English

 

الأحد. فبراير. 11, 2007

أخبار وتحليلات

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الدولة والإخوان بمصر.. هل بدأت مرحلة الإقصاء؟

د. عمرو الشوبكي

Image
د. عمرو الشوبكي
أعيد مرة أخرى فتح ملف العلاقة الشائكة بين النظام والإخوان المسلمين في أعقاب الخطأ الجسيم الذي ارتكبه طلاب الجماعة بالعرض الرياضي العنيف الذي أقاموه في جامعة الأزهر، وبصورة أعطت دفعة لهذا الجو المسموم الذي يدور فيه الصراع حول أو مع الإخوان، ليضيف نقطة جديدة لصالح خطاب تعطيل الديمقراطية والإصلاح، بحجة خطر الإخوان و "ميليشياتهم" على الأمن القومي للبلاد، وعلى الديمقراطية غير الموجودة.

الإخوان والسلطة.. كثير من الصراع وقليل من التعايش

بدا صراع السلطة والإخوان المسلمين وكأنه قدر مصر في القرن الماضي والجديد، وبدت المساحات التي يحصل عليها الإخوان داخل المجال العام، مساحات مؤقتة لا يلبث أن يتم التراجع عنها نحو مواجهة مع النظام أو النظم القائمة.

صحيح أن فترة التعايش اختلفت في مدتها من مرحلة إلى أخرى فمن "شهر العسل" الطويل بين السلطة الملكية والجماعة على مدار ما يقرب من عقدين امتد منذ تأسيسها عام 1928 وحتى حرب فلسطين عام 1948، إلى مرحلة الصدام والإقصاء الكامل في مواجهة نظام ثورة يوليو 1952، ثم عادت العلاقة مع السلطة لتعرف هدوءا بل تحالفا ضمنيا في بداية عهد الرئيس السادات الذي أفرج عن أعضاء الجماعة دون أن يعطيهم شرعية الوجود القانوني، وسرعان ما اختلفوا معه على اتفاقات كامب دافيد، بصورة دفعت الرئيس السادات إلى اعتقال كثير منهم في حملة 5 سبتمبر 1981 الشهيرة.

وجاء عصر الرئيس مبارك وتميز بأنه شهد المرحلتين معا، ولكن بصورة غير كاملة، فأبدى النظام تسامحا تجاه النشاط السياسي للجماعة، الذي بدأ في انتخابات 1984 حين تحالف الإخوان مع حزب الوفد وحصلوا على 7 مقاعد، وعادوا في انتخابات  1987  وحصلوا على  36 مقعدا من أصل 60 حصل عليها التحالف الإسلامي الذي قادوه، وبدت تلك المرحلة وكأنها إعلان عن بداية مرحلة جديدة يمكن أن يحصل فيها الإخوان على وجود شرعي وقانوني يعكس النجاح السياسي الذي حققوه، ولكن الأمر لم يستمر طويلا، فمع بداية التسعينيات كشرت الدولة عن أنيابها وأحالت بعض قيادات الجماعة إلى محاكمة عسكرية، وغاب الإخوان عن برلمان 1990 الذي جاء بانتخابات القائمة النسبية وقاطعتها معظم أحزاب المعارضة، وبرلمان 1995 الذي جاء بعد واحدة من أسوء الانتخابات التشريعية التي عرفتها البلاد.

وعاد "ربيع التسامح" بين الدولة والإخوان مرة أخرى، وشارك الإخوان "متسللين" في انتخابات 2000 التشريعية وحصلوا على 17 مقعدا، وعادوا مرة أخرى "ظاهرين" في انتخابات 2005 واكتفوا بالحصول على 88 مقعدا.

ولم يستمر التعايش بين الإخوان والنظام طويلا حيث حدثت المواجهة مع بداية العام الجديد حين اعتقل عدد من قيادات الجماعة وصودر جانب من أموالها، وبعد أن أفرجت المحكمة عن هؤلاء القادة عاد رئيس الجمهورية وقرر الأسبوع الماضي إحالتهم لمحاكمة عسكرية، لتنتهي واحدة من فترات التسامح المؤقتة التي عاشها الإخوان في عهد الرئيس مبارك.

والحقيقة أن هذه العلاقة الشائكة بين السلطة والإخوان المسلمين امتدت منذ تأسيس الجماعة على يد الراحل حسن البنا عام 1928 وحتى الآن، وعرفت مراحل هدوء ومواجهة، وسلم وعنف، وبقي كلاهما مستمرين، لا الإخوان اختفوا ولا السلطة سقطت، وصار من المهم البحث عن "حل سياسي" لمعضلة الإخوان والنظام القائم، يمكن البناء عليها في عصر آخر قادر على بناء مجال مدني للمنافسة السياسية يحل مكان المواجهة الأمنية الرائجة حاليا، والتي غيبت -على خلاف المراحل الأخرى- أي رؤية سياسية للتعامل مع الإخوان أو غيرهم من القوى السياسية الجادة.

إن الجماعة التي عاشت عمرا مديدا اقترب من 80 عاما، عرفت حياة داخلية مليئة بالتنوع الجيلي والفكري، وشهدت كثيرا من الجدل داخلها وحولها، وامتلكت مرجعية فكرية وسياسية مرنة سمحت لها أن تمتلك تصورا شاملا وعاما للإسلام يسمح للإخوان أن يكونوا سياسيين إذا أرادوا، وأن يكونوا دعاة فقط للأخلاق الحميدة إذا أحبوا، وأن يكونوا شيوخا على منابر المساجد أو نوابا تحت قبة البرلمان، وأن يكونوا صوفيين وأن يكونوا أحيانا ثوارا، وأن يكون بين قادتهم القاضي المحافظ حسن الهضيبي والمناضل الراديكالي سيد قطب.

إستراتيجية المواجهة المحسوبة

أهم ما ميز علاقة الرئيس مبارك بخصومة السياسيين إجمالا وبالإخوان المسلمين خصوصا منذ توليه الحكم عام 1981، هو عدم إقدامه على مواجهة استئصالية شاملة مع أي من هذه القوي خاصة أن تداعيات هذه المواجهة في عهد الرئيس السادات كانت كارثية وانتهت باغتياله عام 1981 بعد حملة اعتقالات 5 سبتمبر الشهيرة.

واختار مبارك منذ ذلك الوقت إستراتيجية "المواجهة المحسوبة" التي لا تميل  إلي أسلوب المواجهة الشاملة مع خصومه السياسيين، كما أن هناك "حرصا" من أجهزة الدولة على الاحتفاظ ببنية الإخوان المسلمين التنظيمية متماسكة دون انقسام يفتت الجماعة، وأن يكون الضغط المفروض عليها ضغطا محسوبا يضعها في موقع الدفاع ويقلص من قدرتها على المبادرة دون الدخول في مواجهة صفرية تؤدي إلى انقسام التنظيم لأكثر من جماعة قد يمارس بعضها عمليات تحريض ومواجهة مفتوحة ضد النظام لا يحكمها أي رادع تنظيمي.

وأدت هذه السياسة إلى وضع الإخوان هدف الحفاظ على وحده الجماعة، هدفا ساميا وقيمة عليا في حد ذاتها يجب الدفاع عنها، وبدت الدولة أيضا وكأنها ليست ضد "هذه القيمة" بشرط ألا تتجاوز في نشاطها وفاعليتها التنظيمية "الخطوط الحمراء"، بشكل يؤدي إلى تهديدها النظام القائم.

والواقع أن إستراتيجية "المواجهة المحسوبة" بين الإخوان والسلطة ترجع أساسا إلى وجود رغبة متبادلة بالاحتفاظ بالجماعة ككيان سياسي وديني منظم؛ لأن هناك إمكانية للتعامل معه بالمواجهة أو التسامح، وهو الأمر الذي لن يصبح موجودا في حال تحولت الجماعة إلى ثلاث أو أربع جماعات.

ومع ذلك فإن المواجهات الحالية ضد عناصر الجماعة، والتي بدأت بمحاصرة النشاط المالي للجماعة، ثم تحويل عدد من قادتهم إلى محكمة عسكرية، بجانب ترتيب تعديلات دستورية تهدف إلى إقصائهم من المجال السياسي والبرلماني، وبناء تحالفات مصطنعة لـ"وراثة" نواب الإخوان في البرلمان لصالح بعض أحزاب المعارضة، كل ذلك يجعلنا أمام مشهد غير مسبوق لم نره طوال ربع قرن.

استئصال أم إقصاء

من المؤكد أن الدولة لم تقرر استئصال الجماعة كليا من الحياة العامة، ولا توجد نية -وربما قدرة- على إجراء محاولة استئصالية شاملة كالتي تعرضت لها الجماعة بعد محاولة اغتيال عبد الناصر عام 1954 أو عقب حملة 1965 الشهيرة، إنما هي محاولة لإقصاء الجماعة من المجال العام، خاصة في جانبه السياسي.

والإقصاء هنا يعني أن الدولة سترتب الملعب السياسي الجديد دون وجود يذكر للإخوان في البرلمان، وأن رقم الـ 88 مقعدا الذي حصلوا عليه، سيصبح ذكرى ستحرص الحكومة على عدم تكرارها، وستقيم بعد ذلك ترتيبات مصطنعة تصعّد قوى ضعيفة أو غير موجودة على قمة المسرح السياسي لتحل شكليا مكان الإخوان في "المعارضة".

والحقيقة أن مجال التحالفات السياسية أمر طبيعي، ومن الوارد أن يختار الحزب الحاكم قوى سياسية أخرى لمواجهة ما يعتبره خطر الإخوان، بل من الممكن في حال إذا كان الحزب الوطني (الحاكم) حزبا مدنيا حقيقيا، ولا يستخدم الدين في المجال العام بصورة أحيانا أكثر من الإخوان، أن يتحالف مع أحزاب مدنية أخرى ترفض رؤى الإخوان الدينية والسياسية، كل هذا كله أو بعضه وارد في مجال السياسة، بل مشروع، ولكن معضلة هذا البيت الجديد الذي يرتب أنه من ورق، لأنه ببساطة، هذه القوى التي ينوي الحزب الوطني إحلالها مكان الإخوان هي كيانات هشة، وأن التحالف الذي سينشأ سيعبر عن "توازن الضعف" الذي يضم القوى الحزبية الرسمية، وسيضع "توازن القوة" الذي يضم القوى الحقيقية كالإخوان المسلمين والقوى الإصلاحية الجديدة والأحزاب الجادة المرفوض رخصتها، خارج إطار الشرعية والعمل في النور والمنافسة فيما بينها لصالح الوطن ومواطنيه البسطاء.

وبما أن هذا المواطن لا يثق في القوى الرسمية وفرضت حواجز بينه وبين القوى الحقيقية، فعلينا أن نتوقع منه مزيدا من الاحتجاجات غير السياسية، والانتفاضات العشوائية التي لن تحمل الاستقرار لأهل الحكم ولا لأهل المعارضة الرسمية.


خبير في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات