|
| المنسوجات المستوردة تهدد صناعة النسيج بمصر |
في الوقت الذي يعاني فيه قطاع الغزل والنسيج بمصر من مشكلات سببها الأساسي سياسة الحكومة المصرية في تجاهل تطوير الشركات العاملة فيه تمهيدًا لبيعها في إطار خصخصة الشركات العامة، بدأت تلك الشركات تواجه خطرًا آخر قد يؤدي لانهيار هذه الصناعة.. هذا الخطر يمثله رجال الأعمال الذين يتآمرون عليها بتهريبهم للغزول والأقمشة إلى السوق المحلية، مما يعجل بغلق الشركات المحلية.
يأتي ذلك في وقت تعاني فيه تلك الشركات في الأساس من وضع مالي متردٍّ؛ بسبب انخفاض إنتاجيتها لنحو 30% من طاقة العمل بالمصانع وارتفاع حجم الخسائر إلى 19.8 مليار جنيه (الدولار يعادل 5.7 جنيهات) خلال السنوات الخمس الماضية، وتراكم ديونها للبنوك والجهات المحلية الأخرى لتصل لنحو 20.1 مليار جنيه.
وفي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بدأت يوم الأحد 14 يناير 2006 أول اجتماعات بين 41 رئيس مجلس إدارة شركة ومصنع للغزل والنسيج تابعين للحكومة والقطاع الخاص وقيادات اتحاد عمال مصر في خطوة يعتبرها رئيس النقابة العامة للغزل والنسيج سعيد الجوهري ضرورية للتصدي لرجال الأعمال المتآمرين على صناعة الغزل والنسيج في مصر.
وطلب اتحاد عمال مصر من وزير الاستثمار رفع الرسوم الجمركية على المنسوجات الخارجية إلى 130% بدلاً من المطبقة حاليًّا بواقع 122% مذكرًا في تقرير موسع بأن خفض الجمارك على المنسوجات والغزول "قام به البعض من أصحاب المصلحة من الذين نجحوا في السعي لدى الحكومة لخفض هذه النسب؛ لتكون أقل من التزاماتنا الدولية وتم لهم ذلك".
وفي الوقت ذاته تسلمت عائشة عبد الهادي وزيرة القوى العاملة المصرية من فتحي نعمة الله الأمين العام لنقابة الغزل وعضو مجلس الشعب تقريرًا أكد فيه تهاون الحكومة في اتخاذ إجراءات من شأنها إنقاذ شركات الغزل والنسيج من الإفلاس، وبيعها بثمن بخس في وقت تتجاهل فيه تهريب رجال أعمال للغزول والأقمشة إلى السوق المحلية، مما يعجّل بغلق الشركات المحلية.
اتحاد الصناعات المتهم الأساسي
ويشير فتحي نعمة الله في تصريح لـ"إسلام أون لاين.نت" إلى أن أصحاب المصلحة "هم من أصحاب مصانع التفصيل والملابس الجاهزة الذين أصبحوا مسيطرين على اتحاد الصناعات المصرية وغرفة صناعة الغزل والنسيج"، مؤكدًا أن "قلَّة مسيطرة تستفيد من خفض الجمارك وتعمل ضد مصلحة صناعة كاملة".
ويرأس اتحاد الصناعات المصرية جلال الزوربا صاحب مصانع النيل للملابس الجاهزة وهو من أهم المصدرين للملابس المصرية إلى السوق الأمريكية، ويُعَدّ من الشخصيات المقربة من نجل الرئيس مبارك وعضو المجلس الرئاسي المصري الأمريكي، ويضم المجلس في عضويته لويس بشارة صاحب مصانع "بشارة للملابس الجاهزة"، وأحمد عرفة صاحب مصانع "عرفة" للملابس الجاهزة.
ودخلت المصانع المملوكة لقيادات اتحاد الصناعات في اتفاقية "الكويز" الموقعة بين مصر والولايات المتحدة وإسرائيل عام 2003 التي تمنح شركات صناعة الملابس الجاهزة حق تصدير منتجاتها للسوق الأمريكية دون تحديد سقف لحصص التصدير بشرط أن تشارك الصناعات الإسرائيلية في إنتاج 11% من مكونات هذه الصناعات.
وجذبت هذه الاتفاقية مستثمرين أتراكًا وصينيين لإقامة مصانع للملابس الجاهزة في السويس وبورسعيد و6 أكتوبر؛ لاستغلال اتفاقية الكويز في زيادة صادراتها للسوق الأمريكية. ويشير خبراء إلى أن بعض رجال الأعمال من أصحاب المصانع الخاصة للملابس يهربون الأقمشة والغزول المستوردة إلى السوق المصرية بشكل منظم، وهذا التهريب يساهم في عدم قدرة الشركات المصرية على تصريف منتجاتها محليًّا؛ لعدم دفع المهربين الجمارك والضرائب على منتجاتهم.
التلاعب في نظام "الدروباك"
ويذكر تقرير لنقابة العاملين في صناعة الغزل والنسيج أن الحكومة لا تمارس أي نوع من الرقابة الجادة على نظام "الدروباك" وهو السماح المؤقت لدخول الأقمشة والغزول لمصانع ملابس تقع في المناطق الحرة، مقابل التعهد بإعادة تصديرها مصنعة للخارج بالكامل، بينما يتلاعب المستوردون بتحويل جزء كبير من صفقات "الدروباك" إلى السوق الداخلية وهي معفاة تمامًا من الجمارك والضرائب.
ويشير التقرير إلى سعي بعض رجال الأعمال إلى إجراء تخفيض جديد على النسيج والغزول المستوردة بما يهدد بالقضاء على هذه الصناعة الوطنية، ويحذر من خطورة التهريب على إفراز مزيد من البطالة مع توقف المصانع المحلية عن العمل نهائيًّا أو جزئيًّا بما يهدد الأمن والسلام الاجتماعي في الدولة.
أزمة القطن تضاعف الأزمة
ويزيد من الشعور بتلك الأزمة نقص السيولة المالية لشراء مستلزمات الإنتاج من السوق المحلية أو العالمية ونقص الغزول وزيادة أسعارها إلى 175% خلال عام واحد؛ بسبب أزمة القطن الموسم الحالي.
وأوضح فتحي نعمة الله في تقرير مطول رفعه لرؤساء شركات الغزل والنسيج والحكومة يوم الأحد 14 يناير 2007 أن إنتاج محصول القطن الجديد بلغ 3.85 ملايين قنطار، وأن الكمية المتاحة للمغازل المحلية 1.7 مليون قنطار فقط. وذكر أن عجز الكمية المخصصة للصناعة أدى إلى زيادة سعر قناطر القطن من 240 إلى 270 جنيهًا للقنطار قصير التيلة، ومن 450 إلى 500 جنيه للقنطار متوسط التيلة، ووصل سعر طويل التيلة إلى 1200 جنيه للقنطار، مشيرًا إلى أن زيادة الأسعار أثرت بشكل خطير على مصانع النسيج.
وبين أن ارتفاع سعر الغزول إلى ما يقرب من 30 ألف جنيه للطن الواحد، مقابل 15 ألف منذ عامين؛ بسبب زيادة سعر توريد الأقطان المخصصة للمغازل بنحو 135% خلال نفس الفترة.
وبينما طالب نعمة الله وزارة الزراعة بالسماح بزراعة مساحة 750 ألف فدان على الأقل خلال الصيف القادم أطلق المهندس أمين أباظة وزير الزراعة المصري الحرية للمزارعين لتحديد المساحات التي يرغبون في زراعتها بالقطن، مذكرًا في تصريحات صحفية المزارعين بأن القطن المصري لم يَعُد يجد الأسواق التقليدية التي تحتاج إليه بعد أن توقفت الدول الأوروبية (تُعَدّ السوق الكبيرة تقليديًّا للقطن المصري) عن استيراده. وأشار أباظة إلى أن القطن المصري يشهد منافسة حادة من الصين والهند وباكستان وهي الدول التي أصبحت مهيمنة على صناعة المنسوجات في العالم.
استيراد القطن ضرورة
ويرى برلمانيون في مقابلة مع "إسلام أون لاين" أن تصريحات وزير الزراعة والتي واكبت انخفاض متوسط سعر توريد القطن طويل التيلة في السوق المحلية من 1200 جنيه إلى 650 قد يجعل المزارعين يعزفون عن زراعته في الموسم المقبل، في الوقت الذي لا تحتاج إليه المصانع المحلية التي تعتمد في إنتاجها على الأقطان قصيرة ومتوسطة التيلة المستوردة من الخارج.
وبدوره يرى المهندس محسن الجيلاني رئيس الشركة القابضة للغزل والنسيج أن استيراد الأقطان من الخارج أصبح ضرورة مُلحّة، مبينًا أن عدم التنسيق بين الجهات الحكومية تسبب في عدم توافر الأقطان المحلية.
وبيَّن أن إنقاذ التدهور في شركات الغزل والنسيج يتطلب توفير 200 مليون دولار العام الحالي 2007، أي بمعدل 40 مليون دولار شهريًّا حتى لا تتوقف عجلة الإنتاج بالمصانع.
صحفى مصرى
|