسات المرتبطة بمحاباة الأقارب والمعارف والفساد مثلما كان الحال مع الإدارات السابقة.

علاوة على المشكلات السابقة، يفتقر "نجاد" إلى الكفاءة كمسئول سياسي، حيث بدأت الوعود الكبرى التي أطلقها في أثناء جولاته بمختلف أنحاء البلاد في الارتداد ضده الآن، إضافة إلى ذلك، فإنه يتمتع بقدرة كبيرة على إثارة سخط الآخرين، بما في ذلك من يشاركونه رؤيته الإستراتيجية، الأمر الذي أسهم بصورة كبيرة في الهزيمة الساحقة التي مُني بها حلفاؤه في الانتخابات البلدية في ديسمبر عام 2006.

وعادة ما يستجيب "نجاد" للانتقادات بمضاعفة الأخطاء التي يقترفها، سواء كان ذلك نفي حدوث "الهولوكوست" أو التقليل من أهمية عقوبات الأمم المتحدة أو نفي تأثير التضخم.

تصالح أم مواجهة؟

ربما تدفع هذه المشكلات المتزايدة صانع القرار الحقيقي بإيران المرشد الأعلى "آية الله علي خامنئي" لأخذ الملف النووي بعيدا عن "نجاد". وربما تمثل الانتقادات العلنية للرئيس داخل وسائل الإعلام الخاضعة لسيطرة "خامنئي" تمهيدا لتجريد "نجاد" من معظم صلاحياته، مثلما حدث مع اثنين من سابقيه.

علاوة على ما سبق، بدأ الرئيس السابق "علي أكبر هاشمي رافسنجاني" في التصرف كما لو أنه انتصر على "نجاد" في انتخابات عام 2005، ففي إطار اجتماعاته مع أعضاء البرلمان والمسئولين الأجانب، أوضح "رافسنجاني" أنه يدعم اتباع توجه يقوم على قدر أقل من المواجهة، فمثلا في أثناء لقائه وزير الخارجية الهندي "براناب مخرجي" في 7 فبراير 2007، أعلن "رافسنجاني" أن "المحادثات السبيل الوحيد لتناول القضايا الدولية والإقليمية المهمة"، وسادت التكهنات بأنه إذا ما نجح "رافسنجاني" في الاستئثار بثقة "خامنئي"، فإن الإعلان الإيراني المقرر إصداره في 11 فبراير عن إحراز تقدم كبير ببرنامجها النووي، سيصاحبه عرضا بتجميد البرنامج، وذلك قبل عشرة أيام من مراجعة مجلس الأمن المفروضة ضد إيران. وإذا ما تحقق هذا السيناريو، من المحتمل أن يتعرض مجلس الأمن لضغوط كي يتصرف بما يتماشى مع توصية "محمد البرادعي" مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتجميد الفوري للعقوبات، بدلا من الانتظار حتى تتحقق الوكالة من تجميد إيران لأنشطتها النووية مثلما دعا القرار رقم 1737.

إلا أن المصالحة لا تتفق مع نهج "نجاد"، كما أن بعض الإيرانيين يؤيدون اتخاذ سياسات أكثر عدائية تجاه واشنطن، خاصة فيما يرتبط بالعراق، ففي 7 فبراير، حذر "محمد نابي ـ روداكي" نائب رئيس اللجنة المعنية بشئون الأمن القومي والسياسة الخارجية من أنه حال عدم إطلاق سراح العملاء الإيرانيين المقبوض عليهم بالعراق، "من الممكن أن يتعرض الدبلوماسيون الأمريكيون في بغداد أيضا للخطف".

وفي مقال أوردته صحيفة "الصبح الصادق" في 5 فبراير 2007 (صحيفة المكتب السياسي للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية داخل فيالق الحرس الثوري الإسلامي)، هدد "رضا ذاكر" العسكريين الأمريكيين بالسجن والقتل. وإذا ما ساد هذا التفكير، فإن الطريق القادمة قد تكون وعرة، ولكن في النهاية من المحتمل أن تصل الرحلة إلى النقطة ذاتها وهي سعي إيران للتسوية.

لحظة سانحة للضغط وليس لضربات استباقية

بالنظر إلى السيناريو السياسي سالف الذكر، يتعين على الغرب ممارسة الضغوط على طهران، مع الانتظار للحظة المناسبة لتسوية الأزمة النووية.

في الواقع لا يتوافر سوى قدر يسير من الدلائل حول عزم طهران الشديد على الاستمرار في برنامجها النووي، بدرجة تجعلها غير مستعدة للتسوية، فقبل كل شيء، تحيط الشكوك بالجدوى الإستراتيجية للبرنامج، خاصة أنه ينذر بإشعال سباق تسلح قد تكون إيران الخاسرة فيه، إلى جانب أنه يزيد من العزلة المفروضة على البلاد عاما بعد عام. وبينما ربما تكون كوريا الشمالية قد طورت أسلحتها النووية بدافع من اليأس، فإن طهران تسعى وراء تملك هذه الأسلحة انطلاقا من تطلعاتها المتركزة حول قبولها كقوة عظمى تملك تقنية حديثة.

برغم الحديث الكثير الدائر حول احتمالات توجيه ضربة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية ضد طهران في المستقبل القريب، في الواقع لن تستفيد أي من الدولتين من تحويل ما يشكل حاليا مواجهة بين المجتمع الدولي وإيران إلى صِدام ثنائي.

ومن المتوقع أن تفكر كل من الدولتين جديا في شن عمل عسكري فقط إذا ما أحرز البرنامج النووي الإيراني تقدما غير متوقع، أما السبيل الأمثل للحيلولة دون تحقق هذا السيناريو فهو التطبيق النشط للحظر المفروض على التقنية مزدوجة الاستخدام، فبدون هذه التقنية، ستتباطأ عجلة الأنشطة النووية الإيرانية بصورة كبيرة؛ لذا، من المثير للإحباط أن يقضي الأوروبيون هذه الفترة الطويلة حتى يطبقوا هذا الحظر بصورة فاعلة.

وحتى الآن، لا يبدي الاتحاد الأوروبي استعداده لمطالبة أعضائه لفرض العقوبات التي اقترحوها بأنفسهم داخل الأمم المتحدة، وكلما زادت سرعة ونشاط التحركات الأوروبية على هذه الجبهة، تتضاءل احتمالات اللجوء للعمل العسكري، وينطبق القول نفسه على روسيا والصين، بمعنى أنه إذا ما أبدت الدولتان بوضوح تطبيقهما للقيود المفروضة على التقنيات مزدوجة الاستخدام، سيخلف ذلك بالتأكيد تأثيرا ملموسا على صانعي القرار الإيرانيين.

أما العامل المتغير الآخر المهم والمؤثر في العمل العسكري المحتمل هو مستوى الشكوك المحيطة بحجم التقدم الذي أحرزه البرنامج النووي الإيراني.

من ناحيته، عمد النظام الإيراني إلى فرض قيود على تعاونه مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما عزز المخاوف من أنها تجري أنشطة نووية سرية تخشى كشف الوكالة لها، وفي ضوء تجربة العراق، ربما تكون الولايات المتحدة وإسرائيل قد أصبحتا مدركتين تماما بالقيود التي تواجهها الجهود الاستخباراتية في مثل هذه القضايا.. ولكن عند نقطة معينة قد يتملكهما الخوف من إمكانية أن تكون طهران قد حققت تقدما خطيرا في برنامجها النووي، ومرة أخرى يتمثل السبيل الأفضل لتجنب حدوث ذلك في التعاون الكامل من جانب طهران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.


نائب مدير شئون الأبحاث بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، وصاحب كتاب: مواجهة الخيارات الإيرانية المتشددة.. تصاعد تكلفة البرنامج النووي الإيراني، بالاشتراك مع الكاتب مايكل أيزنستادت.

*مقال نشر على موقع معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى تحت عنوان: التشدد مطلوب حيال إيران Hanging Tough on Iran  ، أوراق بوليسي ووتش، رقم 1159، 9 فبراير 2007.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات