|
| المواطنة والشريعة.. سجال جديد |
كان من أبرز الأهداف المعلنة للتعديلات الدستورية في مصر والتي طرحها الرئيس مبارك يوم في 26 ديسمبر الماضي تعزيز المواطنة وتحقيق المساواة، ولم تمس هذه التعديلات المادة الثانية من الدستور والتي تنص على "أن الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع".
وقد أثار عدم تعديل هذه المادة سجالاً جديدًا داخل الأوساط الدينية والثقافية المصرية، بين من يرى أن عدم تعديل هذه المادة لا يمس جوهر تعزيز مبدأ المواطنة وتحقيق المساواة، وبين من رأى ذلك يتعارض مع هذا المبدأ. ولا يرجع هذا السجال إلى اليوم فقط، لكنه يعود إلى مايو 1980 عندما بادر الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات بتدشين تعديل في نصوص دستور 1971. هذا التعديل جاء تحت عنوان "دولة العلم والإيمان"، وبمقتضاه حوَّل الرئيس السادات المادة الثانية من "الإسلام مصدر رئيسي للتشريع" إلى أن "الإسلام المصدر الرئيسي للتشريع". وحدث هذا السجال مرة ثانية في مطلع عام 2005 عندما بدأ الحديث عن الإصلاح السياسي في مصر والذي كان مصحوبًا ببعض أحداث الفتنة الطائفية، الأمر الذي جعل من المادة الثانية موضع جدل طوال هذا العام، حتى جاء السجال الثالث بعد عدم تضمين التعديلات هذه المادة الدستورية.
حول هذا السجال، عقد مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان يوم الأحد 28 يناير 2007 ندوة تحت عنوان "هل يمكن تعزيز الحق في المواطنة في ظل نص المادة 2 من الدستور على إسلام الدولة ومرجعية الشريعة الإسلامية؟". وقد أشار بهي الدين حسن مدير مركز القاهرة من جانبه، إلى ذاك الجدل الممتد حول قضية المواطنة، وأن السؤال المثار منذ عام 1970 ارتفعت حرارته بعد التعديلات الدستورية الأخيرة، وهذا السؤال هو: "إلى أي حد يمكن الحديث عن أن الدستور يعزز المواطنة مع أن الدستور لا يعترف إلا بدين واحد، فالدستور يتحدث عن أن الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع ولا يشير بأن هناك مصادر أخرى أو ديانات أخرى؟".
ويشير بهي إلى أن تصريحات د. مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب، جاءت لتهدئ هذا الجدل قليلاً؛ إذ صرح بأن هناك إجماعًا من قبل الأقباط بأنه ليست ثمة حاجة لتعديل المادة الثانية، ولكن جاءت ردود عكسية تنفي ما قاله من قبل الأنبا مرقس المتحدث الإعلامي باسم الكنيسة الأرثوذكسية، بل إن البعض يرغب في تعديل المادة الثانية.
سجال يعود للسبعينيات
وفي معرض حديثه عن المادة الثانية، يشير القس رفعت فكري، قس بالكنيسة الإنجيلية، إلى خلو الوثائق الدستورية التي عرفتها مصر في بداية إطلالها على النظام الدستوري من أي إشارة إلى دين أو أي مصدر تشريعي، وهذا واضح في لائحة تأسيس مجلس شورى النواب عام 1866، والأمر العالي للائحة مجلس النواب 1882. وجاء النص على أن الإسلام هو "دين الدولة" عام 1923، ثم توالت الدساتير تباعًا وبها الإسلام دين الدولة، إلا أن الرئيس السادات خطا خطوة أكثر إيغالاً عام 1971. والسبب أن الرئيس السادات عقب تسلمه السلطة تودد إلى الجماعات الإسلامية التي اغتالته عام 1981، فالسادات كان يريد أن يميز سياساته ويصبغ دولته بالصبغة الدينية، حتى إن دولته كانت تسمى بـ"دولة العلم والإيمان".
ولم تكتف المادة بـذكر أن الإسلام "مصدر رئيسي للتشريع"، ولكنها نصت على أن "الإسلام المصدر الرئيسي للتشريع". وهنا أمر مهم أن جرى تعديل آخر للمادة 77 في نفس الوقت وهو إطلاق مدد رئيس الجمهورية بدلاً من أن كانت مدتين، وكانت هذه المادة بمثابة صفقة ورشوة تبادلية لتمرير مواد أخرى؛ لتحقيق مطالب الحكام وليس مصالح الشريعة.
وينتقل القس رفعت فكري إلى مناقشة المادة الثانية، قائلاً: "أريد أن أناقش هذه المادة بعيدًا عن التعصب.. هذه المادة تتنافى مع المواطنة؛ لأنه ينشأ فريقان، الأول: فريق يتبع هذا الدين، وبالتالي هو صاحب الحقوق والامتيازات، وفريق آخر من أتباع الدين الآخر ينتظر المنح والهبات، والنتيجة مجموعة من القوانين والأعراف المذلَّة والمنقوصة لهؤلاء الذين لا يدينون بدين الدولة..
القارئ للمادة الثانية سيفهم أن هناك أديانًا أخرى غير الإسلام، ويدرك أيضًا أن الدولة لا تعترف بأديان أخرى؛ لأنها لا تعتبرها رسمية، وبذلك لا تعترف الدولة بجزء من مواطنيها ليس بسبب تقصير في المواطنة، ولكن بسبب عقيدتهم.. إذن القانون يفرق ويميز بين أبناء البلد الواحد وليس حسب ولائهم للوطن؛ لأن إعلان الدولة بأن الدين الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع يشكل تمييزًا وانتهاكًا للمسيحيين".
ويقترح القس رفعت فكري تعديل هذه المادة، بحيث تكون: "اللغة العربية هي لغة الدولة، والإسلام دين غالبية المواطنين، والمبادئ العامة للشريعة الإسلامية مصدر من مصادر التشريع"، ويجب أن يتم توضيحها بشكل تفصيلي وأن تكون بما لا يتناقض مع التزام مصر مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان الدولية أو يخل بحقوق المواطنة؛ لأن التمتع بكافة الحقوق المدنية لا يتوقف عند المعتقدات الدينية للفرد، فالدولة ترعى القيم العليا للإنسان وتلتزم بالحياد التام والالتزام بالحفاظ على أرواحنا. ويرى فكري أنه إذا لم يتم تعديل المادة الثانية ستتعرض مصر لفتنة طائفية وسيدفع النظام ثمن ذلك غاليًا.
أما ممدوح الشيخ الباحث المتخصص في الشأن الإسلامي، فيرى أن نص المادة الثانية من الدستور لا يستحق هذه الضجة، فحضور الدين في السياسة ليس بدعًا من الأمر؛ لأنه يحدث في الدول الأوروبية وأمريكا، فالرئيس الأمريكي ينفذ ما يفعله باسم الإله. ويقول الشيخ: "لا أمانع من أن يطالب المسلم المصري في إطار مشروع حديث جدًّا بأن يكون للدين دور، ولكن المشكلة في هذا الدور، وهنا يمكن الانتقال إلى تجربة الدستور العراقي الأخير الذي لم ينص على أن للدولة دينًا رسميًّا، ولكنه نص على ألا يكون هناك نص يخالف الشريعة الإسلامية.. وفي رأيي أن هذا الدستور يلزم المشرع على احترام الشريعة الإسلامية".
ومن جانبه يفرق د. أحمد أبو بركة أستاذ الاقتصاد السياسي، وعضو مجلس الشعب عن جماعة الإخوان المسلمين بين المبادئ والأحكام، فالمبادئ ثابتة والأحكام متغيرة، وكل منظومة تشريعية مبادئ أساسية وقواعد عامة مثل القوانين اللاتينية والفرنسية والأنجلو/ سكسونية. وهذه المبادئ هي مبادئ عامة تأتي في إطارها قواعد تفصيلية، والشريعة الإسلامية لها خصائص وصفات تفردت بها عن سائر النظم والأديان الأخرى، فالإسلام ينظم علاقة الأفراد بالأفراد والحاكم بالمحكومين والفرد بربه ويسعى لأخذ يد الإنسان إلى السعادة في الدنيا والآخرة.
ومن ضمن المبادئ التي أقرها الإسلام أن دماء الناس جميعهم معصومة، وهم متكافئون في كل شيء والحريات محفوظة وفقًا لما يكفله الإسلام من حقوق.
ويقول أبو بركة: "منذ الاستعمار البريطاني ومنذ عهود عديدة والشعب المصري بمسلميه ومسيحييه يناضلون من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية؛ لذا جاء نص دستور 1923 بناء على إرادة شعبية كاملة وجميع الحركات الوطنية كانت كاملة.. وعن الجزية، فإنها كانت في فترة ما كان يدفعها الكتابيين مقابل الحفاظ على أنفسهم وأموالهم، أما الآن فجميع الناس في بوتقة واحدة يدافعون عن بلدهم وهم ممثلون في كل شيء؛ لذا لا يدفعون الجزية.. الناس سواسية كأسنان المشط لا فرق لأعجمي على عربي، هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فالإسلام لا يتضمن أي شيء ينتقص من حقوق أصحاب الديانات الأخرى".
أما د. ثروت بدوي أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة، يشير إلى أن النص بـ"المصدر الرئيسي" بدلاً من "مصدر رئيسي" لا يغير من الأمر شيء، وبالعودة لدستور 1923 نجد أن الجميع رحَّب بأن الدين الإسلامي هو دين رئيسي للدولة. ومما يدل على ذلك أن شفيق شحاتة أحد رجال القانون كان يدرِّس الشريعة الإسلامية في باريس، كما أن غالبية من جامعات الدول الأوروبية بها أقسام تدرس الشريعة الإسلامية، أي أن معظم القوانين في العالم تأثرت بالشريعة الإسلامية، ووجدنا يهودًا في جامعة شيكاغو يدرِّسون الإسلام، بل ومتحمسين لمبادئ الشريعة الإسلامية.
المواطنة هي الفيصل
ويرد د. مصطفى الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب على انتقاد الأنبا مرقس لعدم تعديل المادة الثانية، بالقول: "عندما بدأ الحديث عن التعديلات الدستورية الأخيرة، وحيث إنني معني بالأقباط في السياسة المصرية، وحصلت على درجة الدكتوراة من لندن في أوائل السبعينيات، لعبت أدوارًا كثيرة فيما يتعلق بالأقباط ولعبت أدوارًا أخرى فيما يربط الدولة بالكنيسة في مناسبات مختلفة.. ومنذ عدة أشهر تمت دعوتي من جانب الأقباط في مصر، هؤلاء هم شخصيات كبيرة لا أتورع عن ذكر أسمائهم منهم: الرئيس الفخري الدكتور بطرس غالي والرئيس الفعلي كان سوايرس ومنير غبور ومنير فخري عبد النور ويوسف سيدهم رئيس تحرير جريدة وطني، وبعض رجال القضاء.. وكان من الواضح أنهم يريدون قول شيء، وهو أنهم يريدون أن يشاركوا في التعديلات الدستورية الجديدة كما شاركوا من قبل، وحضر معي في هذه الأثناء السفير محمد شاكر، وتناولنا هذه القضية في عدة اجتماعات، وظهرت تيارات متشددة، حيث رأى البعض: لماذا لا نتحدث عن التخصيص وإعطاء الأقباط حصة معينة، ولكن بعد مشاورات ولقاءات تم الإجماع على التخلي عن تعديل المادة الثانية والأقباط أنفسهم هم الذين قالوا المادة الثانية لن يمسها أحد بتعديل أو غيره".
ويذكر الفقي، أنه برغم هذه المناقشات، فقد وجه له الأنبا مرقس انتقادات، وقال إن كلامه غير صحيح ولا يمثل الأقباط مطلقًا، ويقول الفقي: "الأنبا مرقس هو رجل كنسي ربما لا يتابع ما على الساحة، لكن الحقيقة أن الغالبية العظمى من التيار القبطي قالوا إننا لا نريد تعديل المادة الثانية من الدستور".
وحول مبدأ المواطنة، يرى الفقي أن هذا المبدأ يريح الجميع، فمصر دولة إسلامية لها مخزون كبير من الثقافة الإسلامية وحضارتها الإسلام، ولا شك في ذلك، وأي تشكيك في هذا غير مقبول ومجحف، كما أنه لا شك في أن المواطنة للجميع، ونعترف جميعا بأنها هي الفيصل.
ويؤكد الفقي أخيرًا على ضرورة صون المادة الثانية وعدم المساس بها، قائلاً: "المادة الثانية من الدستور يجب أن نحرص عليها.. يحب أن نصونها، فهي ترتبط بالهوية والشخصية المصرية، والشريعة الإسلامية شريعة غنية، فكثير من دول العالم تدرس الشريعة الإسلامية، وكثير من غير المسلمين يحتكمون إليها عندما لا يجدون شيئا آخرا يحتكمون إليه.. هذه المادة لا تمثل قيدًا على غير المسلمين والمواطنة هي الفيصل، ويقول تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا".
|