|
مساهمة مجلة "المسلم المعاصر" في إسلامية المعرفة
(أطروحة ماجستير أجيزت بجامعة الأمير عبد
القادر الإسلامية بقسنطينية)
إعداد الباحث: محمد مراح
عرض وتعليق إبراهيم نويري
تمهيد:
في زخم صراع وتدافع الأنساق الفكرية والمذهبية والعقائدية وسطو أيديولوجيات
القهر والجبروت على عقول الشعوب وحرياتها الفكرية والإنسانية، أخذ
الفكر الإسلامي بعد الارتطام العنيف والقهري مع جدار حركة الاستعمار
الغربي الحديث وما يحمل في أضوائه من مواريث العداء والكراهية والحقد
للإسلام وأمته، أخذ يبحث له عن موقع في خضم لا توجد معايير محددة لقياس
وضبط سرعة وحركة وطول أمواجه؛ فكان لا بد أولاً من تحرر الفكر الإسلامي
من أغلال تخلف القرون الحالكة، بما يعنيه ذلك من جمود في الفكر والاجتهاد
وقصور في ارتفاق الأرض وإعمار الحياة، وكذا من آثار محاولات التبديل
الثقافي والفكري الذي تتبناه وتشرف بحنكة على تنفيذه دوائر كاليد المنتمية
للحضارة الغربية، بكل ما يعنيه ذلك من مخاطر القضاء والمحو والإذابة
لمميزات الفكر الإسلامي والشخصية المسلمة وسمات المغايرة الثقافية
والحضارية والمذهبية للوجود الإسلامي.
وبعد تبلور الوعي بضرورة المساهمة في هذا الذي أخذ الفكر الإسلامي
يرنو إليه، ويتنادى لتجميع الجهود حوله ظهرت توجهات التغيير الإسلامي
والبناء الحضاري، ومعالجة أدواء أنساق الفكر الإسلامي خدمة لتطوير
أداء العقل المسلم المعاصر وترقية آلياته لكيفيات استيعاب المشكلات
وتحقيق المعاصرة الحقيقية المتساوقة مع فكرية المرجعية الإسلامية،
والتصدي من هذا المنطلق وهذا الأرضية لمعالجة مشكلات وأدواء الحياة
المعاصرة ومستجداتها المتلاحقة باطراد.. وضمن الانخراط الصادق المخلص،
والواعي بملابسات هذه المنطلقات والغايات، وما يكتنف هذه الرؤية من
الأثقال والعوائق والتقديرات المختلفة ظهرت مجلة "المسلم المعاصر"
إلى حقل التغيير الإسلامي ورفد العقل المسلم في الواقع المعاصر في
شهر شوال 1394هـ الموافق لشهر نوفمبر 1974م؛ ونظرًا للدور الفكري الاجتهادي
والتنظيري الذي أدته وما تزال هذه المجلة المتميزة جاء اختيار الباحث
"محمد مراح" لتتبع هذا المسار الذي أعلنت عنه هذه المجلة وبينت بعض
معالمه منذ عددها الافتتاحي، وذلك بمركزة الاهتمام حول مدى إسهام هذه
الدورية في مشروع إسلامية المعرفة، وإعادة صياغة الثقافة الإسلامية
ومناهج الفكر الإسلامي، والسعي لتحقيق المعاصرة الواعية والفاعلة للنموذج
الإسلامي على كل الصعد ومختلف المستويات.
دوافع البحث:
ودون ريب فإن اختيار الباحث لهذا الموضوع لم يكن لينبع من فراغ، كما
أنه لم يكن مجرد اختيار فرضته بعض ضغوطات ضرورة استكمال الشهادات العليا؛
ولكنه -وهذا له أكثر من دلالة- جاء في سياق رؤية واعية تعيش ذات الهموم
وذات الهواجس والتطلعات التي ترنو إليها مجلة "المسلم المعاصر"، وتروم
تجسيدها في واقع العقل المسلم الفكري والتنظيري، قصد تحقيق سمات التجديد
والمعاصرة والفاعلية لكياننا الحضاري ومنظومات ثقافتنا، وهذه شهادة
حق لقربي الروحي والفكري من صاحب ولأطروحة، ولعل ذلك يتجلى تماما من
خلال بنود دوافع اختيار هذا البحث، كما سطرها الباحث، وهي:
1- الحاجة الملحة لتجديد الفكر الإسلامي المعاصر، نظرا لتنامي التحديات
والضغوطات التي تواجه العقل المسلم، وهو ما فرض أن تكون هذه القضية
على رأس الأولويات لإحداث عملية التغيير الحضاري الشامل، والذي تتمركز
قاعدته في إعادة صياعة الفكر الإسلامي صياغة تتفاعل تفاعلاً إيجابيا
مع الواقع الراهن وتحديات المشكلات المعاصرة، ولكون التجديد هو المجال
العملي الذي تتجلى فيه حركية الفكر الإسلامي وحيوتيه التي تمثل مفتاح
تحقيق النهضة وحسم قضية الأصالة والمعاصرة.
2- على الرغم من الجهود التجديدية الجبارة التي بذلتها حركات الإصلاح
وأفذاذ المفكرين والعلماء المسلمين في الفترتين الحديثة والمعاصرة،
فقد ظلت الحاجة ماسة لبروز مشروع محدد الأهداف، قد رسمت مراحله وخطته،
يتبنى عملية تجديد الفكر الإسلامي، فكان هذا المشروع هو "إسلامية المعرفة"
خاصة منها الاجتماعية والإنسانية، فتفاوتت بشأنه المواقف بين رافض،
ومتجاهل، ومتحمس، وتعد مساهمات مجلة "المسلم المعاصر" ضمن الصنف الأخير
لسببين على الأقل:
الأول: أنها كانت سباقة لطرح فكرة المشروع ومباشرة الدراسات التي تنشرها
في إيجازه وبلورة معالمه.
الثاني: رغبتها في أن تسلك مساهمتها ضمن مشروع علمي تعتقد في جدواه
وأهليته لإعادة بناء حضارة الأمة على الصعيد المعرفي
3- ما تزال الإنجازات والأطروحات في مجال تجديد الفكر الإسلامي -عموماً-
في حاجة إلى مزيد من الدراسات العلمية التحليلية والنقدية، فضلاً عن
ضرورة استشراف الآفاق المستقبلية لتلك المجالات التجديدية، انطلاقاً
من مقتضيات الواقع وتحديات المستقبل.
4- الحاجة العلمية إلى إفراد وسائل الإعلام التي لجأ إليها المجددون
في هذا العصر، بدراسات أكاديمية وعلمية....
ومجلة "المسلم المعاصر"، وإن لم تقدم نفسها باعتبارها مجلة دعوية بالمعنى
المألوف، فإنها قامت بالممارسة والأداء الدعوي في أحد أخطر وجوهه،
وهو بناء القاعد العلمية المعرفية الفكرية، وفق مناهج العلوم الإنسانية
وقواعد وأسس البحث العلمي.
مضمون الدراسة:
قسّم الباحث دراسته إلى ثلاثة فصول ضمنت ثلاثة عشر مبحثاً، بالإضافة
إلى مقدمة وخاتمة وملحق للجداول؛ وعلى الرغم من أن الدراسة -التي استغرقت
ما يقارب المائتي صفحة- ركزت على تحديد واستجلاء مدى مساهمة مجلة "المسلم
المعاصر" في إسلامية المعرفة، لا سيما في حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية،
فإنها سعت كذلك إلى إيضاح بعض القضايا والحقائق التي طمسها الصراع
الفكري، ومنها على سبيل المثال التدليل على كون صفة المعاصرة ليست
امتيازا خاصا للاتجاهات التغريبية والعلمانية، بل المعاصرة أو الحداثة
الحقيقية هي تلك التي يكون السعي لتجسيدها بمعالجة قضايا العصر ومشكلاته
على ضوء مناهج الاجتهاد الشرعي وآفاق المرجعية الإسلامية. وهذه معادلة
لا مندوحة للعقل المسلم المعاصر من استيعاب جوانبها، واستلهام أبعادها
ومقاصدها لخدمة الإسلامية والحضارة الإسلامية في هذه المرحة وهذا العصر.
الفصل الأول: (التجديد في الفكر الإسلامي):
يمكن لنا أن نعتبر هذا الفصل من الدراسة فصلا مدخليا، القصد الأول
منه، وضع الأطروحة المقدمة في إطارها الملائم وفي سياقها الطبيعي،
حتى تكون بعد ذلك الاستنتاجات متساوقة مع المقدمات، وهو -فيما أرى-
أمر ضروري، يقتضيه التحليل المنهجي؛ فمجلة "المسلم المعاصر"، والمنهج
الذي تبناه مسارها التجديدي الاجتهادي، لم ينبعا من فراغ، ولم يكونا
مستدخلين على حقل معرفي ليس له مسوغات ومقومات منطقية وعلمية تبرر
وجوده الفعلي، بل إن العكس هو الصحيح، ومن ثمة فقد سعى المبحث الأول
من هذا الفصل إلى تعريف التجديد في منظور الفكر الإسلامي، ولا يوجد
إشكال في هذا الاستعمال، إذ إن هناك فرقا جوهريا بين الإسلام والفكر
الإسلامي، فالنص المسيّج بطابع القداسة، المستند في علاقته المتاهية
مع روح وعمق الإيمان، وظلاله الأزلية اللامتناهية في نفس وضمير الإنسان
المسلم، هو قطعا ويقينا لا يقع عليه مصطلح التجديد، أي أن المقصود
بهذا الاستعمال هو فهم هذا النص، ومدى علاقته وانطباقه على دنيا الناس،
وسيرورة المتغيرات، باعتبارها سنة إلهية كونية، يستحيل انفصامها عن
حركة الحياة والأحياء.. وبناء على ذلك فإن الشيء المجدد أو ما يقع
عليه التجديد، هو ما شملته هذه المواصفات:
1. أن يكون قد وجد وكان للناس به سابق عهد ومعرفة؛ لأنه لا يوجد من
فراغ.
2. أن يكون قد أصيب بالتغيير أو التبديل أو التحريف أو الجمود.
3. أن يعاد في حقيقته ومقاصده العامة إلى ما كان عليه.
4. أن يحدث الاستمرارية والفعالية والصلاح.
وما يلفت النظر أن الباحث كان على قدر هام من الوعي، وغلبة الروح المقاصدية
في فكره على جانب الانتصار المسبق لبعض المفاهيم التي قد تسوق إليها
بعض ظواهر النصوصيين والحرفيين المعاصرين؛ لذا نجده لا يتوقف كثيرا
عند المبحث الثاني من هذا الفصل، الذي تعرض فيه لمشروعية التجديد،
والتدليل على ذلك ببعض الأدلة النقلية، بينما يركز في المبحث الثالث
على ضرورات التجديد؛ لأن الضرورة عند علماء أصول الفقه مستوعية ومستغرقة
في المقاصد، وبهذا الوعي تكون الضرورات -ضرورات التجديد- بحد ذاتها
ضمن مسلك المشروعية، وجزءا أصيلا تقتضيه المصلحة الإسلامية، وواقع
الحياة الإسلامية، وعلاقات المسلمين بظروف المحيط الإنساني والبشري
والحضاري من حولهم.
وضرورات التجديد في مفهوم الفكر الإسلامي -كما يرى الباحث- تتمثل في
ضرورات طبيعية، وفيها تكون الاستجابة لخاصية التطور بما يحفظ على الأمة
ذاتيتها الثقافية والحضارية، فتتوازن دون الوقوع في أسر التقليد أن
التبعية للغالب، وأن طبيعة الإسلام ومقاصده تتلاءم مع هذه الضرورة،
لحركيته وحيويته، وتعامله مع بعدي الزمان والمكان في تنوعه وقدرته
الفذة على استيعاب قضايا الحياة.
وضرورة نفسية: وهي الشعور الذي ينتاب فئة قليلة (المجدون) بضرورة التجديد
بعد طول انحطاط وغفوة.
وضرورة شرعية - تشريعية: لأن الاجتهاد بدلالته الفقهية والشرعية هو
قسيم الوحي، وضمان إثبات كون الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، ومن ثمة
فإنه يعد فرض عين لمن توافرت فيهم شروطه، كما يعد القول بإسقاطه كبيرة
من الكبائر.
والتجديد أيضا ضرورة حضارية لارتباطه بآلية التفكير في إعادة بناء
الأمة حضاريا ومراجعة مناهج تفكيرها؛ وضرورة مستقبلية كذلك؛ لأن التطلع
للمستقبل أصل فطرى في الإنسان، واستشراف المستقبل هو النظر إلى الزمن
القادم بنظر ثاقب؛ بغية تصور الواقع المقبل انطلاقا من شرفة الواقع
الحاضر، وأن الغد في الإسلام له بعدان، بعد دنيوي وآخر أخروي، وينشأ
عن الصلة بين البعدين ديناميكية في شتى المجالات تجعل الإنسان مسئولا
عن مستقبله، فتنفجر طاقاته التغييرية، خدمة وبناء لغده المقبل.
وإذا كانت طبيعة التجديد ومجالاته في الفكر الإسلامي (المبحث الرابع)
تتحكم فيهما الحاجة الموضوعية إلى التغيير ومن ثمة التخطيط العلمي
الواعي للتجديد، وكذا طبيعة العصر الذي يعيش فيه المسلمون... فإن مرتكزات
التجديد المنشود (المبحث الخامس) يراها الباحث تتمثل بشكل أخص وألزم
في النقاط الآتية:
1- أصول الشرع، من كتاب وسنة، وهذا يتطلب التقسيم الموضوعي لآيات القرآن
الكريم، وتكثيف أحاديث السنة موضوعيا كذلك، كي يرتكز كل علم من العلوم
الإنسانية والاجتماعية بعد ذلك على ما له صلة من هذه المقررات الشرعية،
فتكون منطلقات هذه العلوم والمعارف مؤصلة من الناحية الشرعية، ومن
ثمة ينتفع الفكر الإسلامي بثمراتها.
2- أصول الفقه: ذلك أن الحاجة اليوم ملحة للتواضع على منهج أصولي ونظام
يربط تفكيرنا الإسلامي في المسائل المتصلة بالحياة وحركة الواقع المعيش.
ولا شك أن هذا المرتكز يعضد أيضا بالأدلة المختلف فيها.
3- مقاصد الشريعة: إذ يتحتم على المجتهدين والمفكرين الإسلاميين في
هذا العصر صياغة نظرية تؤطر حياتنا المعاصرة، وتنظم كيفية تعاملنا
من منطق الأولويات في بناء واقعنا ودعم رسالتنا.
4- استلهام النموذج التشريعي الإسلامي في عهود الصحابة والتابعين والفقهاء
الكبار، وكذا تقاليدهم مع واقع الأمة وطموحاتها.
5- الموروث الفقهي: إذ لا غنى عنه للفقيه المسلم المعاصر.
6- الاستفادة من وسائل البحث المعاصر ومناهجه، وفي طلب المعرفة أو
توليدها، وتطوير وسائل القدرات والمهارات على الأداء وحسن الإنجاز.
الفصل الثاني: إسلامية المعرفة أسلوب للتجديد:
ضمن الباحث هذا الفصل مبحثين، تعرض في الأول إلى محاولة تحديد أو ضبط
مفهوم مصطلح (إسلامية المعرفة)، وقد عرض وناقش جملة التعريفات الواردة
حول هذا المصطلح؛ ليخلص من ذلك إلى أن إسلامية المعرفة (تعني بإمكان
تمثل مبادئ الإسلام وتوجيهاته ومقاصده في إنتاج المعرفة العلمية والإنسانية،
مصدرها الوحي والعقل، وتعتمد على التراث الإسلامي خاصة منها المعاصر؛
لأن الإسلامية تمتد خارج الإسلام لتحتضن كل ما يتحرك في دائرة الإيمان
فلا يصادمه ولا يناقضه).
أما عن نسبة المشروع -إسلامية المعرفة- إلى الإسلام، فإن الهدف منه
إنما هو إحلال مفهوم (الإسلامية) محل (التغريب) وكذا إزالة التوجسات
والتخوفات من وجود مناقضة أو تنافر بين (الإسلامية) والتحديث والمعاصرة.
أما المبحث الثاني (معالم المنهج الإسلامي في مشروع إسلامية المعرفة)
فقد سعى إلى إيضاح إحدى الحقائق الكبرى في المعرفة الإسلامية، وتتمثل
في كون معالم المنهج الإسلامي في هذا الخصوص هي انبثاق عن الأسس الكبرى
للعقيدة الإسلامية؛ لذا فإن تلك المعالم تتركز على وجه أخص في التوحيد،
ووحدة الخلق، كما تتجلى في اتساق نظام الكون العجيب، والمعرفة ووحدة
الحقيقة وموضوعيتها، وتكامل الوحي والعقل، وشمولية المجال والوسيلة؛
وكل هذه المعالم -في نظرة الباحث- تعتبر -إلى جانب انبثاقها الموضوعي
عن العقيدة الإسلامية- بمثابة قواعد عامة مؤطرة للمعرفة الإسلامية،
ومؤثرة في حركية وسيرورة الفكر الإسلامي.
الفصل الثالث: مساهمة مجلة "المسلم المعاصر" في إسلامية
المعرفة:
اختار الباحث لهذا الفصل محاور خمسة، رأى بأن جهود الأسلمة أو جهود
التنظير الفكري وإعادة صياغتها إسلاميا، قد انصبت عليها أكثر من غيرها
-جدير بالملاحظة أن الدراسة شملت 56 عددا من هذه المجلة التي ما تزال
بفضل الله والجهود المباركة المخلصة تؤدي رسالتها الواعية- ولا توجد
إشكالية هنا في نسبة جهود وإسهامات الأسلمة إلي المجلة، وليس إلى الأقلام
والعقول التي تقف وراءها، لسبب موضوعي واضح، هو أن ما يعتمد للنشر
محكوم برؤية المجلة وخطها المرسوم، وعليه يضحى ما ينشر على صفحاتها
مستغرقا في منهجيتها المتحركة بثلاثة أجنحة، هي: التجديد والاجتهاد
والأسلمة.
وقد تناول المبحث الأول من هذا الفصل مساهمة المجلة في أسلمة (العلوم
التجريبية)، وفيه تم رصد جهود المجلة في محاولات وضع أسس ومنطلقات
جديدة لفلسفة العلوم، وصياغة موقف إسلامي يدعم الإيمان والحقائق الكونية،
ويقضي على الازدواجيات الموهومة، المرفوضة في التصور الإسلامي، بين:
الدين والدنيا - الروح والمادة - التقوى والإبداع... إلخ، ويحاول في
الوقت ذاته ترسيخ علاقة صحيحة بين العلم والأخلاق بما يعود على الإنسانية
بالنفع والخير والسعادة.
كما سعى المبحث الثاني إلى تتبع جهود المجلة في أسلمة الإعلام، وكان
الباحث نابها ودقيقا حين نبه إلى كون هذه المجلة (ليست مجلة إخبارية
إعلامية، بل هي مجلة علمية غايتها الوصول إلى الحقيقة المعرفية العلمية
في شتى مجالات المعرفة والعلم، قصد التأصيل للفكر الإسلامي المعاصر).
ومن بين الاستنتاجات الواردة في هذا المحور أن الإعلام لا تتم أسلمته
فحسب، وإنما - إضافة لذلك - يصبح حاملا لمشروع الأسلمة، حيث يسهم في
حمل الدراسات النظرية لأسلمة المعرفة، وأن مجلة "المسلم المعاصر" نموذج
لذلك. وقد بدا للباحث أن مجلة "المسلم المعاصر" نجحت إلى حد كبير في
إبراز فلسفة الإعلام الإسلامي، من خلال إيمانها وتسليمها التام بالنظرية
الإسلامية الإعلامية بمختلف قسماتها ومميزاتها، وأن أبحاث المجلة دارت
- بشكل أخص - حول وظيفتين إعلاميتين هما:
أ- الوظيفة الدعوية: إذ إن الإعلام الإسلامي موجه للمسلمين وغيرهم
من الخلائق لإعلامهم بالإسلام، ومن ثمة فقد وجب مواجهة تحديات العصر،
بالاستفادة من علوم الاتصال والعلوم المساعدة له، والحرص على تقديم
قيم الإسلام بحسن استغلال أزمة الإنسان المعاصر.
ب- الوظيفة التربوية والتعليمية: وقد أدركت مجلة "المسلم المعاصر"
وربما بصفة مبكرة ونابهة، القيمة النفعية والفائدة البالغة من وراء
الجهد التخطيطي والتوجيهي في مجال الوظيفتين التربوية والتعليمية للإعلام،
فأسهمت برسم منهج علمي لنقل تراث الأمة وموروثاتها الحضارية للأجيال
الحاضرة.
ثم جاء المبحث الثالث لتتبع مساهمة المجلة في أسلمة علم النفس، وهذا
المحور في واقع الأمر بالغ الخطورة والأهمية، فقد بات الجانب النفسي
من الكيان الإنساني والبشري المدخل الأساس في إحداث التبعيات الحضارية؛
لأنه الباب الطبيعي الذي تسلكه الأفكار بما تحمل من خصوصيات متمايزة
لتستقر في الأعماق، وتحدث حينئذ التغيير من الداخل، فتكون النتيجة
تشوه الهوية الحضارية بمعناه الأعمق والشامل، فتضطرب وتتنافر مميزاتها،
قد حاول المبحث الابتعاد عن الأيديولوجيا في هذه الجانب المعرفي، والتركيز
على معطياته العلمية المحضة، وكذا رصد مساهمة مجلة "المسلم المعاصر"
في لمّ شتات معالم المنهج الإسلامي في المعرفة النفسية، بيد أنه من
العسير- فيما أرى- الفصل التام بين المعارف المتعلقة بالنفس البشرية
باعتبارها علما له موضوعه المستقل ومناهجه الموقوفة عليه، وبين المشارب
والاتجاهات الحضارية المختلفة، لاستحالة تفريق النشاط الفكري والأشواق
الروحية عن تفاعلات النفس الإنسانية، ومن ثمة فقد ذهب المبحث باتجاه
كشف محاولات المجلة في إبراز مميزات علم النفس الإسلامي، كاستقلاليته
المنهجية، وكمال المصدر لديه، وابتكاره لمصطلحات ومفاهيم خاصة به،
وانسجامه مع الطبيعة… إلخ، وقد درس المبحث نموذجين من دراسات المجلة
للتدليل على صحة تلك المميزات: النموذج الأول هو أسلوب الإسلام في
إنقاذ مدمني الخمر والمسكرات، والثاني فعالية المنهج الإسلامي في تحقيق
الصحة النفسية، من خلال قوة تأثير أبعاده الروحية والأخلاقية في السلوك
الإنساني.
أما المبحث الرابع فقد سعى إلى مقارنات الكشف عن مساهمة مجلة "المسلم
المعاصر" في أسلمة (التاريخ) ومناهج فلسفة التاريخ وأساليب تفسيره،
وكان الاهتمام منصبا على الجهود المقدمة من خلال أربعة محاور هي "الحركة
التاريخية والتوجيه القرآني"، و"المسألة الحضارية وتفسير التاريخ"،
و"أساسات التفسير القرآني للتاريخ"، و"ابن خلدون نموذج لإسلامية تفسير
التاريخ".. ومن بين مستخلصات هذا البحث (أن معالم القرآن والسنة الهادية
لحركة الإنسان والمجتمع نحو الحضارة هي إطار الرؤية الإسلامية لتفسير
التاريخ وقاعدة إنجاز الأسلمة المرجوة في هذا الجانب المعرفي).
وكان المحور الأخير في هذه الأطروحة، والذي تناوله المبحث الخامس،
عن مساهمة المجلة في إسلامية الفنون، وهو محور ذو حساسية خاصة في التدافع
بين الحضارات والثقافات في عالمنا المعاصر، وقد لاحظ الباحث أن مجلة
"المسلم المعاصر" انتهجت منهجًا لإرساء بمشروع الأسلمة، تقوم أساسا
على قاعدة الجمع والموازنة بين الدراسة المتخصصة في مجال الظاهرة المدروسة
والدراسة الفقهية الشرعية.
ومن المعطيات التي انبثقت عن استنطاق بحوث المجلة: أن بداية النظرية
الجمالية الإسلامية في حقيقة الأمر كان من إيحاءات النص القرآني ودوره
في لفت الأنظار إلى مواطن الجمال الكونية، وأن الطبيعة الجمالية في
القرآن الكريم تتجلى من خلال مطابقته للحقيقة ببعديها المشهود والغيبي؛
لأن الله تعالى خالق كل شيء هو مصدر كل جمال.
وعن إسلامية الفنون المرئية فقد أوحت دراسات المجلة بأنها تأتي في
مقدمة الفنون الإسلامية، وذلك لما لها من خصوصيات وتميز يدعو للابتعاد
عن المعيارية الغربية، كاحترامها للمعتقد والأبعاد المقدسة ومناقضتها
الكاملة لنظرة مذهب الفن للفن، ويكونها وضعت لكل طبقات المجتمع.
ومن هذه المعطيات كذلك المشار إليها أن أسلمة جماليات السماع تقتضي
حتما تعديل الموسيقى في العالم الإسلامي بأنواعها الدينية، والفنية
التقليدية، والشعبية، ويرتبط بذلك من جهة ثابتة ضرورة الحسم في مدى
شرعية السماع للموسيقى، وما إلى ذلك من مستلزمات إضافية يقتضيها هذا
المجال المعرفي.
وكم تمنيت لو أن الباحث ركز -في دراسة هذا المحور- على كشف القسمات
المميزة لمنهج الترويح الإسلامي، وحدود مغايرته لبقية مناهج وأساليب
الترويح المعروفة في الثقافات والحضارات المعاصرة، فذلك ربما - فيما
أحسب - ينفع في تجلية معالم المنهج الإسلامي في أسلمة الجوانب الفنية،
وتحقيق المعاصرة الإسلامية الفاعلة في هذه القضية ذات الانجذاب البالغ،
حتى أضحت من أبرز أبواب الغزو الثقافي، واجتياح العقائد وتشويه الخصوصيات
والهويات الفكرية والحضارية.
وختمت الأطروحة بخاتمة ضمنت جملة من الاستنتاجات التي توصل إليها الباحث،
وعددًا من المقترحات التي رأى أهمية طرحها أمام المهتمين والرأي العام
العلمي والثقافي، وتنبيه القائمين والمشرفين على المجلة بجدواها في
نفع الفكر الإسلامي... ومن أهم الاستنتاجات الواردة ما يأتي:
1- أن التجديد الفكري والحضاري قرين لحياة الأمة أو موتها؛ لذلك فلا
جدوى من التردد في الذهاب مذهب القائلين بفرضيته العينية على كل من
استكمل أدواته ومؤهلاته الشرعية والعلمية.
2- يمكن اعتبار إسلامية المعرفة أول مشروع المعاصرة يتسم بشمولية الطرح
الفكري والمعرفي.
3- الانسجام بين مفهوم إسلامية المعرفة ومساهمة مجلة المسلم المعاصر
في ذلك من خلال النماذج والمعارف المدروسة.
4- تمثل أطروحات وبحوث المجلة زادًا معرفيًا يمكّن للدعوة الإسلامية
المعاصرة، ويجعلها قادرة على إمكانية طرح البدائل من خلال الاستغلال
الأمثل لوسيلة الدعوة المعرفية والعلمية.
أما المقترحات التي قدمها الباحث فقد لخصها في هذه النقاط:
1- ضرورة إصدار المجلة بأكثر لغة من اللغات الحية ضمن العدد الواحد.
2- عقد ونشر ندوة العدد.
3- اعتماد أسلوب الملفات المتخصصة.
4- إصدار أعداد خاصة (الإحاطة البحثية بمحور فكري معين).
5- إنشاء صلات بينها وبين المؤسسات العلمية والمالية والاقتصادية.
(جدير بالملاحظة هنا أن مجلة "المسلم المعاصر" أقامت صلة واعية ومنهجية
بمؤسسة المعهد العالمي للفكر الإسلامي، كما انتفع ببحوثها ودراساتها
الاجتهادية والتنظيرية العديد من البنوك الإسلامية).
6- التذكير بإمكانية أو صلاحية أن تكون هذه الأطروحة مفتاحًا لبحوث
أخرى حول إسهام هذه المجلة في أسلمة جوانب معرفية أخرى ذات الصلة بمقاصد
التجديد الفكري.
7- الدعوة لإجراء دراسات مماثلة حول شتى المجلات والدوريات الإسلامية،
قصد إنجاز عملية مسح للجهود المقدمة في مجال مشروع إسلامية المعرفة،
وتشجيع المجلات الإسلامية على خدمة المشروع وإثرائه.
وما يجب قوله في نهاية هذا العرض أن الجهد الذي بذله الأستاذ محمد
مراح جدير بالتنويه والتشجيع، خاصة أنه - في حدود علمي - البحث الأول
حول مجلة "المسلم المعاصر"، وأنه يدور حول أبرز محور في خط المجلة،
وأنه أيضا جاء في وقت تتضاعف فيه - وبشكل مفزع - وتيرة التحديات أمام
مسار الفكر الإسلامي، كما تزداد باطراد مكايدة العقل الإسلامي من عراقيل
محيطة وأثقال المواريث التاريخية، وهو يبحث عن النهج الأقوم في تحقيق
المعاصرة الصعبة إلى التوازن المطلوب.
وما يحسب أيضا للباحث شمائل الوفاء والأمانة العلمية، فلم ينس تقديم
آيات العرفان والشكر والتقدير للأستاذ الدكتور جمال الدين عطية صاحب
الامتياز ورئيس تحرير مجلة "المسلم المعاصر" والمستشار الأكاديمي للمعهد
العالمي للفكر الإسلامي، الذي تكرم بإهدائه أعداد المجلة - موضوع البحث
- مصحوبة ببعض التوجيهات والملاحظات، كما لم ينس كل الذين أسهموا في
إنضاج هذا البحث ولو بالنصيحة، فذكر الأستاذ عمار طسطاس، والدكتور
على القريشي، والدكتور كمال الدين إمام، والدكتور يوسف حسين، والدكتور
بلقاسم الغالي... ومكتبة الشيخ العربي التبسي بمدينة (تبسة) التي أفادته
كثيرا بعظيم كنوزها العلمية والفكرية على إنجاز البحث.
أخيرًا بقيت الإشارة إلى أن هذه الأطروحة نوقشت -منذ سنتين- بمدرج
المفكر الإسلامي مالك بن نبي بجامعة الأمير عبد القادر الإسلامية بقسطنطينية،
وقد نال الباحث درجة الماجستير بتقدير مشرف، وهو الآن يعد لنيل درجة
الدكتوراه في مجال الإعلام الإسلامي، فنسأل الله له التوفيق في رسالته
النبيلة، والسداد في خدمة الفكر الإسلامي الراشد وقضايا أمتنا الكبيرة
المركزية، إنه تعالي نعم المولي ونعم النصير.
|