|
يعد الإدمان حالة نفسية وعضوية تنشأ من تكرار تعاطي الفرد للمادة المخدرة؛ فيصبح الاستمرار عليها وتعاطيها لازما وضروريا، ويترتب على التوقف عنها أو تقليل جرعاتها اضطرابات بدنية أو عقلية، وكذلك أضرار اجتماعية ونفسية؛ لذا تعد مشكلة المخدرات من أهم المشكلات التي تواجه الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والأمني والنفسي للمجتمع العربي، وعلى هذا الأساس فهي تحتاج منا إلى العمل بجدية في سبيل إعداد الخطط الفاعلة لمواجهتها والقضاء عليها.
وهناك طرق ووسائل عدة لمواجهة الإدمان، منها الاكتشاف المبكر كخطوة مهمة لعلاج المدمنين، والتعرف على الاتجاهات والإستراتجيات الحديثة لمحاربة الظاهرة، وتدعيم العمل الأهلي التطوعي، وذلك بالإضافة إلى الدور المهم لوسائل الإعلام في مواجهة هذه المشكلة.
أهداف العمل التطوعي
يحدد الدكتور، أحمد جمال أبو العزايم، رئيس الاتحادين المصري والعربي للوقاية من الإدمان، أهداف العمل التطوعي في وقاية المجتمع العربي من الإدمان والمخدرات، في اثني عشر هدفا، من شأنها المشاركة في تعزيز ذلك الدور.
يتمثل الهدف الأول في توحيد الجهود المدنية محليا وعربيا، بهدف تحسين أداء الجمعيات الأهلية من خلال التخطيط وتوحيد السياسات وإنشاء أنظمة عمل وإدارة موحدة. أما الهدف الثاني فيتأتى من خلال التخطيط الإستراتيجي لمواجهة المشكلة، ووضع الرؤية والاتجاهات المستقبلية للعمل الذي تقوم به الجمعيات الأهلية في هذا الصدد؛ وهو ما يشجع روح المبادرة والابتكار.
الهدف الثالث يتجسد في إنشاء برامج للوقاية من الإدمان، على مستويات مختلفة مثل الأسرة والمدرسة والأصدقاء وأجهزة المجتمع والإعلام، فيما يتحقق الهدف الرابع بإنشاء مركز أهلي للتخطيط الإستراتيجي، بهدف التقييم المستمر لأداء الجمعيات الأهلية والسعي لزيادة كفاءة برامج مكافحة وعلاج الإدمان التي تتبناها.
أما الهدف الخامس، وفقًا لما يراه الدكتور أبو العزايم، فهو التعامل مع القضايا المؤدية إلى هشاشة المناعة والمقاومة الذاتية في مواجهة التعاطي، ومنها الأمية وعمل الأطفال المبكر والعنف ضد الأطفال. بينما يكون إعداد البرامج الإعلامية المتخصصة هو الهدف السادس الذي يجب أن تقوم به الجمعيات الأهلية عن طريق شخصيات المجتمع المحبوبة والتي تشكل قيما أخلاقية مثل الفنانين والرياضيين والإعلاميين.
الهدف السابع يمكن تحديده في العمل والتواصل مع شباب المدارس وتدريبهم على فنون قيادة المجتمع. أما الهدف الثامن فهو التنمية البشرية للعاملين في مجال العمل الأهلي مثل رجال الدين والأطباء والأخصائيين الاجتماعيين بالمدارس والأندية الرياضية. كما يمكن اعتبار تنفيذ بحوث متعددة عن انتشار المخدرات في قطاعات المجتمع وسبل الوقاية منها بمثابة الهدف التاسع.
أما الأهداف الثلاثة الباقية فتتحقق من خلال تنظيم مؤتمرات عربية وجماهيرية، والتعاون مع المنظمات الدولية المعنية والمهتمة والتشبيك معها، ودعم إنشاء جماعات مساعدة الذات والمدمن المجهول في الدول العربية، بما يساهم في النهاية بشكل إيجابي في تحسين قدرة الجمعيات المشاركة وتأهيلها للتعامل مع مشكلة المخدرات.
سلبيات الإعلام العربي
بات الإعلام لاعبًا أساسيا ومؤثرًا في المجتمعات المعاصرة، خاصة أنه بات مضمار التسابق لكسب الأذهان، وعن دور الإعلام في مواجهة الإدمان، يقول الدكتور أديب محمد خضور، أستاذ الإعلام بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية: إن الدور الذي يلعبه الإعلام في حياة الفرد والمجتمع مع هذا التنوع الهائل وغير المسبوق كمًّا وكيفًا في مصادر الإعلام ووسائله ومضامينه، أدى إلى عدم إمكانية ترك الممارسة الإعلامية للمصادفة، بل يجب توجيهها لتكوين الوعي والمعرفة وبالتالي التأثير.
ويشير إلى السلبيات التي تطغى على الإعلام العربي في تناول مشكلة الإدمان، قائلا: إن التناول العربي للإدمان هو تناول سطحي تطغى عليه التغطية السريعة للخبر بعيدا عن التحليل والتفسير، والسبب في ذلك هو الجهات الأمنية نفسها التي لا تزال تتبع إستراتيجية التحفظ في تقديم المعلومة، فبقينا كمتلقين على سطح الحدث ولم ندخل إلى أعماقه.
وكذلك هناك تناول فردي للظاهرة دون التركيز على السياق العام لها، بمعنى أننا نركز فقط على الشخص المدمن دون تحليل الأسباب التي أدت به إلى ذلك؛ وهو ما يجعل الإعلام العربي يخسر الرهان لو استمر في تلك السياسة ولا يؤدي دوره، بل قد يؤدي إلى نتائج سلبية أحيانا، مثل تعلم بعض الأفراد طرق الإدمان من خلال المسلسلات والأفلام، وهو بالطبع ليس مقصودا.
أيضا وسائل الإعلام لا تتفق في كثير من الأحيان على إستراتيجية المواجهة، وتخطئ أحيانا في استخدام نظرية التأثير، وتتعثر كثيرا في استخدام آليات الإقناع وتغيير الاتجاهات، والمشكلة أنها تعمل بدون بحوث وخطط؛ لذا وجب عليها تحديد الاتجاهات قبل التعامل مع المشكلة ثم ترسم الخطة المناسبة للعلاج.
كذلك فبعض رجال الأمن ليس لديهم الخبرة في التعامل مع الإعلام؛ لذا يجب أن يكون المسئول الأمني مؤهلا لذلك حتى لا تترجم الممارسات الأمنية إلى الإعلام بصورة خاطئة،
ويرى دكتور خضور مثالب كثيرة في آليات وخطط المؤسسات الإعلامية في مواجهة الإعلام، منها عدم وجود الصحفي أو الإعلامي المحترف المتمكن من الثقافة القانونية والأمنية، بالإضافة إلى قلة الخبرة والكفاءة المهنية في التعامل مع مشكلة الإدمان، وسواء كان هذا أو ذاك فإنه في النهاية تحدث فجوة بين الإعلام والأمن.
فلسفة جديدة
يرعى المجلس القومي للأمومة والطفولة بجمهورية مصر العربية مشروع إعداد النشء لمناهضة المخدرات وينفذه بالتعاون مع الجانب الإيطالي ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، وحول هذا المشروع بقول عمرو حسن عثمان مدير المشروع: إن هذا المشروع يتبنى فلسفة جديدة من نوعها تعتمد بالأساس على المشاركة الفعالة للنشء، من خلال إعداد قادة منهم في كافة التجمعات الشبابية، ليشكلوا مجموعات ضغط إيجابية تعمل على رفع الوعي بأخطار المخدرات بين أقرانهم، وذلك من خلال أساليب تدريبية جذابة وغير مباشرة تتماشى مع اتجاهات وأفكار النشء وتتلاءم مع أنماط حياتهم.
وأهم الأسس العلمية التي تعتمد عليها إستراتيجية المشروع، هي قابلية العقل الإنساني للنمو والتعديل الذاتي إذا ما توفرت له البيئة المناسبة، وفي نفس الوقت يمدنا العلم الحديث ببرامج تنمية الشخصية، وتنمية التفكير وتنمية الذكاء، وتنمية المهارات الاجتماعية، وتنمية القدرة على اتخاذ القرار، وتنمية الاتجاه الإيجابي نحو الذات ويتمثل في احترام الذات والمحافظة عليها، كل هذه برامج إيجابية تسهم في تحقيق بناء شخصي متكامل للنشء بحيث يتحدى الضغوط الخارجية ويضع لنفسه مسارًا إيجابيا صحيا.
ويضيف أن الإستراتيجية قد استفادت من نتائج البحوث والدراسات المصرية والأجنبية التي تناولت الأسباب المؤدية للإدمان، وفرضية أن التعاطي عرض يكشف عن اضطراب شامل في الشخصية، ومن هنا يكون التصدي لمسببات الاضطراب أكثر فاعلية من التصدي للعرض نفسه.
الاكتشاف المبكر والاتجاهات الحديثة
يعد الاكتشاف المبكر للإدمان مرحلة مهمة من مراحل العلاج؛ حيث إن لها دورا كبيرا في تقليل تأثير المواد المخدرة على المتعاطين، ومقاومة المفاهيم الخاطئة التي يعتقدها بعضهم عن الإدمان كعملية إيجابية لها فوائدها، إلى جانب زيادة فاعلية العلاج والتقليل من حالات الانتكاس والآثار النفسية والمشاكل الاجتماعية.
وفي ذلك تقول دكتورة نادية جمال الدين الباحثة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية إنه يمكن تحديد جهود مكافحة ظاهرة إدمان المخدرات مبكرا في طريقتين، الأولى من خلال مكافحة العرض عن طريق الجهود الأمنية والتشريعات والاتفاقيات الدولية، والثانية خفض الطلب عن طريق الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل.. والوقاية بدورها لها عدة درجات، الدرجة الأولى منع سلوك التعاطي عن طريق دور المؤسسات التنموية والأهلية ووسائل الإعلام، والدرجة الثانية عن طريق الكشف الدوري، والثالثة عن طريق المؤسسات العلاجية والإرشاد المهني.
أما الدكتورة مها وصفي مباشر، الأستاذ بوحدة الإدمان بكلية الطب جامعة القاهرة، فتشير إلى دور الاتجاهات الحديثة في مواجهة الإدمان، مؤكدة أن العلاج التكميلي من شأنه أن يقوم بتوظيف أساليب مختلفة من العلاج وفق المرحلة العلاجية المناسبة للمدمن، خاصة أن التوجه العالمي المعاصر لمواجهة الإدمان يتطلب وضع وتنفيذ برامج وقائية مناسبة تستهدف النشء، ويكون المجتمع الأمثل لها هو مجتمع المدرسة.
توصيات مهمة
وفي محاولة منه للبحث عن تدعيم الجهود العربية لمكافحة الإدمان يشير الدكتور محمد جمال أبو العزايم، الأمين العام للجمعية العالمية الإسلامية للصحة النفسية، إلى عدد من التوصيات أهمها:
- تكثيف الجهود العربية المشتركة بين الجهات الحكومية والجمعيات الأهلية والجهات والمراكز البحثية لمواجهة مشكلة الإدمان في المجتمع العربي.
- المطالبة بالتوسع في إنشاء مستشفيات متخصصة لعلاج الإدمان في مختلف الدول العربية؛ حيث إن معظم أقسام علاج الإدمان ملحقة بمستشفيات لعلاج الأمراض العقلية والنفسية، كما أن الطاقة الاستيعابية المتاحة حاليا لا تلبي أعداد المدمنين واحتياجاتهم.
- تدعيم الجهود الأمنية المبذولة من مختلف الدول العربية للحد من عرض المخدرات في المجتمع العربي.
- التركيز على البرامج المستهدفة لوقاية النشء من المخدرات، حيث تشكل فئة الشباب الجزء الأكبر من المدمنين.
- تشجيع الجهود المبذولة لإيجاد فرص عمل للشباب، حيث تعتبر البطالة عاملا رئيسيا للمشكلات الاجتماعية والنفسية التي يعاني منها أبناء المجتمع العربي.
- الاهتمام بإجراء تحاليل دورية لاكتشاف المدمنين خاصة بين السائقين للحد من ظاهرة الحوادث المرورية المتكررة والناتجة عن مشكلة التعاطي والإدمان.
- ضرورة التعاون المستمر بين مختلف المراكز البحثية العربية للوصول إلى أساليب حديثة في علاج الإدمان.
- الاهتمام بتبادل الخبرات العملية والتطبيقية في طرق المكافحة بين مختلف الدول العربية.
- تكثيف المؤتمرات والندوات المعنية بالوقاية من الإدمان لوقاية الأسرة العربية من هذه المشكلة وآثارها المدمرة على الفرد والأسرة والمجتمع العربي.
- التركيز على الجانب الديني في السياسات المعنية بالعلاج أو الوقاية من الإدمان.
- المطالبة بتعديل القوانين المنظمة لعمل الصيدليات وتغليظ العقوبة على الصيدليات التي لا تلتزم بتعليمات الجهة الصحية المسئولة فيما يخص العقاقير المحظور بيعها دون أن يكون ذلك تحت إشراف طبي، بحيث تواجه بعقوبات رادعة قد تصل للغلق.
- الاهتمام بالجانب الإعلامي في البرامج المستهدفة لعلاج الإدمان باستخدام أساليب فعالة تساهم في إقناع المتلقي بأهمية المشكلة وخطورتها.
صحفي مهتم بالشأن الاجتماعي، يمكنكم التواصل معه عبر البريد الخاص بالصفحة holol@iolteam.com
|