|
من جمال الدين الأفغاني إلى جمال الدين عطية
"العروة الوثقى" تستفيق في "المسلم المعاصر"
أ. عبد الجبار الرفاعي
كنت في زيارة للكويت في صيف عام 1977 فأخبرني أحد العلماء الشيعة بصدور
مجلة فكرية إسلامية جديدة. وقدم لي نماذج منها، ولم أكن يومها علي
معرفة بصاحب المجلة ورئيس تحريرها، غير أن زميلي استغرق في إطراء المجلة
وأسرف في مدح خطها الفكري وانفتاحها، ودعوتها للتجديد، وتمسكها بروح
الوحدة والتآخي بين المسلمين. وذهب في حديثه إلى أنه لا يعرف بحدود
متابعته للدوريات الإسلامية دورية كـ "المسلم المعاصر". وتمنى أن تتكرر
هذه التجربة في العراق، أو على الأقل تفتح وزارة الإعلام الطريق لتوزيع
هذه المجلة في بلدنا، الذي جرى فيه تأميم كل شيء وإعادة ملكيته لشخص
مولانا السلطان، فالأموال والفروج والأرواح، كلها تعود إليه، وكل ما
في حياتنا حتى الضحك والبكاء أمسى بحاجة إلى ترخيص منه.
فاستعرت مجموعة أعداد من صاحبنا، وذهبت إلى مقر إقامتي، وشرعت بمطالعتها،
فبهرني ما استهل به رئيس التحرير العدد الافتتاحي، في حديثه حول بواعث
صدور هذه المجلة ومنطلقاتها، وحظها الفكري ومحددات سيرها وتطلعاتها.
وفوجئت بأنها تريد التحرر من الوصاية بكافة صورها وألوانها، وصاية
الآباء، ووصاية الجماعات والفرق والأحزاب، ووصاية أصحاب رؤوس الأموال،
ووصاية السلطان وبلاطه... في مجتمع يضج بشتى أشكال الوصايات والأغلال
الأيديولوجية والسياسية والطائفية والعصبوية.
كما فوجئت أيضًا بدعوة هذه المجلة إلى اجتهاد معاصر يتجاوز التراث
مرتين:
يتجاوزه مرة بالتحرر من ركام القراءات المختلفة، مما أنجزه المسلمون
منذ عصر التدوين إلى ا ليوم، في علوم المنطق والفلسفة والكلام والتصوف،
والتفسير والحديث، والفقه وأصوله، والتي حجبت الكتاب الكريم والسنة
الشريفة، وشكّلت بالتدريج جدارًا صلدًا يحول دون استلهامهما والاتصال
المباشر بهما.
ويتجاوز الاجتهاد الذي تدعو إليه "المسلم المعاصر" التراث مرة أخرى
بالتحرر من مشاغله وهمومه التاريخية، والاندماج بالعصر، ناهلاً من
معارفه ومكاسبه العلمية، ومتفاعلاً مع قضاياه، وواعيًا لمشكلاته، ومستشرفًا
لمستقبل أمثل.
دعوة تتجاوز فتح باب الاجتهاد:
وهي دعوة تكاد تجترح المستحيل في عالم يستعيد الماضي كما هو، ويجهض
أية محاولة لتجاوز التراث، أو تفكيكه واستئناف بناءه، في ضوء رهانات
العصر ومتطلباته.
لقد لبث الفقهاء عدة قرون يسوقون الأدلة والحجج على ضرورة تعطيل فريضة
الاجتهاد، ويدافعون بعنف وضراوة عن القرار الخطأ بإقفال باب الاجتهاد.
ولم تفلح جهود واعية مخلصة في التغلب على ذلك القرار، وحماية العقل
المسلم من سلطة الآباء وفقههم.
وبصراحة كنت أ حسب أن تطلعات "المسلم المعاصر" ليست سوى أحلام اعتدنا
سماعها من أصحابنا، وهي تحكي ذهان السهولة لدى الإسلاميين، حسب تعبير
المفكر المرحوم مالك بن نبي.
لكن "المسلم المعاصر" غامرت بما هو أبعد مدى من ذلك، لأنها لم تقتصر
على الدعوة للاجتهاد فحسب، وإنما اقترحت اجتهادًا يعزز فاعلية العقل،
ولا ترهبه سلطة السلف. ودشنت ذلك عمليًّا حين باشرت صياغة المرتكزات
المنهجية للتعامل مع الماضي والحاضر والآخر، في هدى الكتاب والسنة.
وبدأت تنشر مساهمات جريئة في أعدادها الأولى، تدعو لإعادة بناء علم
أصول الفقه مثلاً، وتشدد على الأهمية البالغة لهذا العلم، باعتباره
منطق الفقه، وما يمكن أن يقدمه في تأصيل العلوم الإنسانية الحديثة،
فيما لو قام الأصوليون بتجديد هذا العلم، بعد أن لبث عدة قرون يكرر
ذاته، بفعل ما أشيع خطأ، من أن مسائل أصول الفقه قطعية، وهي مما لا
يصح الاجتهاد فيها. ومن المؤسف أن هذا الوهم ارتقى لدى المتأخرين إلى
درجة الحقيقة المطلقة، ولم يتنبه هؤلاء إلى أن الأصوليين الذين صاغوا
هذا العلم وبلوروا القواعد الأصولية، إنما اهتدوا إلى تلك القواعد
في سياق ما اكتنف حياتهم من استفهامات وحاجات تشريعية زمنية انبثقت
في داخل الاجتماع الإسلامي آنذاك. مما يعني توالد استفهامات وحاجات
تشريعية جديدة، تواكب مسار الاجتماع الإسلامي وتحولاته عبر التاريخ،
لا تتسع لاستيعابها القواعد الموروثة، فيضطر الفقيه لإعادة إنتاج الفتاوى
ذاتها، من دون أن يدرك العصر واستحقاقاته، لأنه يظل يجول في مدارات
التراث، وكلما توغل في تلك المدارات غاب عن حاضره ومشاغله.
إسلامية المعرفة من الفكرة إلى المدرسة:
وبموازاة ذلك تبنت "المسلم المعاصر" الدعوة لأسلمة المعرفة، فنشرت
عدة دراسات رائدة تصوغ رؤية أولية لتأصيل العلوم الإنسانية، كما نشرت
دراسات لاحقة تجتهد في تطبيق أسس هذه الرؤية لتشكل نماذج في تأصيل
كل من تلك العلوم. حتي أضحت "المسلم المعاصر" المحضن الذي اختمرت فيه
النواة الجنينية لمدرسة إسلامية المعرفة، والقناة التي أشاعت وعيًا
جديدًا بضرورة إعادة بناء المعارف الاجتماعية الجديدة من منظور إسلامي.
ولولا مساهمات هذه المجلة في نشر طائفة من الكتابات العربية أو المترجمة
عن الإنجليزية لرواد إسلامية المعرفة، وملاحقة هذه الفكرة في مراحل
ولادتها وصيرورتها، لولا ذلك لما أُتيح لهذه الفكرة أن تتطور إلى مشروع
ثم أخيرًا إلى مدرسة، وتحوز على عدد لا يستهان به من المريدين والأنصار
في مختلف أنحاء العالم.
تقاليد معاصرة للإعلام الإسلامي:
إن أهم مكاسب "ٍالمسلم المعاصر" هي إرساء أسس تقاليد منسجمة مع العصر
للإعلام الإسلامي. فقبل صدور هذه المجلة تصرَّم أكثر من مائة عام علي
تجربة الإعلام في عالمنا، صدرت فيها مئات الصحف والمجلات والنشرات
باللغات العربية والفارسية والأردية والإنجليزية.. وغيرها.
وقد اتسم الخطاب الإعلامي في تلك المطبوعات بأنه خطاب دفاعي تعبوي،
استبدت به نزعة الهروب من واقعه، فهو تارة يهرب إلى مكان آخر، فيهيم
بالغرب، وينبهر بإنجازاته، ويدعو إلى استنساخ تجربته بكل ما فيها،
من دون تفكيكها وإعادة تركيبها، باستبعاد عناصرها المحلية، ونسقها
الحضاري الخاص. وهو تارة يهرب إلى زمان آخر، فيهيم بالماضي، ويرتد
إلى مشكلاته، وتأسره مفهوماته ومقولاته، وحتى ألفاظه وعباراته، وما
أفرزته التجربة التاريخية في معالجة تلك المشكلات، بغية التغلب على
ظاهرة التبعية للغرب، بنحو أفضى ذلك إلى تنزيه الماضي، والدفاع عن
كل ما تشتمل عليه التجربة التاريخية للعالم الإسلامي، وتسويغ الظلم
والاستبداد، وتبرير الخلاعة والمجون. حتى طغت نزعة سلفية في التفكير
تنادي باسترجاع الماضي بتمامه، وتقديس التراث برمته، وتناهض أية محاولة
لتقويم التراث وتحليله، واكتشاف أبعاده المطلقة والنسبية.
كما استبدت بالخطاب الإعلامي رؤية تبسيطية للمشكلات، فقد تغلب على
معالجة الإعلام الإسلامي للمشكلات التبسيط والسهولة، بنحو يتجاهل البنية
المعقدة لطبيعة المشكلة، وما يثوي ورائها من شبكة عميقة من الأسباب
والعوامل المتنوعة، يتصل بعضها بمسار الأمة وما ورثته من عصور الانحطاط،
فيما يتصل بعضها الآخر بمختلف الظروف والملابسات التي تعرضت لها الأمة
في القرنين التاسع عشر والعشرين، والمحيط الخاص الذي تشكّل في سياق
تلك الملابسات.
لقد تعاملت معظم الكتابات مع الواقع بأسلوب لا يخلو من التعميم، والوقوف
عند السطح، وعدم تقصي جذور الظواهر الاجتماعية، واكتشاف النسيج العضوي
المستتر، الذي تتوحّد به مع مجموعة الظواهر المناظرة لها. فجاءت الحلول
التي اقترحتها هذه الكتابات بعيدة عن الواقع وما يضج به من مشكلات
مزمنة، وتداول الإسلاميون مفاهيم وأفكار في قضية التغيير الاجتماعي،
غالبًا ما تجهل الواقع، وما يسود الحياة الاجتماعية من ظروف واختلالات،
وغير ذلك من العوامل المركبة والمزدوجة للظواهر الاجتماعية.
كذلك اتسم الخطاب الإعلامي بأنه خطاب يطغى فيه المديح والتبجيل، فيما
يغيب فيه النقد والتقويم والمراجعة. ومن المعلوم أن غياب العملية النقدية
سيقود لا محالة إلى تنزيه الذات، وبالتالي سكونها وتواريها، والعودة
إلى الأفكار نفسها على الدوام، مهما تجددت الوقائع وتغيرت الأحوال.
كأن هناك آراء بشرية خالدة أبدية تتسع لتستوعب مختلف المتغيرات في
الزمان والمكان، وكأن وظيفة الخلف هي حفظ أفكار السلف، وترديد أقوالهم،
وعدم تطويرها وإكمالها، أو تجاوز ما ينبغي تجاوزه منها لأن الأول لم
يترك للآخر شيئًا، حسب تعبير هؤلاء.
غير أن "المسلم المعاصر" افتتحت عهدًا جديدًا للإعلام الإسلامي، فاقتحمت
ميدان النقد، وباشرت مراجعة وتقويم مفاهيم الإسلاميين ومؤسساتهم ومواقفهم،
فمنذ عددها الافتتاحي أعلن مؤسسها ورئيس تحريرها الدكتور جمال الدين
عطية بأن هذه المجلة لا تتسع لكل بحث علمي، ولا تهتم بكل مادة علمية،
إنما تنتقي من هذا وذاك ما كان طابعه فكريًّا يناقش الاتجاه والمنهج
والأصول. واستهلت "المسلم المعاصر" تجربتها بتخصيص باب للمناقشة والحوار،
ومضت ترفد هذا الباب في أعدادها التالية. فمثلاً خاض جماعة من المثقفين
الإسلاميين نقاشًا حادًا حول مسألة "اليسار الإسلامي" في هذا الباب،
تحول فيما بعد إلى عاصفة من الجدل، وكنا نتمنى أن يواصل الدكتور فتحي
عثمان والدكتور محمد رضا محرم بيان حججهما في هذه المسألة، ذات الأهمية
الفائقة في الفكر الحركي والسياسي الإسلامي اليوم، بل كنا نطمح أن
تبادر "المسلم المعاصر" لإذكاء هذا النقاش من جديد، بعد أن أصدر الدكتور
حسن حنفي العدد اليتيم من مجلته "اليسار الإسلامي" يناير 1981م، فلو
أنها بادرت وأعادت نشر افتتاحية الدكتور حنفي "ماذا يعني اليسار الإسلامي"
لأقحمت الباحثين أُفقًا فكريًّا خصبًا، يثري الحوار في مسائل الفكر
السياسي والحركي الإسلامي، ويمكن أن تتوالد في سياقه مفهومات ومقولات
متنوعة، مثلما يمكن أن يقود إلى مراجعة مفهومات سابقة واستئناف النظر
فيها. لأن مسألة اليسار الإسلامي مع ملاحظاتنا عليها، وعلى ما يطرحه
الدكتور حسن حنفي هي قضية خلافية إشكالية، تستفز الوعي الحركي، وتحفز
العقل الإسلامي للإفصاح عن معطيات بديلة حيال قضايا العصر ومشكلاته.
من الدفاع إلى الإبداع:
طغت النزعة الدفاعية على الفكر الإسلامي الحديث، فمعظم الكتابات جاءت
كردود أفعال علي ما أثاره التعرف علي الحضارة الغربية الحديثة، وما
أنجزته من تقنيات ومعارف وآداب وفنون. وتمحورت جهود المفكر الإسلامي
حول المقارنات واكتشاف القواسم المشتركة بين ميراثنا ومنجزات الغرب.
غير أن بعض الكتابات أفلتت من ذلك، فتخطت حالة الدفاع، وبدأنا نكتشف
في ثناياها تأصيل وإبداع، مثلما نلاحظ في أعمال محمد إقبال، ومحمد
عبد الله دراز، ومالك بن نبي، ومحمد الطاهر بن عاشور، ومحمد باقر الصدر.
ويبدو أن "المسلم المعاصر" شخصت هذه الحالة في الفكر الإسلامي، فنبهت
إلى ضرورة الانتقال إلى مرحلة جديدة، يتخلص فيها الفكر الإسلامي من
محاكاة الآخر، ويتجه نحو الخلق والإبداع. فقدمت على صفحاتها الكثير
من الدراسات الجادة. التي تضمنت مقترحات ونظرات اجتهادية، لتقرير موقف
الإسلام إزاء قضايا العصر. وهذه المقترحات والنظرات وإن كانت تسعى
لبلورة رؤية إسلامية أولية حيال العصر إلا أنها تصلح كأساس لإشادة
رؤية إسلامية متكاملة الأبعاد.
امتداد تجربة المسلم المعاصر:
لعل من أبرز المعطيات غير المنظورة لتجربة "المسلم المعاصر"، هي تحوّلها
إلى مدرسة نموذجية للإعلام الإسلامي، وهذه أحد المكاسب والنجاحات الباهرة
لـ "المسلم المعاصر". فقد تجلت هذه الدورية في تجارب دوريات إسلامية
متعددة تالية لها.
وإذا صح القول أن "العروة الوثقى" لجمال الدين الأفغاني استفاقت في
"المسلم المعاصر" لجمال الدين عطية، فإن المسلم المعاصر استفاقت في
"قضايا إسلامية معاصرة" الصادرة في الحوزة العلمية في قم، وفي غيرها
من الدوريات الإسلامية. مما يعني أن مدرسة الإعلام الإسلامي التي أرسى
دعائمها العلامة الدكتور جمال الدين عطية ستظل شاخصة إلى الأبد، لجهة
تمثيلها المنعطف البارز في مسار الإعلام الإسلامي في القرن العشرين.
|