English

 

الأحد. فبراير. 11, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أوروبا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

تكتيكات فرنسا الانتخابية.. الخبرة تواجه التخفي

هبة الحسيني

Image
نيكولا ساركوزي
مع بدء العد التنازلي للانتخابات الرئاسية في فرنسا التي ستجرى في إبريل/مايو 2007، تشير استطلاعات الرأي التي جرت في الفترة الأخيرة إلى أن التنافس ينحصر بين مرشحين أساسيين هما: "نيكولا ساركوزي" مرشح الحزب الحاكم "الاتحاد من أجل الحركة الشعبية"، و"سيغولين رويال" مرشحة الحزب الاشتراكي، ذلك إذا لم يفجر الرئيس شيراك مفاجأة كبرى بالإعلان عن إعادة ترشيحه.

وفي إطار الأحداث الداخلية والدولية التي تصاحب عملية الانتخابات، تفاجأ الكثير من المراقبين من ترشيح "رويال" لخوض الانتخابات، وبدأ الحديث يدور حول مهارات كل مرشح، والتي تؤهله للفوز بمقعد الرئاسة، فضلا عن أهمية عنصر السياسة الخارجية في البرنامج الانتخابي للمرشحين.

سيغولين رويال.. المفاجأة 

وعن ترشيح "سيغولين رويال" لخوض المعركة الانتخابية، تشير الكاتبة "مارييت سينو" في مقال بعنوان: "سيغولين رويال.. نهاية أم عودة للسياسة؟" نشر على موقع "مركز دراسات العلوم السياسية" CEVIPOF بتاريخ 26 ديسمبر 2006، إلى أن ترشيح "رويال" عن الحزب الاشتراكي قد أثار دهشة كبيرة على مختلف الأصعدة، ويرجع ذلك لسببين أساسيين: الأول: هو عنصر المفاجأة الذي أحدثه اختيار مرشحة "غير نموذجية" وفقا للقوانين التقليدية للمنافسة الرئاسية؛ فحتى مع الاعتراف بأنها شخصية مهنية ماهرة سياسيا، فإنها لا تمثل وزنا كبيرا في الحزب الاشتراكي ذاته؛ فهي لم تقد طوال حياتها أي تيار ولم تمارس أي مسئوليات حزبية مهمة، كما أنها لم تشغل أية مناصب وزارية "سيادية" مثل وزارات الخارجية أو المالية أو الداخلية.

ولكل هذه الأسباب تعرضت "رويال" خلال الأشهر التي أعقبت إعلانها الرسمي للترشيح، للعديد من الانتقادات والتشهير الذي مارسه ضدها عدد من الناقدين (سواء من زملائها في الحزب أو من الصحافة والمراقبين)، وذلك استنادا إلى أنها لا تمتلك المصادر السياسية التي يمكن أن تجلب لها الشرعية للمنافسة في انتخابات الجمهورية الفرنسية. ومن ثم يمكن أن يطلق عليها "المرشحة عن نفسها"، وأن وجودها لن يتعدى أن يكون مجرد مرحلة عابرة.

أما السبب الثاني الذي أحدث هذه الدهشة فهو اختيار أحد أكبر حزبين في فرنسا لمرشحة "امرأة"، صغيرة السن نوعا، في دولة ديمقراطية تحجم بوجه عام دخول المرأة في حلبة السياسة، خاصة رئاسة الجمهورية؛ فهذه هي المرة الوحيدة على مدى قرن يتم فيه إجراء انتخابات بالاقتراع الشعبي، تصل إلى حد منافسة امرأة لمقعد اقتصر على الرجال؛ إذ كانت توصف الديمقراطية الفرنسية بأنها "ديمقراطية بين الإخوان"، تتعرض ولا تزال لعديد من الانتقادات من قبل الأحزاب.

وعلى الرغم من هذه الصعوبات المزدوجة، استطاعت "سيغولين رويال" أن تحصل على تأييد 60% من أعضاء الحزب الاشتراكي الذين انتخبوها كمرشحة عنهم في الانتخابات الرئاسية لعام 2007، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا اختار الحزب الاشتراكي "رويال" على الرغم من وجود مرشحين آخرين يملكون رأس مال سياسيا أكثر صلابة؟.

الإجابة على هذا السؤال تلقي بالنظر على سؤال آخر أكثر أهمية هو: لماذا حصلت "رويال" على هذه الشعبية في الرأي العام؟ وكيف استطاعت أن تمثل في عيون الفرنسيين المرشح الأوفر حظا في الإطاحة بـ"نيكولا ساركوزي" مرشح "الاتحاد من أجل الحركة الشعبية"؟.

عندما حصلت "رويال" على استفتاء الجمهور أولا ثم المؤيدين لاحقا، كان ذلك لأن النقائص التي سبق الإشارة إليها قدمت على أنها مميزات؛ فبقاؤها خارج مختلف تيارات الحزب الاشتراكي قد فُسر بشكل إيجابي، وكأنها حرصت على أن تبقى بعيدة عن الصراعات داخل أجهزة الحزب، بالإضافة لذلك فإن الصورة الرمزية البسيطة التي ظهرت بها "رويال" استطاعت أن تجذب انتباه الفرنسيين وتغذي شعبيتها في الاستطلاعات أكثر من صورتها السياسية؛ فهي الشابة والأم التي تعيش مع رفيق دربها، بدون زواج، وهي تعكس نموذج للمرأة الجامعة -حديثة وتقليدية في آن واحد- التي يحبها الرأي العام، ومن ثم فهي تظهر كبديل لشخص تكنوقراطي بارد وبعيد عن خبرات الحياة. أما هي -الأم لعائلة كبيرة- فلا يمكن أن تكون منقطعة الصلة تماما عن الخبرات اليومية.

وفقا لما سبق، وقبل 4 أشهر من إجراء الانتخابات، يمكن القول إن المرشحة "رويال" قد طرحت مجموعة من التغيرات، أولها: زيادة اهتمام الفرنسيين بالسياسة وحملة الانتخابات الرئاسية، وهو أمر لا يثير الدهشة في ظل اختيار الحزب الاشتراكي لمرشحة من طراز جديد. ففي الاستفتاء الذي قام به مركز CEVIPOF في نوفمبر 2006، لاحظ ستيفان روزي المسئول عن الاستطلاع أنه في سبتمبر 2006 كان كل فرنسي من بين 4 فرنسيين يتحدث في السياسة والانتخابات الرئاسية. أما الآن -"أي في نوفمبر 2006"- أصبح كل فرنسي من بين اثنين، بزيادة قدرها 45% يهتمون بالسياسة، ومن هؤلاء فئات عرفت تقليديا بأنها أقل استعدادا للتعبئة (الشباب، النساء، الفئات الشعبية) التي أصبحت تتحدث في السياسة بصورة أعلى من المتوسط.

أما التغير الثاني: فهو أن الحزب الاشتراكي، وكما هو واضح، يمر بمرحلة تجديد، حيث بلغ عدد أعضائه في نوفمبر 2006 حوالي 280000 عضو. ويعد ذلك رقما قياسيا لم يشهده الحزب منذ قيامه، مع ملاحظة أن رفع تكلفة الانضمام إلى الحزب التي وصلت إلى 20 يورو قد أثارت العديد من التساؤلات حول تغيير طبيعة الحزب الاشتراكي وتحوله من حزب للمنتخبين إلى حزب للمؤيدين، بصورة قريبة من النمط الأمريكي.

وبالنسبة للتغير الثالث: فهو أن "رويال" قد نجحت في تحقيق نوع من التجمع داخل معسكر اليسار؛ ففي أكتوبر 2006 تم التوصل إلى اتفاق سياسي مع الحزب الراديكالي اليساري، وحدث الأمر نفسه مع حركة الجمهوريين والمواطنين في ديسمبر 2006؛ وهو ما أدى إلى تراجع كل من "كريستيان توبيرا" و"جون بيير شونيفنو" عن الترشح، منعا لتشتت أصوات اليسار.

وترى "مارييت سينو" أن كل هذه المؤشرات تؤكد على اتجاه لإحياء الديمقراطية لا يمكن إغفاله في ظل مناخ يسوده انعدام الثقة إزاء النخب والأحزاب الحكومية، كما أن هناك مؤشرين آخرين ينبغي النظر إليهما بتمعن من أجل التأكد إذا ما كانت الانتخابات الرئاسية ستحمل عودة كبيرة للسياسة أم نهاية لها، هما: حركة التسجيل في القوائم الانتخابية، وانخفاض معدل الامتناع عن التصويت.

ساركوزي يواجه مرشحة ما بعد الحداثة

 

 سيغولين رويال

أما فيما يتعلق بمهارات المرشحين، يتساءل الكاتب "شارل جيجو" في مقاله بجريدة "لوفيجارو" بتاريخ 11 يناير 2007 (تحت عنوان: ساركوزي "الحداثة" في مواجهة سيغولين "ما بعد الحداثة") عن قدرة ساركوزي على مواجهة منافسته "رويال" حيث يظهر ساركوزي في صورة المنافس الضعيف في مواجهة سيدة الاستطلاعات، ويستند خصومه في ذلك إلى السنوات الخمس التي قضاها في السلطة والصعوبات التي يواجهها داخل معسكره، فضلا عن التهور الذي يميز شخصيته.

وعلى الرغم من ذلك، يظهر ساركوزي واثقا من نفسه، قادرا على دفع اتهامات خصومه الذين يرون فيه "خطرا على الجمهورية". ويؤكد أنه "قضى 4 سنوات في وزارة الداخلية بمهارة، و20 عاما في الحياة السياسية بدون أن يتورط في أي عمل مغامر". ومن ثم فقد أعلن القيام بحملة "على الطراز القديم" والتوجه بخطابات فعالة واقتراحات سياسية جديدة.

بيد أن ذلك لا يمنع من أن ساركوزي يقف أمام منافسته في صورة سياسي "حديث" يتسم بالخضوع والولاء التام؛ فطموحاته وشغفه في الخطابة ولهجته التي تعبر عن عشق العمل التي يستخدمها للإقناع بأن السياسة يمكن أن تحول العالم، تضعه ضمن هذه الفئة، بينما تظهر رويال "ما بعد الحداثة" في صورة غامضة مثل الصورة "المضيئة"، وهي الصفة التي تفضل أن تصف بها نفسها، هذه الصورة الغامضة هي التي تسمح للمرشحة بأن تتقدم دون التعرض لخطر التناقضات التي يمر بها الحزب الاشتراكي حول اقتصاديات السوق وأوروبا والهجرة، وفي ذات الوقت تنتقد الديمقراطية التمثيلية وتستوعب الأفكار المخلطة، بما يجعل الرأي العام يجد لها الأعذار، وكما يقول مارك لومبرون: "الرغبة تترسخ بشكل أفضل في كل ما هو خفي".

على الجانب الآخر، يرى أنصار ساركوزي أن "رويال" لن تكون آجلا أو عاجلا، مجبرة على الاختفاء، فلا بد لها أن تنزل من القمة التي وضعتها فيها شعبيتها، وذلك حتى تدخل المعركة الحقيقية وتقبل المواجهة الرشيدة؛ فهي تعلم جيدا أن الحملات الانتخابية تعمل على ازدهار الصورة، إلا أنها تضع المهارات تحت الاختبار. ومن ثم، وكما أظهرت معظم الاستطلاعات، فعليها أن تحصل على ثقة الفرنسيين حول قدرتها على ممارسة "مهنة الرئيس". ووفقا لمستشاري ساركوزي لا يمكن لأي مرشح للرئاسة أن يغفل بعض العناصر الأساسية مثل السلطة والقدرة على إدارة الملفات والنفوذ الدولي.

وفي حقيقة الأمر، نجد أن الكابوس السيئ الذي ينتظر ساركوزي في الأيام التي تسبق الانتخابات هو عدم نجاحه في مجاراة "رويال" على أرضية النقاش، ويمكن تشبيه هذا الموقف بمثال مباراة فرنسا وإيطاليا، التي وقعت في 13 يوليو 2006، حيث إن موقف ساركوزي يشبه إلى حد كبير موقف الفريق الفرنسي؛ فهو يشعر بالتفوق المادي والمعنوي على منافسته، بسبب اشتراكه في إدارة شئون الدولة في المستويات العليا، وتفوّقه مهارة وخبرة، ولكن ما الذي يستطيع أن يفعله أمام منافس يلعب بعنصر الوقت كالفريق الإيطالي، يتفادى الضربات بطريقة هادئة حتى النهاية.

دور السياسة الخارجية

وعن الدور الذي تلعبه السياسة الخارجية في الحملات الانتخابية الفرنسية، كتب "باتريك جارو" يوم 12 يناير 2007 مقالا بجريدة "لومند" تحت عنوان: "رويال وساركوزي في الاختبار الدولي"، يؤكد فيه أهمية هذا العنصر في الحملات الانتخابية، وذلك بالنظر إلى الزيارات الخارجية التي قامت بها مرشحة الحزب الاشتراكي "سيغولين رويال" بدايةً بمنطقة الشرق الأوسط وصولا للصين. ويمثل هذا الأمر ظاهرة جديدة؛ إذ جرت العادة أن الناخبين لا يهتمون بهذا المجال الذي يحتل مكانة ثانوية في برامج المرشحين، والتي تركز بشكل أساسي على الشئون الداخلية، وهذا لا يقتصر على فرنسا فقط، ولكنه سائد في مختلف الدول الديمقراطية.

ورغم ذلك، يرغب الناخبون في التأكد من أن الذي يرشحونه لشغل منصب رئيس الدولة قادر على تمثيل بلاده في الساحة الكونية، ويعد ذلك السبب الأول لزيارات "رويال"؛ فهي حريصة على أن تثبت للجميع إلمامها بكافة الملفات الدولية وقدرتها على التحاور مع القادة الأجانب. وقد سُئلت رويال ذات مرة من صحفي في "نيويورك تايمز" عما كانت ستفعله لمواجهة الإرهاب أو فيما يخص مشكلة العراق، فردت عليه ساخرة: "أكنت ستسأل هذا السؤال لو كنتُ رجلا؟".

إلا أن "رويال" قد توقفت عن اعتبار مثل هذه التساؤلات وكأنها اختبار لإظهار عدم كفاءتها، بل إنها اعترفت أن قدراتها لشغل المنصب الذي تسعى إليه يمكن أن تقع تحت الاختبار، خاصة في الحقل الدولي، وهذا لا يرجع لكونها "امرأة" وإنما لعدم تمرسها القيام بمسئوليات تجعلها تقترب من هذا الحقل.

والتساؤل الذي يطرح نفسه هنا هو: ما مدى قدرة المرشحة على ممارسة هذه السياسة الخارجية بدون أخطاء؟ بالنسبة للشرق الأوسط ينبغي اتباع سياسة توازنية بين إسرائيل والعرب، وبين احترام قرارات الأمم المتحدة وإدانة الإرهاب. أما فيما يتعلق بالصين فينبغي إحداث تزاوج بين المصالح التجارية والدفاع عن حقوق الإنسان.. فهل يمكن تحقيق ذلك؟ الانتقادات لا تزال مستمرة لرويال.

إلا أن ساركوزي، وعلى عكس رويال، قد خاطر بالاقتراب من إحدى هذه المسلمات، وذلك عندما أعلن خروجه عن توجهات شيراك فيما يخص العلاقات الفرنسية الأمريكية، هذا الخلاف لا ينصب حول صلب الموضوع؛ فساركوزي يتفق مع الموقف المعارض الذي اتخذه الرئيس شيراك وقت الحرب على العراق، ولكنه يختلف معه في "الطريقة"؛ إذ إنه كان دائم الانتقاد أمام الجماهير في واشنطن ونيويورك للطريقة التي خاض بها الرئيس شيراك ووزير خارجيته آنذاك "دومينيك دوفيلبان" حملتهم عام 2003 ضد السياسة الأمريكية.

هذا الموقف الذي اتخذه مرشح "الاتحاد من أجل الحركة الشعبية" الذي التقى بالرئيس بوش في البيت الأبيض في سبتمبر 2006، كان موضعا للانتقاد من الحزب الاشتراكي وكافة أحزاب اليسار، واليسار المتطرف، واليمين المتطرف أيضا؛ وذلك لأن المسافة التي وضعها شيراك بينه وبين الولايات المتحدة كانت محل إجماع من مختلف القوى السياسية واستطلاعات الرأي.

ويشير الكاتب إلى أن الآراء التي طرحت حول ساركوزي ورويال هي آراء مختلفة بطبيعتها؛ فوزير الداخلية يُنتقد دائما بسبب مواقفه، أما المرشحة الاشتراكية فهي تُنتقد لطريقتها في التصرف. وتبعا لذلك يتسبب هو في حدوث عداءات، أما هي فتثير الشكوك.. وبهذا يتضح أيضا أن ملف السياسة الخارجية أصبح أحد العوامل للصورة التي يرى بها الفرنسيون مرشحيهم.

هوامش ومصادر:

  • Mariette Sineau, Ségolène Royal: Fin ou retour de la politique?, centre de recherches politiques de sciences politiques (CEVIPOF), 26 Décembre 2006
  • Charles Jaigu, De la difficulté pour Sarkozy le "moderne" de croiser le fer avec Ségolène la "postmoderne", Le Figaro, 11 Janvier 2007
  • Patrick Jarreau, Royal et Sarkozy à l'épreuve de l'international, Le monde, 12 Janvier 2007

باحثة سياسية

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات