|
| الدكتور يحيى الجمل |
رأى الفقيه الدستوري الدكتور يحيى الجمل أن حزمة التعديلات الدستورية التي طلب الرئيس مبارك إجراؤها، لا تحقق أي إصلاح سياسي، بل العكس فهي تمثل نكسة دستورية؛ لأنها تكرس من حكم الفرد وتجهض أي أمل في تداول سلمي للسلطة؛ لأن النظام الحالي يدور في حلقة مفرغة لتحقيق أهداف مصلحية وشخصية، التعديل الدستوري الأخير إحدى حلقاتها.
وفي حواره مع مراسل شبكة "إسلام أون لاين.نت"، رأى الجمل أن الدستور الحالي يحتاج إلى صياغة جديدة، ولا بد، إن أردنا تحقيق مصلحة الأجيال القادمة، أن تتشكل جمعية وطنية مستقلة تمامًا عن هوى الحاكم، أو جمعية وطنية شعبية لوضع تصور واضح لدستور جديد، وتقدمه إلى البرلمان ولرئيس الجمهورية.
ودعا الجمل الرأي العام إلى مساندة القضاة في رفضهم للإشراف على الانتخابات في حال تمرير التعديلات كما هي، وطالب بضرورة البحث عن بدائل عملية للمعارضة المصرية للتصدي لخطر توجهات نظام الحكم الذي لم يَعُد يهمه سوى تمهيد المجتمع لتوريث الحكم، وتحويل مصر إلى جمهورية "ملكية".
وفيما يلي نص الحوار:
يعتبر الحزب الوطني أن تعديل 34 مادة من الدستور خطوة جريئة في تاريخ مصر منذ عهد محمد علي، فما رأيكم في صحة هذا القول من عدمه؟
أزعم بأن كل من يروج لهذا الرأي هو صاحب مصلحة شخصية في بقاء نظام الحكم على ما هو عليه من تفكك وانهيار، بل أتصور أن أمثال هؤلاء يطلق عليهم الشعب المصري اسم "كذابين الزفة"؛ لأنهم يمكنهم أن يغيروا رأيهم 180 درجة فورًا لو قرر الرئيس مبارك سحب هذه التعديلات أو تراجع عنها، فيجب عدم الاعتداد بآرائهم؛ لأنهم شخصيًّا غير مؤمنين بها. ولا يتجاوز الأمر لديهم مجرد دور أو وظيفة يؤدوها ويتقاضون مقابلها من عرق المصريين؛ لأنهم لا يدركون حقيقة أن التعديلات الأخيرة تتعارض مع الهدف المعلن منها، بمعنى أن الرئيس ومن حوله يروِّجون بأنها نقلة على طريق تداول السلطة، وأنا مستعد للدخول في مناظرة معهم لإثبات أن التعديلات المطروحة مليئة بالعوار الدستوري، وتشكل عودة للوراء بالنسبة للإصلاح السياسي.
يعتبر الحزب الوطني أيضًا قضية المواطنة من الأمور التي لم يطرحها أي رئيس سابق لمصر، فهل هذه فعلاً نقلة دستورية نوعية؟
أن ينص الدستور على مبدأ المواطنة، فهذه خطوة مهمة بالفعل، لكنها لا تستحق كل هذا الضجيج لسبب بسيط وهو أن جميع الدساتير والتشريعات المصرية لم تفرق بين المواطنين من حيث العقيدة أو النوع أو اللون. كما أن الممارسة العملية لأجهزة الدولة المصرية الحديثة لم تظهر أبدًا أن هناك مشكلة من هذا القبيل، وأغلب المصريين مؤمنون تمامًا بأن الدين لله والوطن للجميع، وهناك مساواة تامة أمام القانون بين كافة المواطنين.
بصفتكم واحد من أبرز الخبراء الدستوريين في مصر وشاركتكم في أكثر من مناسبة في بحث صيغة جديدة للدستور المصري، هل تحقق هذه التعديلات أهداف إيجابية، وهل يتطلب الأمر صياغة دستور جديد؟
إن المتأمل للتعديلات التي أدخلت على دستور 1971 يراها عبارة عن ترقيع في ثياب ممزقة لا تصلح لستر الجسد، فنظام الرئيس مبارك ظل يتهرب من الاقتراب للدستور طوال فترة حكمه التي امتدت ربع قرن؛ لأن الدستور بوضعه الحالي كان يحقق له مصلحة في أن يبقى الحاكم الفرد المتحكم في كل شيء بمصر، إلى أن تعرض لضغوط خارجية دفعته أولاً لتعديل جزئي تمثل في المادة 76، ثم حزمة التعديلات الأخيرة التي تقدم بها في ضوء تصاعد قلقه من وجود أي قوة شعبية يمكنها أن تشارك في البرلمان، وبالتالي تتقاسم السلطة معه.
ومن ثَم، فالأمر كله يقتضي وضع دستور جديد، تتشكل لأجل صياغته جمعية وطنية مستقلة تمامًا عن هوى الحاكم، وبيئة سياسية أتصور أنها غير موجودة حاليًّا في مصر، لكن يمكن أن تقوم بهذه المهمة جمعية وطنية شعبية تضع تصورًا لدستور جديد وتقدمه إلى البرلمان ولرئيس الجمهورية. وبالطبع نسعى إلى تحقيق هذا الهدف بالرغم من إدراكنا أن النظام لن يهتم ولن يلتفت إلى مشروع من هذا النوع؛ لأنه سيكون حتمًا ضد مصلحته وفي مصلحة الأجيال القادمة.
يرى البعض أن أحد أبرز أهداف هذه التعديلات الدستورية إيجاد المسوغ القانوني بل والدستوري لتولي نجل الرئيس الحكم، بشكل دستوري، وإن لم يكن فلضمان بقاء منصب الرئاسة داخل الحزب الوطني، كيف تقرءون هذا الأمر؟.
في تصوري أن الرئيس مبارك كان لا يزال مترددًا في قضية توريث الحكم، إلى أن وجد من تقدموا له بهذه المواد الدستورية التي إذا تمت دراستها معًا كحزمة واحدة تتبين نواياه بسهولة، حيث تكشف عن رغبته في إفساح المجال لعملية توريث السلطة لنجله على الطريقة السورية، لكن الفارق الوحيد أن التعديلات في مصر أخطر على أمن مصر القومي مما حدث في سوريا؛ لأن السوريين عدلوا مواد محدودة وبطريقة معلنة، أما النظام المصري يقدم حزمة مواد يقترح تعديلها، تضمن نقل السلطة بطريقة تبدو ديمقراطية، وفي نفس الوقت تطهر الطريق أمام الرئيس الجديد من أي قوة قد تعطل قطار التوريث من الوصول إلى محطته الأخيرة.
كيف ينجح الحزب الوطني في تحقيق هذه المهمة، بدون غطاء شعبي غير متوافر لديه؟
الأمر لا يحتاج إلى حزب قوي من عدمه، فالرئيس واثق من أن مسألة الحزب مجرد غطاء ديكوري، لكن الحزب الحقيقي متمثل في جميع أجهزة الدولة، والقدرة على ضمان ولاء كل من يصلوا إلى مناصب عليا وحساسة في مؤسسات الدولة المختلفة، فإذا ملأ يده من هؤلاء، وضمن حياد الجيش، وأقنع القوى الخارجية بأن ما يجري يتم عبر الطرق الديمقراطية فسينتهي الأمر.
أما بالنسبة للقبول الشعبي فإن هناك قانون الإرهاب الذي تضمنه التعديل؛ ليصبح جزءًا من نسيج الدستور على حساب المادة 41 التي تحمي حرية المواطن من الانتهاك بطرق غير قانونية.
ما رأيكم في شأن التعديلات التي ترتبط باستقلال القضاء في التعديلات المقترحة؟
لم يترك الرئيس أي مناسبة إلا وتحدث فيها عن انحيازه لجانب استقلال القضاء، وبنظرة سريعة لمشروع تعديل المادة 173 الخاصة بإلغاء مجلس القضاء الأعلى وتشكيل هيئات قضائية في محاكم الاستئناف يرأسها رئيس الجمهورية، فهذا يثبت الاستخفاف بالرأي العام؛ لأن في ذلك تناقضًا مع مبدأ الفصل بين السلطات، فالرئيس يرأس السلطة التنفيذية في نفس الوقت يسعى لأن يكون رئيسًا للسلطة القضائية. ومن خلال سيطرة الحزب الوطني على البرلمان يكون رئيسًا للسلطة التشريعية أيضًا، وهذه بالضبط مواصفات الحكم الديكتاتوري الذي يقوم على حكم فرد واحد يملك كل السلطات ولا يخضع لأي مساءلة.
هل نص المادة 88 كان يتضمن عيوبًا تتطلب ضمها إلى حزمة النصوص المقرر تعديلها؟
ربما طرح تعديل هذه المادة بالذات، يكون دليلاً على نوايا النظام، فهناك حكم دستوري صدر عام 2000 ينص صراحة على أن الإشراف القضائي على الانتخابات لا يتحقق في مصر إلا بوجود قاض أمام كل صندوق. وبالفعل نجح القضاة في تجربة انتخابات برلمان 2005 وأثبتوا براعة في حماية إرادة الناخبين، وتكرر الأمر في الاستفتاء على تعديل المادة 76، وكشف القضاة ألاعيب وطرق التزوير أمام الرأي العام في الداخل والخارج، بالرغم من أن الإشراف القضائي كان منقوصًا في تلك الانتخابات؛ لأن من يوزع القضاة على اللجان ويعلن النتيجة هو وزير الداخلية.. فماذا لو كان القضاة يشرفون إشرافًا كاملاً غير منقوص على كل الانتخابات؟ وبالتالي ثبت باليقين عدم وجود رغبة حقيقية لدى النظام لإجراء الإصلاح المطلوب ورفضه لمبدأ تداول السلطة، والتشبث بها أطول فترة ممكنة، والسعي إلى توريثها لابنه إن أمكن. ولهذا يجب على كافة قوى المجتمع أن تتضامن مع رفض القضاة لتعديل هذه المادة ومساندتهم شعبيًّا في حال إذا قرروا رفض الإشراف على الانتخابات.
هناك من يدعو إلى تعديل المادة الثانية المتعلقة بالشريعة الإسلامية، فما هو رأيكم؟
إن وجود هذا النص لأكثر من 40 عامًا لم يتضرر منه الإخوة المسيحيون، بل على العكس فإن الشريعة الإسلامية ذاتها تكفل للمسيحيين ولكل أصحاب العقائد الأخرى ضمانات مفتوحة لحرية ممارسة شعائرهم والمساواة الكاملة، والكثير منهم يعلم ذلك، وكثير من المسيحيين يلجئون للشريعة لتنظيم بعض شئون حياتهم، في المواريث وغيرها من القضايا اليومية، ومن ثَم فوجودها على صورتها أو الرجوع بها إلى ما قبل تعديل السادات يبقى قضية شكلية لا تهم المواطن المسلم والمسيحي على السواء؛ لأن كافة القوانين والتشريعات لا تفرق بين المواطنين، وهذا هو الأهم.
هناك من يتحمس إلى تخصيص حصة للمرأة في المجالس النيابية بهدف ضمان مشاركتها الفاعلة في الحياة السياسية، فهل تؤيد هذا التوجه؟
لم يسبق لكافة الدساتير المصرية أن فرقت بين المواطنين بسبب النوع، وأخشى أن يفسر وضع مادة من هذا النوع على أنه تراجع عن مبدأ المساواة بين الجنسين، وأفضل أن نبحث عن وسائل أخرى غير العبث بهذا المبدأ؛ لأن حلّ معضلة غياب المرأة لا يكون بهذه الطريقة، فالأولى أن نضع تشريعات تغير البيئة السياسية وتسمح للمواطن المصري، رجالاً ونساء، بالمشاركة الحقيقية في العملية السياسية، لكن الذي يحدث أن كافة أجهزة الدولة تحارب الأنشطة السياسية، سواء في الجامعة أو في الشارع أو النقابات وغيرها حتى انتهى الأمر بأن سيطر الحزب الوطني على الحياة السياسية وحده في كل القطاعات، ويترشح في الانتخابات أمام نفسه، فهو اللاعب الوحيد المسموح له بممارسة السياسة بجانب أحزاب شكلية لا يشعر بها أحد.
هل ترون أن مشروع تعديل المادة 76 المعدلة، وتخفيف بعض قيود الترشيح لمنصب الرئاسة، يكفي لفتح الباب أمام تداول السلطة سلميًّا في مصر؟
أعتقد أن التعديل الأول للمادة 76 كان عارًا سياسيًّا، وقلنا لهم ذلك أثناء هذا التعديل، والآن أكرر تحذيري من خطورة تمرير التعديل الثاني لهذه المادة كما هي مقترحة. وأتصور أن واضعي المقترح الأول للتعديل هم أنفسهم الأشخاص الذي يسعون إلى استرضاء الرئيس على حساب مستقبل الأجيال القادمة؛ لأنهم فصَّلوا التعديل تقريبًا على مقاس 50 شخصًا يعرفونهم تمامًا بحيث يدخلوا في الانتخابات الرئاسية المقبلة أمام الوريث فيفوز بدون أي صعوبات، وبذلك يكونون قد حققوا الهدف بطريقة ديمقراطية، لكن بسطاء الشعب يفهمون ويحللون كل ما يجري من حولهم، ويدركون ما جرى لأحد المرشحين الذي تجرأ على الاقتراب من هذه المنطقة. وبالتالي فإن نظام الحكم يدور في حلقة مفرغة، التعديل الدستوري الأخير إحدى حلقاتها.
*مقابلة مع الفقيه الدستوري الدكتور يحيى الجمل.
|