English

 

الثلاثاء. فبراير. 6, 2007

 
   
روابط من إسلام أون لاين

مهمة في طهران *

فهمي هويدي

الكاتب والمفكر فهمي هويدي
الكاتب والمفكر فهمي هويدي
ليس غريبا بعدما مررنا في قطر بتجربة المصارحة في حوار السنة والشيعة، أن ننتقل من الفهم إلى التفاهم، وصولا إلى استحقاقات المصالحة، الأمر الذي فرض علينا أن نستكمل مناقشات الدوحة بلقاءات مع أهل الحل والعقد في طهران.


                                      إيران هي المفتاح

لماذا طهران بالذات؟ لأن إيران اختارت منذ قيام الثورة الإسلامية في العام 1979 أن تصبح العنوان الرسمي للشيعة، إذ نص دستورها (في المادة 12) على أن الإسلام دينها الرسمي ومذهبها هو الجعفري الإثني عشري. ومن ثم فإنها أصبحت الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي الآن التي تلتزم في دستورها بمذهب معين. (هذا النص لا يرتب بالضرورة تبعية الشيعة في الدول الأخرى لإيران، خصوصا أن قبلتهم المذهبية في العراق حيث مرقد الإمام عليّ في النجف الأشرف، التي استقر بها أهم مرجع ديني للمذهب، السيد على السيستاني).
إضافة إلى ذلك فإن إيران هي صاحبة النفوذ الأكبر في العراق -بعد الولايات المتحدة بطبيعة الحال- لأسباب إستراتيجية ومذهبية؛ فهي تملك حدودًا معها بطول 1350 كيلومترًا، فضلا عن أنها تحتفظ بعلاقات وثيقة مع أهم التجمعات الشيعية العراقية التي آوتها واستضافتها طيلة سنوات الحكم البعثي في بغداد. وقد استخدمت نفوذها ذاك في الحد من الإملاءات الأميركية في تشكيل الحكومة وفي صياغة الدستور، وفي التحذير من التوجهات الانفصالية لدى الأكراد.
ثمة سبب آخر للتوجه إلى طهران، هو أنه لم يعد هناك خلاف بين عدد غير قليل من المعلقين والمحللين حول الهدف البعيد لحملة إذكاء الفتنة الطائفية. ذلك أنه منذ أُعلن على الملأ أن ثمة إعداداً أميركياً ـ تحرض عليه إسرائيل بشدة ـ لتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران، توقف مشروعها النووي وتحد من دورها في دعم المقاومة الفلسطينية وقوى الممانعة في المنطقة، فقد بات مطلوباً تعبئة العالم العربي الإسلامي ضدها، بما يؤدي إلى إحكام طرق العزلة من حولها. الأمر الذي يوفر أجواء مواتية لتوجيه الضربة المنشودة. 



                                   عندما ينطمس الإدراك

في هذا السياق بدا التوجه إلى طهران أمرًا طبعيًا لا غرابة فيه -كما ذكرت في أول الكلام. لكني لا أخفي أن الشعور بالغربة كان من نصيي في هذه الزيارة بالذات، ذلك أنني اعتدت أن أتوجه إلى طهران بصفتي المهنية، وباعتباري باحثاً مسلمًا يحاول أن يتابع تجربة مثيرة رفعت الراية الإسلامية بعد طول احتجاب. لكني هذه المرة ذهبت إليها باعتباري واحداً من أهل السنة يطرق أبواب مجتمع شيعي. وخلال ربع القرن الأخير، كنت أدخل إلى العاصمة الإيرانية مشغولا بما يجري هناك من تحولات سياسية واجتماعية، إلا أنني صرت في الرحلة الأخيرة مهمومًا بالشأن الطائفي دون غيره. وفي حين ظللت أتعامل مع إيران بحسبانها جزءاً من الأمة الإسلامية، وسندا وعمقا استراتيجيا للعالم العربي، فإنني ذهبت إليها هذه المرة وهي طرف في مشكلة أقلقت العالم العربي والإسلامي.
إلى هذا المدى تراجعنا إلى الوراء. الأمر الذي يصور لك مدى الفساد في المناخ السياسي السائد، بما أفرزه من خلل فادح في الأولويات، وتعطيل شبه كامل للبوصلة التي يتعين الاهتداء بها في التعامل مع مختلف التحديات. حتى بدا لنا، في لحظة تاريخية بائسة، أننا لم نعد نعرف العدو من الصديق، ناهيك عن أن بعضنا صار يفضل المحتل الغاصب على الحليف والشقيق! 



                                    الطائفية القنبلة الموقوتة

لقد أدى انفجار الوضع الطائفي في العراق إلى إطلاق القنبلة الملوثة التي انتشر رذاذها المسموم في أرجاء العالم العربي والاسلامي، بما استصحبه من استدعاء لمرارات التاريخ المسكون بالأحقاد والأكاذيب. وأحدثت تلك الصدمة صداها في اتجاهات عدة، فمن ناحيةٍ انتعشت المدارس والتيارات التي سعت إلى تأجيج الخصومة وتوسيع نطاق الحريق. ومن ناحية ثانية تحرك بعض أهل العقل والاعتدال لاحتواء الحريق وإطفاء نيرانه قدر الإمكان. وكان انعقاد مؤتمر حوار المذاهب في قطر من بين تلك الأصداء. كما كانت «وثيقة مكة» التي رعتها منظمة المؤتمر الإسلامي صدى آخر. وكان تحرك اتحاد علماء المسلمين صدى ثالثا. إذ تمثل في إيفاد اثنين من أعضائه إلى طهران للتشاور مع مسئوليها حول الأزمة، أحدهما هو الدكتور محمد سليم العوا، الأمين العام للاتحاد، وقدر لي أن أكون ثانيهما باعتباري عضواً في مجلس الأمناء.
التحليل الذي حملناه معنا إلى إيران كان كالتالي:
- أننا ندرك أن الصراع في جوهره سياسي وأن تفجير الصراع الطائفي أريد به كسب المعركة السياسية التي تتعدد أهدافها. ما بين صرف الانتباه عن الاحتلال وتحريض المحيط السني ضد الشيعة وضد إيران، الأمر الذي ييسّر مسألة ضرب إيران عسكريًا، ويتيح لإسرائيل أن تنفرد بصدارة القوة في المنطقة لتفرض مخططاتها وتصفي قوى المقاومة والممانعة فيها، بقدر ما أنه يسهل على الولايات المتحدة مسعاها لإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحها وأهدافها.
- أن الممارسات التي حدثت في العراق حققت لتلك المخططات ما أرادته. ورغم أن غلاة السنة والشيعة تورطوا في وقائع ومشاهد الفتنة، إلا أن ثمة تمايزًا بين الطرفين من زوايا ثلاث، أولاها: أن الشيعة في الموقف الأقوى، نظرًا لأنهم يملكون أهم مفاتيح السلطة. ولهم سيطرتهم المشهودة على أجهزة الأمن والشرطة والجيش. وثانيها: أن الميلشيات الشيعية مستندة إلى ما تملك من عناصر القوة، قامت بتهجير أعداد غير قليلة من أهل السنة من البصرة وبغداد. كما بادرت إلي إجراء تصفيات واسعة النطاق بين الشخصيات السنية، تارة تحت لافتة محاربة البعثيين، وتارة أخرى تحت لافتة مقاومة «الوهابيين». الأمر الثالث: أن المراجع الدينية السنية المعتبرة أدانت سلوك الغلاة من السلفيين المنسوبين إلى أهل السنة وانتقدت بشدة الأصوات التي أيدتهم، في حين أننا لم نجد إدانة مماثلة من المراجع الشيعية لممارسات غلاة المذهب.
- هذه الممارسات كان لها صداها السلبي في العالم العربي والإسلامي، الأمر الذي أثار غضب أهل السنة ليس فقط ضد الشيعة، وإنما أيضا ضد إيران، التي توقع منها كثيرون أن تبذل جهداً في كبح جماح المليشيات الشيعية، التي يعرف الجميع أن قادتها على الأقل تربطهم علاقات وثيقة مع طهران. وهو ما أدى إلى توسيع نطاق الصراع الطائفي ونقله إلى أكثر من بلد عربي إسلامي.
- أن ثمة قرائن تدل على أن صعود التيار المحافظ في إيران، وهيمنته الراهنة على السلطتين التنفيذية والتشريعية، أحدث تحولاً في توجهات الحكومة، أصبحت بمقتضاه تقدم الاعتبارات الأيديولوجية على السياسة. وقد تغذت تلك التوجهات بالتمكين للشيعة في العراق بعد الاحتلال الأميركي. آية ذلك أن أرمينيا المسيحية حين دخلت في صراع مسلح ضد أذربيجان ذات الأغلبية الشيعية، فإن طهران رجحت الاعتبارات السياسية وانحازت إلى الأولى دون الثانية. أما حين احتل الأميركيون العراق وترتب على ذلك صعود الشيعة والتمكين لهم، فإن طهران اتخذت موقفاً معاكساً، بدا فيه أنها رجحت الأيديولوجيا على السياسة، فانتصرت للمذهب على حساب المبدأ.
- أن انتعاش التيار المحافظ في إيران والتمكين للشيعة في العراق والأداء الممتاز لحزب الله في مواجهة عدوان إسرائيل على لبنان، فتح شهية بعض المراجع الدينية، ممن عمدوا إلى استثمار الأجواء المواتية لنشر التشيع في العديد من بلدان العالم العربي والإسلامي ذات الصبغة السنية. واستصحبت هذه الخطوة ترويجًا لبعض كتب الشيعة التي استدعت مرارات التاريخ وأحقاده، وأساءت إلى صحابة رسول الله. وكان طبيعيا أن يستثير ذلك غضب أهل السنة. 



                                   مستعدون لإطفاء الفتنة

كأننا انتقلنا إلى كوكب آخر حين وصلنا إلى طهران. فدرجة الحرارة تحت الصفر، والمدينة بدت وكأنها غطيت بملاءة هائلة من الثلج الأبيض، في حين اكتست جدرانها بلافتات سوداء حفلت بمناجاة الإمام الحسين «قمر بني هاشم». أما حشود البشر فقد استغرقتها طقوس ذكريات عاشوراء ومأساة مقتلة كربلاء، قبل ثلاثة عشر قرنا. وهي التي ما برح المنشدون يستعيدون وقائعها عبر مكبرات الصوت بأصواتهم الشجية، التي تمزق نياط القلوب وتستجلب طوفان الدموع من أعين الملتاعين الذين ملؤوا «الحسينيات»، بعدما تعطلت الدوائر لثلاثة أيام. بصعوبة بالغة تحددت لنا لقاءات مع سبعة من المسؤولين، ثلاثة منهم في وزارة الخارجية على رأسهم الوزير "منوشهر متكي"، ثم "علي لاريحاني" الأمين العام لمجلس الأمن القومي، والدكتور "علي ولايتي" وزير الخارجية الأسبق وأبرز مستشاري المرشد، السيد "علي خامئني". و"آية الله محمد علي التسخيري" أمين المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب. وختمت اللقاءات بجلسة مطولة من الشيخ "هاشمي رفسنجاني" الذي يرأس في الوقت الحاضر مجلس تشخيص مصلحة النظام. وترشحه الشائعات هذه الأيام لموقع أكبر في هرم السلطة.
بعدما سمعوا ما تكلمنا به كانت ردودهم كالتالي:
- إن موقف إيران من قضية وحدة الأمة الإسلامية موقف استراتيجي، ولم يطرأ عليه تغيير منذ دعا إليه الإمام الخميني في عام 79 وحتى هذه اللحظة. وقد انطلقت طهران من هذا الموقف حين ساندت بكل ما تملك مقاومة المسلمين في البوسنة وفي فلسطين وفي أفغانستان ضد الاحتلال الروسي. وهؤلاء جميعا من أهل السنة.
- إن فكرة الهلال الشيعي طرح خبيث تردده الدوائر الغربية لشق الصف الإسلامي، وهي ذاتها الدوائر التي تساوم إيران كل حين، إذ تلوّح بالاستجابة لما تريده، حتى في مشروعها النووي، إذا ما اعترفت الجمهورية الإسلامية بإسرائيل وتخلت عن مساندة المقاومة الفلسطينية.
- إن الشيعة، كما السنة، لديهم المعتدلون والمتطرفون والعقلاء والسفهاء. لكن متطرفيهم وسفهاءهم لم يذهبوا إلى حد إشهار سلاح التكفير، كما فعل بعض متطرفي السنة. وفي كل الأحوال فإن العلاقة ستكون أفضل بكثير لو أنها انبنت على مواقف المعتدلين لا المتطرفين.
- إن إيران استنكرت وأدانت على لسان قائدها السيد علي خامئني عمليات القتل والتهجير التي مورست على الجانبين السني والشيعي، ولكن ضعف الجهاز الإعلامي في إيران لم ينقل هذه الأصوات إلى الخارج.
- صحيح أن إيران لها نفوذها وتأثيرها، لكن ليس صحيحا أنها تسيطر على كل ما يحدث في العراق أو أنها تحرك كل ما يجري في المحيط الشيعي. ذلك أن مراجع الشيعة حيثما وجدوا يتمتعون باستقلال خاص عن الدولة، وبالتالي فإن ممارساتهم ينبغي أن تحسب عليهم لا على إيران. وما يقال عن عمليات تشييع في هذا البلد أو ذاك أو طباعة كتب مسيئة إلى الصحابة، تتحمل إيران وزرها، رغم أن بعض المراجع هم الذين يقومون بها. (في هذا الصدد روى السيد "هادي خسرو شاهي" سفير إيران السابق في القاهرة أن بعض الشيعة المصريين طلبوا منه مساعدتهم في بناء «حسينية» في الإسكندرية، ولكنه اعتذر لهم ونصحهم بعدم الإقدام على هذه الخطوة).
- إن إيران مستعدة للتعاون مع أي طرف من أهل السنة في أي خطوة من شأنها إغلاق ملف الفتنة الطائفية، التي تعتبرها جزءا من المؤامرة الغربية ضدها.
هذه خلاصة الرسالة التي نقلناها إلى مجلس أمناء اتحاد علماء المسلمين، كي يحدد في ضوئها الخطوة التالية.

كاتب ومفكر إسلامي مصري

*نشر في صحيفة الأهرام القاهرية يوم 6/2/2007

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم