English

 

الثلاثاء. فبراير. 6, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » مصر

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

إضراب عمال مصر.. أبعاد دستورية و"كويزية"

محمد جمال عرفة

Image
إضراب لعمال الغزل والنسيج بشبين الكوم
برغم أن الاعتصام أو الإضرابات العمالية أمور شهدتها مصر على مدار تاريخها الطويل، فقد شهد عاما 2005 و 2006 تصاعدًا دراميًّا في الاعتصامات والإضرابات العمالية بدرجات أكبر، تزامن مع حالة الحراك السياسي التي شهدتها مصر، وتوجت بتعديل الدستور وانتخابات الرئاسة ثم البرلمان، مع التوجه الحكومي المتزايد للأخذ باقتصاد السوق في ظل حكومة تولى أهم وزاراتها رجال الأعمال.
ومع أن موجة الإضرابات العمالية الأخيرة التي طالت خصوصًا عدة مصانع للغزل والنسيج جاءت احتجاجًا على عدم صرف مستحقات العمال واعتراضًا على برنامج الخصخصة الذي يرى العمال ومراكز حقوق الإنسان أنه أهدر حقوق العمال لصالح أصحاب الشركات الجدد (بعضهم أجانب) ورجال الأعمال الذين تشجعهم حكومة نظيف التي تضم 6 من رجال الأعمال، فهي قد شهدت ملامح معنية تختلف عن الإضرابات السابقة، كما جرت في أجواء مختلفة نسبيا عن أجواء سابقتها، بحيث تبدو وكأن لها أبعادًا أخرى "اجتماعية" و"دستورية" و"كويزية"، نسبة لاتفاقية "الكويز".
ففي أعقاب الإضراب الشهير الأكبر من نوعه لنحو 20 ألف عامل بمصنع الغزل والنسيج بالمحلة شمال مصر في ديسمبر الماضي 2005 للمطالبة بصرف أرباحهم، وقع إضراب ثان لنحو 11 ألف من عمال شركة كفر الدوار للغزل والنسيج، كما رفض عمال شركة شبين الكوم للغزل والنسيج -الذين قاموا باعتصام استمر أسبوعا- التسوية التي وقعها رئيس الشركة القابضة ورئيس اتحاد عمال مصر كي يعودوا إلى عملهم وأكدوا استمرارهم في الإضراب حتى يتم الاستجابة لمطالبهم في صرف أرباحهم المتأخرة بمناسبة توقيع العقد مع المستثمر الهندي الذي باعت له الحكومة الشركة.
أيضا استمر اعتصام عمال شركة (إيديال) احتجاجاً على ما قالوا إنه استيلاء المستثمر الذي اشترى معظم أسهم الشركة على أرضها والمخصصة للعمال وذلك بعد 8 سنوات من توقيع العقد وطالبوا باسترداد حقهم في الأسهم والصناديق التي وعدتهم الشركة بها، وواصل عمال شركة (المنصورة) للملابس الجاهزة اعتصامهم داخل مقر الشركة احتجاجًا على عدم صرف مرتب شهري ديسمبر ويناير.
كما استمر اعتصام عمال شركة القاهرة للدواجن بعد إصرار المسئولين في الشركة على عدم التفاوض مع العمال إلا بعد إنهاء الإضراب، فيما أكد العمال المعتصمين أنهم لن ينهوا اعتصامهم إلا بعد الاستجابة لمطالبهم وصرف مستحقاتهم المتأخرة وبدلات الوجبة والحوافز.
وضمن هذه الدائرة ظهرت إضرابات لسائقي قطارات السكك الحديدية مع زيادة نسبة "التشريك" (تعديل الوظيفة لأسباب طبية)، وأخرى لسائقي الشاحنات بعد رفع رسوم الوزن من 110 إلى 550 جنيها، وغيرها.

ممثلو العمال لا يمثلونهم والملاحظة (الأولية) هنا: أن ممثلي العمال المفترض أنهم انتخبوا في الانتخابات العمالية الأخيرة في اللجان النقابية لا يعترف العمال المضربون بهم كممثلين فعليين وحقيقيين لهم ويشككون في نواياهم.
أما الملاحظة (الثانية) فتتلخص في أن الإضرابات بدأت تتوالى بشكل متتابع في صورة توابع لإضرابات أخرى سابقة، ما يشير لخلل ما في العلاقة أو "حالة توجس" وترصد وقلق ما بين العمال من جهة، والحكومة ممثلة في صورة القيادات النقابية من جهة أخرى، ربما نتيجة حالات الفساد ونهب المال العام التي تزايدت ظاهرتها مؤخرًا، وربما لتوجه الحكومة نحو اقتصاد السوق ووضع تشريعات لتسريع بيع الشركات وتسريح العمال، وربما للتخوف العام للعمال من الخط الحكومي العام لتحرير الخدمات والذي ترتب عليه زيادة الأسعار بصورة ضخمة أثرت على دخول العمال.
أما الملاحظة الثالثة: فهي أن نسبة كبيرة من الإضرابات والاعتصامات جرت في مصانع الغزل والنسيج التي تضم عددًا إجماليًّا يصل إلى ١٢٠ ألف عامل، وأنها كانت مطالب تتعلق بالأجور نظرًا لتدني أجور عمال النسيج، ما يشير لخصوصية ما لهذه المصانع التي تعاني حالة من التدهور وتتعرض لبرنامج تصفية بالدرجة الأولى وبيعها لمستثمرين محليين أو أجانب لوجود عمالة زائدة تصل إلى ٤٠% وتكلف ٥٠٠ مليون جنيه أجورا سنوية وفق المصادر الحكومية.
والملفت أن تصريحات ممثلي العمال العاديين في مصانع النسيج أرجعت الإضرابات والاعتصام إلى ما قالت إنه "احتجاج على سياسة الإدارة وتدني مستوى الأجور والحوافز وتدهور الخدمات بالشركة ولصرف حوافزهم المتأخرة"، وطالبوا بسحب الثقة من اللجنة النقابية كما طالبوا بإدارة جديدة للشركة تحقق مطالبهم ورفضوا فض الاعتصام قبل تحقيق مطالبهم.
بل وأكد عمال (شبين الكوم) شمال القاهرة، رفض وساطات رئيس اتحاد عمال مصر وعدم العودة للعمل أو تسليم المستثمر الهندي الشركة قبل تسليمهم كل مستحقاتهم المتأخرة والاطلاع على عقد المستثمر الجديد ليعرفوا وضعهم واللوائح التي ستطبق عليهم، فيما طالب عمال كفر الدوار ( 220 كم من القاهرة) بعزل رئيس مجلس الإدارة.
أيضا -كما قال المهندس محسن الجيلاني رئيس الشركة القابضة للغزل والنسيج- لوحظ أن إضراب عمال غزل كفر الدوار جاء كأحد توابع أزمة غزل المحلة، حيث طالب عمال كفر الدوار بالمعاملة بالمثل، برغم أن خسائر كفر الدوار وصلت إلى ٣ مليارات جنيه؛ لأنها تصرف أجوراً تصل ٢٠٠ مليون جنيه، لا يأتي منها سوى ٣٠ مليون جنيه فقط.
كذلك أرجع العمال إصرارهم على مطالبهم إلى عدم ثقتهم في الوعود الحكومية أو وعود المستثمرين الجدد، فضلا عن "توحش السوق"، وارتفاع الأسعار الذي انطلق بصورة الصاروخ في عهد حكومة رجال الأعمال دون مراعاة لحقوق المنتجين وذوي الدخول المحدودة في مصر فانخفضت الأجور وزادت أسعار السلع الأساسية.
أيضا برز حديث عن أن الاحتجاجات أخذت طابع الاحتجاج على "النهب والفساد"، وبيع الحكومة شركات قطاع الإعمال وهيئات الدولة بأبخس الأسعار دون الاعتداد بأن هذه الموارد هي ملك للمنتجين ولجموع المواطنين (كما حدث في أزمة بيع شركة عمر أفندي وخصخصة البنك المصري الأمريكي وخصخصة شركة الإسكندرية للأسمنت وشبين الكوم للغزل والنسيج)، وخاصة بعد ما أثير من شبهات حول علاقة وزيرين بالحكومة الحالية ببعض هذه الصفقات.

الإضرابات والدستور وتحرير السوق

وبشكل عام يمكن تفسير أسباب موجة الإضرابات الأخيرة على النحو التالي:
1- استشعار العمال تغيرا في دور الدولة من دولة راعية للعمال إلى دولة "بيزنيس" تركز على مقياس الربح والخسارة في المشروعات والدور الاقتصادي للدولة، بقدر أكبر من الاهتمام بالدور الاجتماعي للدولة، وهو ما جرى تقنينه بشكل أعمق عبر التعديلات الدستورية الأخيرة التي ألغت الصفة "الاشتراكية" عن الدولة، والتي اعتبرها بعض الخبراء تعديلات أخطر من الجدال الذي ثار حول مفهوم المواطنة ومادة الشريعة الإسلامية.
2- تحول تشكيلة الحكومة المصرية منذ حكومة الدكتور نظيف الأولى 2004 وحتى الحكومة الثانية ديسمبر 2006 إلى حكومة رجال أعمال، حيث ضمت حكومته الأولى 3 رجال أعمال تضاعفوا إلى ستة في الحكومة الأخيرة الحالية من أصل 30 وزيرًا، ما عكس الاهتمام بأصحاب رأس المال وتخفيض الضرائب للمشروعات، بأكثر من الاهتمام بالخدمات والعمال الذي شجعت الدولة تسريحهم عبر قوانين الموظفين الجديدة. وقد أكد هذا رئيس الوزراء حينما شرح خطة عمل حكومته فور إعادة تكليفه في: "تحرير الخدمات" قائلا: "إننا سنقدم الخدمات الأساسية بأسعار متميزة بجانب الخدمات العادية للمواطن، مثل التعليم الخاص لمن يدفع بجانب التعليم العام". وشدد على أن: "تلك هي فلسفة الحكومة وسوف نطبقها في كل الخدمات من التعليم إلى الصحة إلى النقل إلى الإسكان".
3- ارتباط قطاعات كبيرة من العمال المضربين بقطاع الغزل والنسيج العام (القطاع العام) الذي شهد نوعًا من الإهمال في إدارته وتوفير الخدمات له وبيعه لمستثمرين أجانب، وبالمقابل حدث تشجيع لمصانع القطاع الخاص التابعة لهذا القطاع، والمرتبطة باتفاقية الكويز الأمريكية/الإسرائيلية - اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة «
Q.I.Z» وهي ثلاثة حروف تختصر عبارة (QUALIFIED INDUSTRIAL ZONES
) – والتي تشارك إسرائيل في منتجاتها كمكون أساسي في كل منتج يخرج من تلك المدن المؤهلة، والتي جاءت لصالح رجال الأعمال الذين سيتعاملون مع أمريكا وإسرائيل، وبالمقابل تقلصت الحصص التي تصدرها هذه الشركات العامة للخارج؛ لأنه -حسبما قال أحمد رشيد وزير الصناعة المصري في تبريره لأهمية اتفاقية الكويز- "ستواجه مصر وضعاً خطيراً مع حلول انتهاء نظام الحصص من الصادرات المصرية من المنسوجات إلى الولايات المتحدة التي تبلغ 600 مليون دولار مع بداية عام 2005، حيث ستخسر هذه الصادرات عقب إلغاء نظام الحصص، وقد تغلق المصانع المصرية التي تصدر هذه المنتجات أبوابها؛ لأننا لا نستطيع إيجاد أسواق بديلة، ولأن شركات رجال الأعمال حلت محل شركات القطاع العام -بموجب الكويز- في التصدير، فقد أضر هذا بشركات قطاع الأعمال وتدني إنتاجها، وظهرت فجوات كبيرة بين أرباحها وإنتاجها.
4- ظهرت الإضرابات العمالية كمولود طبيعي لحالة الحراك السياسي التي شهدتها مصر خلال عامي 2005 و2006 والتي تمثلت في خروج أي مجموعة من المهنيين أو العمال أو السياسيين والحزبيين للشارع للمطالبة بمطالب سياسية أو اجتماعية، وربما لهذا شهد عام 2006 تصاعدًا في الإضرابات والاعتصامات العمالية عموما مقارنة بسنوات سابقة، فوفقا لتقارير مركز الأرض لحقوق الإنسان بلغ احتجاجات العمال في النصف الثاني من عام 2004 عدد: 32 إضرابًا و58 اعتصامًا و41 تظاهرة، أما النصف الأول من عام 2006 فقط، فقد شهد 107 احتجاجات بالقطاعات الثلاثة (الخاص - الأعمال العام - الحكومي) واحتلت احتجاجات العاملين بقطاع الهيئات الحكومية أعلى نصاب، حيث بلغت 38 احتجاجًا، يليها احتجاجات العاملين بالقطاع الخاص حيث بلغت 36، يليها احتجاجات العاملين بقطاع الأعمال العام وبلغت 33 احتجاجا.
5- وتبقى الملاحظة الجوهرية فيما يخص الإضرابات العمالية التي وقعت حتى الآن في أنها كشفت عن حالة من انعدام الثقة بين العمال وبين ممثليهم في الهيئات النقابية العمالية المفترض أنهم منتخبون بواسطة العمال أنفسهم، وهو ما يفتح الباب أمام السؤال عن تعبير هذه القيادات العمالية عن مطالب العمال الحقيقية أم عن رغبات الحكومة، خصوصًا أن الانتخابات العمالية الأخيرة شهدت عمليات شطب وتدخلات أمنية واسعة لمنع ترشيح أو فوز المعارضين، خصوصا من جماعة الإخوان المسلمين، وقد اعترفت وزيرة القوى العاملة ضمنا -في حوار مع برنامج البيت بيتك 4 فبراير 2007 بهذه الفجوة بين العمال وقياداتهم الذين قالت إنهم ربما نقلوا للحكومة صورة غير دقيقة عن موافقة العمال على مسائل معينة، وقالت إنها مستقبلا سترسل بمبعوثين للعمال مباشرة في حالة بيع شركة ما، ما يعد اعترافًا بعدم تمثيل هذه القيادات العمالية (الحكوميين) للعمال بدقة، ويعتبر هذا أحد عيوب وتداعيات تزوير الانتخابات العمالية بدعوى إبعاد الإسلاميين عنها.


  المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات