|
| محكمة العدل الدولية |
رحبت صربيا بقرار الأمم المتحدة إحالة قضية استقلال كوسوفا إلى محكمة العدل الدولية لإبداء رأيها الاستشاري في مدى شرعية هذا الاستقلال من جانب واحد، غير أن الترحيب الصربي تلقى صدمة بإعلان مقدونيا والجبل الأسود اعترافهما مساء الخميس باستقلال جارتهما كوسوفا.
وفي تصريحات خاصة لـ"إسلام أون لاين" أرجعت مصادر دبلوماسية وإعلامية كوسوفية سعي صربيا لإحالة القضية للمحكمة الدولية إلى خطة بلجراد (عاصمة صربيا) لعزل كوسوفا عن المجتمع الدولي وعدم إعطائها أي فرصة للاستقرار وإثبات نفسها كدولة مستقلة، وصولا في نهاية المطاف إلى تقسيم كوسوفا بين الغالبية الألبانية والأقلية الصربية.
وفي تصريح وزعه المكتب الإعلامي للرئيس الصربي "بوريس تاديتش" الخميس 9-10-2008 قال الرئيس: "لقد حققنا إنجازا كبيرا، هذا انتصار دبلوماسي، انتصار كبير ضمن كفاح طويل للدفاع عن وحدة أراضينا، والذين يستعدون لقفزة سريعة مخطئون".
غير أن إحساس الانتشاء بـ"الانتصار" الذي تحدث عنه الرئيس الصربي تعكر بعد ساعات قليلة من صدور هذا التصريح، بإعلان كل من جمهوريتي الجبل الأسود ومقدونيا مساء الخميس الاعتراف باستقلال كوسوفا، وهو ما يرفع عدد الدول المعترفة بالاستقلال إلى 50 دولة، وردت صربيا على ذلك بطرد سفيري الدولتين يوم الجمعة.
من جانبه أعرب الرئيس الكوسوفي "فاتمير سيديو" عن "أسفه" لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة إحالة قضية استقلال بلاده إلى محكمة العدل الدولية، مؤكدا في الوقت نفسه أن هذا الأمر "لن يحول دون اعتراف مزيد من الدول بها (كوسوفا) كدولة مستقلة"، مشددا على أن استقلال كوسوفا "لا رجعة عنه".
ومع ذلك توقع فاتمير قرارا "عادلا وحياديا" من محكمة العدل الدولية يتم به "التأكيد على صحة مواقف بريشتينا (عاصمة كوسوفا)".
وفي نفس الاتجاه لم يتخلَ رئيس وزراء كوسوفا "هاشم تاجي" عن "اطمئنانه" من ظهور اعترافات جديدة باستقلال بلاده، معتبرا أن هذا سيقدم "الرد الأمثل على فكرة بلجراد السيئة".
ووافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة الأربعاء 8-10-2008 على طلب صربي بتكليف محكمة العدل الدولية بالنظر في شرعية انفصال كوسوفا من الناحية القانونية، وأيد القرار 77 دولة، بينما عارضته 6 دول، وامتنعت 74 أخرى عن التصويت.
عزل ثم تقسيم
وفسَّرت مصادر كوسوفية إعلامية ودبلوماسية التحرك الصربي الأخير في الأمم المتحدة بأنه يهدف إلى حرمان كوسوفا من فرصة الاستقرار؛ سعيا إلى تحويلها إلى منطقة مضطربة، ثم تقسيمها في النهاية بين السكان ذوي الأغلبية الألبانية والأقلية الصربية.
وأضاف ميلازيم كراسنيتشي، رئيس قسم الصحافة بجامعة بريشتينا، في تصريحات لـ"إسلام أون لاين" أن صربيا تتحرك باتجاه تقسيم كوسوفا بخطوات ثلاث:
الأولى: عزل كوسوفا عن المجتمع الدولي، وتحجيم استقلالها عبر إعاقة انضمامها إلى المؤسسات الدولية.
الثانية: حذف الملف الكوسوفي من أجندة الحكومة الصربية خلال الفترة المقبلة، بعد أن ضمنت تجميد هذا الاستقلال؛ للتفرغ للمشاكل الداخلية، وتفعيل حوارها مع الاتحاد الأوروبي بشأن انضمامها إليه، حيث وجدت فرصتها في إقناعه بأن ملف كوسوفا قد انتقل من يديها إلى يد المحكمة الدولية.
الثالثة: استمرار ندائها للأقلية الصربية المتواجدة في شمال كوسوفا بعدم المشاركة في المؤسسات الكوسوفية المحلية بزعم أن شرعية انفصالها عن صربيا ما زالت محل نظر المحكمة الدولية.
ولا يرى باكيم سيديو، سفير كوسوفا في تركيا، أن المساعي الصربية ستحقق أهدافها في نهاية المطاف؛ "لأنه بات واضحا للجميع، وفي مقدمتهم صربيا، أن كوسوفا أصبحت مستقلة باعتراف عشرات الدول، غالبيتهم أعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو ومجموعة السبع الصناعية".
ودلل على قوله باعتراف البرتغال يوم الثلاثاء (7-10-2008) ثم مقدونيا والجبل الأسود يوم الخميس (9-10-2008)، كما نقلت قناة التلفزة الكوسوفية الرئيسية "رى تي كى" مساء الأربعاء تصريحات لرئيس الوزراء الكوسوفي بأنه تلقى تأكيدات رسمية من كل من رومانيا وسلوفاكيا حول اعترافها بكوسوفا في القريب العاجل.
ويعرب سيديو، الذي عمل كمستشار سياسي أعلى للرئيس الكوسوفي سابقا، عن تفهمه لحق الجمعية العامة للأمم المتحدة في استشارة محكمة العدل الدولية، مؤكدا احترامه التام لمحكمة العدل الدولية، معتبرا أنه: "إذا كان هناك من يخشى من العدالة الدولية فهي صربيا".
وحول تقييمه لإحجام معظم الدول الإسلامية وكافة الدول العربية عن الاعتراف باستقلال كوسوفا، أكد باكيم سيديو أنه لا يستطيع التفرقة بين مواقف الدول العربية والإسلامية عن غيرها من مواقف دول العالم لأن: "لكل دولة مستقلة سياستها الخارجية الخاصة بها، والتي تسعى من خلالها لحماية مصالحها القومية".
بينما رأى كراسنيتشي أن هذا يدل على مدى الضعف الذي وصل إليه العالم العربي والإسلامي، وعجزه عن القيام بدور فعال في القضايا الدولية، والدفاع عن مصالح المسلمين، مضيفا: "نشاهد بعضا من الدول العربية تؤيد صربيا، وهي التي قامت خلال حربين بقتل نحو ربع مليون مسلم في كل من البوسنة وكوسوفا في عقد التسعينيات".
وتخشى بعض الدول العربية والإسلامية - بحسب مراقبين - الاعتراف باستقلال كوسوفا حتى لا تشجع مطالب الانفصالية لديها، وهو ما دفع بعض الدول العربية مثل الجزائر والسودان بالإضافة إلى دول إسلامية أخرى كإيران وإندونيسيا إلى رفض الاعتراف باستقلال كوسوفا وتأييد نقل الملف إلى محكمة العدل الدولية.
وكان إقليم كوسوفا قد أعلن استقلاله عن صربيا من جانب واحد في 17 فبراير الماضي بعد فشل جولات طويلة من التفاوض مع صربيا.
وينتظر أن تصدر المحكمة قرارها (غير الملزم للطرفين) في هذه القضية خلال فترة تمتد من عام إلى عامين.
|