|
| د.محمد السيد سعيد |
توقع الكاتب والمفكر محمد السيد سعيد -نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية- أن تصيب التعديلات الدستورية المرتقبة المجتمع المدني المصري بحالة من الاختناق بعد أن سدت كل الطرق الديمقراطية المتاحة للتحايل على ديكتاتورية نظام الحكم.
وفي حواره مع شبكة إسلام أون لاين، اعتبر أن أهم نتائج التعديل هو القضاء المبرم على جماعة الإخوان المسلمين تماما، وتشديد الخناق على كل أتباعها، لكنه أكد أن ذلك لن يكون أمرا هينا، فقد فشل فيه كل من نظام عبد الناصر والسادات.
واستبعد سعيد أن تترك التعديلات أية تأثيرات اجتماعية؛ نظرا لأن سياسات الحكومة سبقت التشريعات، سواء فيما يتعلق بالتوجهات الاقتصادية أو السياسية.
وأكد على أنه لا يمكن التنبؤ تماما بالمستقبل خاصة فيما يتعلق بسيناريو توريث الحكم، لأن الأمل -رغم كل شيء- لا يزال معقودا على نشوء حركة مطالَبة جماهيرية، بدأت تتضح ملامحها في انتفاضة القضاة والمحامين والعمال وغيرهم، كما رأى سعيد أنه ما يزال هناك بعض الأمل في أن يصلح النظام من نفسه، وأن يضمن معركة المستقبل ويترك بصمة خالدة في التاريخ المصري -إن أراد.
وفيما يلي نص الحوار:
بداية هل تتوقعون أن تترك حزمة التعديلات الدستورية المرتقبة تأثيرات اجتماعية جوهرية على حياة المواطن المصري العادي؟
لا أتصور ذلك لسبب بسيط هو أن معظم السياسات التي استهدفها التعديل تم تنفيذها بالفعل على أرض الواقع منذ سنوات طويلة، خصوصا التدابير الاقتصادية المتعلقة بتطبيق اقتصاديات السوق كبديل عن السياسات الاشتراكية التي كانت مطبقة منذ قيام ثورة يوليو 1952. فقد بدأ التراجع عن هذه التوجهات في عهد الرئيس الراحل أنور السادات عندما ألغى وزارة التخطيط، وتحمس للانفتاح الاقتصادي، ثم جاء الرئيس مبارك ببرنامج الخصخصة المعروف، والذي أنهى أي صلة للحكومة بأي دور اجتماعي للدولة.
وبالتالي فالتعديلات في شقها الاقتصادي لن تضيف جديدا بل هي إقرار بالواقع المطبق عمليا، وكل ما هنالك هو رفع العتب عن الدولة، و"شرعنة" سياساتها الحالية.
هل يمكن أن تضاعف التعديلات من سرعة وتيرة التحول الاقتصادي الذي تطبقه الحكومة الحالية، وما هي ردود الفعل المتوقعة من جراء ذلك؟
بالطبع هذه التعديلات توفر الغطاء اللازم لاستكمال برامج الخصخصة، التي بدأت في التسعينيات من القرن الماضي، وسنشهد مزيدا من بيع مؤسسات القطاع العام، وتسريح العمال، ومزيد من التوسع فيما يطلقون عليه "سياسة تحرير الاقتصاد".
أما بالنسبة لردود الفعل فقد ظهرت بالفعل مؤخرا في شكل تصاعد مستمر لحالة سخط العمال خصوصا في قطاع صناعة النسيج الذي يشكل أكبر كتلة عمالية على مستوى مصر، فقبل أن تهدأ أزمة سرعان ما تتفجر أزمة أخرى، فعمال مصر عموما يستشعرون القلق على المستقبل، ولن يستسلموا لمسكنات الحكومة المؤقتة في شكل حوافز أو غيرها لأن القضية تتعلق بأمنهم الاجتماعي الذي بات مهددا في كل لحظة.
ما دام المواطن العادي يتضرر بالفعل قبل التعديلات وبعدها، هل بوسعه أن يفعل شيئا للتصدي أو ما معارضة ما يجري التخطيط له من جانب الحزب الوطني؟
المواطن المصري بعيد تماما عما يجري من حوارات، فرجل الشارع العادي فقد الثقة تماما في الحكومة والمعارضة، وفي داخله تصور تجاه مسألة التعديلات الدستورية تتلخص في أن التنافس بين الحكومة والمعارضة سببه الصراع على المصالح، وأن مصلحة الوطن ومستقبل الأجيال القادمة غير مطروحة لدى المؤيدين والمعارضين للتعديلات، وهو الأمر الذي يرسخ لهذا المفهم لدى المواطن أن الحكومة سبق أن أجرت تعديل المادة 76 من الدستور. ورغم ما كان يحمله التعديل من مساوئ، وما أبداه من مقاطعة للاستفتاء، إلا أن الأمر مر بصورة طبيعية، وتكرر نفس المشهد في الانتخابات الرئاسية. وأما بالنسبة للتعديلات الحالية، فإن لدى الناس إدراك بأن الحكومة والحزب الوطني ينفذان ما يقرراه وما يحقق انفراد الحزب بالسلطة والاستمرار فيها بصرف النظر عن موافقته أو رفضه لهذه التوجهات، مما قضى على أي ثقة ليس بينه وبين الحكومة فقط بل والمعارضة أيضا.
ألا تتوقعون من أحزاب المعارضة عند هذه المحطة الخطيرة أن يكون لها دور ما فيما يحدث؟
أحزاب المعارضة في مصر مصابة بتصلب الشرايين حاليا لأسباب كثيرة، بالطبع الدولة وأجهزتها مشاركة في تقليص دورها إلى أدنى مستوى، ثم جاءت عملية دخول الحكومة مع بعض هذه الأحزاب في صفقة يجري التخطيط لها حاليا، وتتعلق بانتزاع تأييدهم للتعديلات مقابل ضمانات بزيادة عدد مقاعدهم في البرلمان وامتيازات حزبية أخرى، لكن هذا التحالف ربما يقضي على ما تبقى من رصيد هذه الأحزاب في الشارع المصري، لأنهم كلما تواطئوا مع الحكومة انتقص ذلك من رصيدهم المحدود جدا لدى المواطن العادي.
إذا كانت هناك بعض الميزات توفرها هذه التعديلات لتنشيط الحياة الحزبية، ولو حتى في إطار صفقة، ألا يمكن أن يقود ذلك إلى أن يصبح وضع هذه الأحزاب أفضل مما هي عليه حاليا؟
هذا غير صحيح بالمرة لأن التعديلات تم تصميمها بدقة شديدة على أساس إغلاق الباب أمام المجتمع المدني، بل إن القضاء الذي جاء بمعظم الأحزاب السياسية الموجودة حاليا، بعد أن تعدل المادة 88، وما سيلحقها من طريقة إجراء الانتخابات واللجنة المحصنة ضد الطعن على قراراتها و"فلترة" كل من يرغب في الترشح، ومحاصرة النقابات، والتضييق على الحركات الشعبية مثل حركة "كفاية" ومنع ظهورها على الساحة باعتبارها كيانات غير "قانونية "... كل هذه الأمور وغيرها تؤدي في النهاية إلى تكريس صوت واحد في المجتمع هو صوت الحكومة والحزب الوطني الذي سيكون هو اللاعب الرئيسي بلا منافس على الساحة السياسية، فأخطر شيء هو تحصين التعديلات الدستورية ضد الطعن أمام المحكمة الدستورية العليا أو غيرها من المحاكم الطبيعية.
إذن ما هو الهدف الحقيقي للحزب الوطني من هذه التعديلات؟
أتصور أن الهدف الأساسي هو ضرب كل الآمال التي تعلق بها قطاع عريض من المصريين لإحداث الإصلاح السياسي، والتداول السلمي للسلطة، خصوصا أن هذه الآمال شهدت انتعاشة كبيرة خلال عامي" 2005 -2006 " فضلا عن هدف إقصاء "جماعة الإخوان" أكبر فصيل سياسي على الساحة السياسية، إذ يبدو أن هناك نوايا لدى الحكومة توجيه ضربات قاصمة للجماعة ورموزها بشكل يوحي بأنها لا تنوي منعهم من الترشح في الانتخابات، ولا حرمانهم من إنشاء حزب سياسي بل الأمر يرتبط باستهداف وجودهم في الأساس.
هل بالفعل يمكن أن تقود هذه التعديلات إلى استهداف وجود الجماعة ككل، وما مدى قدرة النظام على القيام بهذه الخطوة؟
أعتقد أن القضاء على جماعة الإخوان بشكل نهائي كما يسعي نظام الحكم ليس مهمة سهلة، فلم لم ينجح كل من عبد الناصر والسادات في تنفيذها. ربما نجح الجميع بمن فيهم النظام الحالي في تقليم أظافرهم أو محاصرتهم، لكن مسألة اقتلاعهم من الحياة المصرية تبقى محل شك كبير، فالواقع أن التعديلات الدستورية بصورتها المطروحة ستنجح في خلخلة الجماعة من الداخل عن طريق ضرب قواعدهم الاقتصادية وحرمانهم من الاستقرار وإجبارهم على الدفاع عن أنفسهم، حيث هناك عملية تخويف وتشويه. وقد وصل الأمر إلى حد شن حرب إبادة شاملة على رموز الجماعة.
وأتصور أن خطورة الأمر يكمن في عملية التصنيف الحكومية بين المثقفين على أساس أن تكون أنت كمثقف إما مع الدولة أو مؤيدا للإخوان وهذا أمر يحدث لأول مرة في مصر بهذه الصورة الحادة، وربما يأتي بنتائج عكس ما يتوقع مهندسو الحملة على الجماعة، فهذه الحرب على الإخوان تسببت في تناقض الواقع السياسي المصري، لأن القوى الأكبر فيه محجوبة عن المشاركة، بينما القوى "الشرعية" المعترف بها من الدولة لا وزن لها.
ما هو توقعكم بشأن إلغاء قانون الطوارئ واستبدال قانون مكافحة الإرهاب به، وما تأثير ذلك إن حدث على العمل السياسي بوجه عام؟
إن هذا القانون سيكون بمثابة النكسة السياسية لمصر في المستقبل. وأخطر ما فيه أن الهدف منه تلويث سمعة كلمة "الإصلاح" وإغلاق كل الأبواب والنوافذ التي كان يسعى إليها المصلحون الوطنيون، فهذا التشريع سوف يصيب الحياة المصرية عامة بمزيد من الجمود الذي تعاني منه خلال السنوات الأخيرة، لكن بالطبع سوف يسعى الجيل الجديد من الشباب الوطني للبحث عن بدائل أخرى للنضال من أجل الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة. وهذا الأمر تكرر في تاريخ المصريين في عهود وعصور أكثر ديكتاتورية من التي نعيشها حاليا.
ولكن هناك من يزال يراهن على إصلاح النظام من داخله، فهل هذا أمر وارد وممكن التحقق؟
بصرف النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع النظام حول بعض القضايا الجوهرية، لكن يبقى أن نظام الحكم في مصر كان أمامه فرصة كبيرة للإصلاح من الداخل، وأعتقد أنه كان سيربح المعركة مع المستقبل، حيث كان بإمكانه الدفع بالمجتمع نحو الإصلاح والديمقراطية، وكان سيضمن بذلك مكانة رفيعة في سجل التاريخ، فالتاريخ مازال يذكرنا بلجنة "الأشقياء" التي أفرزتها ثورة 1919 والتي كانت تطمح في نهضة مصرية واسعة، فتمردت على سعد زغلول بسبب رفضها لدستور 1923 الذي رأت أنه لا يلبي الحد الأدنى من طموحاتها.
والمفارقة أن هؤلاء الأشقياء كان يقودهم عبد الخالق ثروت الذي تحول الشارع الذي يحمل اسمه إلى مركز هام للمطالبة بالإصلاح والديمقراطية، لهذا ما زلت أعتقد أن الأمل كبير في أن يراجع النظام نفسه في التوجهات التي يتبناها حاليا والتي تسير عكس ما يطمح إليه الغالبية العظمي من المصريين.
أخيرا هل هذه التدابير الدستورية تمهد مصر لسيناريو التوريث؟
الصورة في مصر معقدة ومتداخلة، ويصعب قراءتها بسهولة، لأن السلطة تتعامل حاليا بنظام "يوم بيوم"، ويخطئ من يزعم أنه يمتلك الحقيقة، لأن الواقع هو الذي يحسم جميع الملفات المتعلقة بمستقبل النظام السياسي. هناك من يرى أن انتفاضة القضاة والصحفيين والعمال وأساتذة الجامعات والطلاب وغيرهم من القطاعات تمثل "نوبة صحيان" وبريق أمل على وجود روح في الجسد السياسي المصري، لكن هناك من يظن العكس ويتصور أن المجتمع يعيش حالة من الجمود التي تغري السلطة بتدبير ما تريد تجاه رسم المستقبل. وفي النهاية ربما يأتي الواقع بمواقف مغايره تماما لكل التوقعات، فكم عودتنا مصر على ذلك!.
*حوار مع الكاتب والمفكر المصري نائب مدير مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام.
|