|
مقترحات حول مجلة المسلم المعاصر
أ.د. أحمد فؤاد باشا
فها هي مجلة المسلم المعاصر في عيدها الفضي، بعد مرور خمسة وعشرين
عامًا على ظهورها، لم تتخلف أو تتزحزح عن المكان الذي اتخذته لنفسها
في طليعة المجلات الإسلامية الجادة، فقد حدّد الاسم الذي حملته منطلقها
وهويتها وانتماءها للأمة الإسلامية الناهضة في حقبتها المعاصرة، وجاء
مسارها في أعدادها المتتالية مصدّقًا لانتمائها وهويتها، ومعبرًا عن
مضمون رسالتها التى أصبحت مقترنة بحركة التنوير والإصلاح الهادفة إلى
الانتقال بوعي المسلمين وواقعهم نحو الأفضل دائما، وليس أدل على ذلك
من اعتبارها مرجعًا أصيلاً للباحثين في قضية المعاصرة بمداخلها الثلاثة:
الاجتهاد، والتنظير، وإسلامية المعرفة.
ولعل أبرز ما حققته المجلة خلال هذه الفترة هو أنها رسمت ملامح مشروع
حضاري متكامل لاستيعاب حركة الحياة، واسهمت في بلورة رؤية مستنيرة
لتطبيق النموذج الإسلامي الرشيد، وسعت إلى تنقية مفهوم النسق الإسلامي
المعرفي واستقصاء علاقاته بقضايا فرعية عديدة ومتنوعة، اجتماعية واقتصادية
وسياسية وعلمية .وهي قضايا ذات صبغة عالمية - بحكم طبيعتها - في الثقافات
والحضارات الأخرى.
ونحن من جانبنا نؤكد على أهمية استمرار طرح هذه الموضوعات التى تهم
جموع المفكرين والعلماء والمثقفين على اختلاف اتجاهاتهم وانتماءاتهم
.. ونرى أن يتم التركيز نسبيًّا في المرحلة القادمة على محور "العلم
والتقنية" لما له من أهمية قصوى في الحياة المعاصرة من الناحيتين الفكرية
والعلمية، ولارتباطه الوثيق بمقومات النهضة الإسلامية المنشودة، وبتفعيل
الدور المنوط بأبناء الأمة في مواجهة تحديات العولمة الجديدة. ويمكن
التعرف على أبعاد هذا المحور الهام من خلال مجموعة من الحقائق والرؤى
نوجزها فيما يلي:
1- إذا كان الإنسان قد انشغل بقضايا العلم والتقنية لدرجة أصبح معها
البحث العلمي في عصرنا سلاحًا تنفق عليه الدول المتقدمة في سعة وبذخ،
وتحوط أسراره بالكتمان، وتعلق عليه الأمل في حل مشكلاتها وبسط نفوذها،
فإن مناهج العلم وأفكاره، من ناحية أخرى، أصبحت هي السائدة في ميادين
الفكر والعلم، بحيث لا يوجد مجال من مجالات النشاط الإنساني في زماننا
؛ لا يعتمد على العلم في تطويره والإسراع بإيقاع حركته، كما أصبحت
"العلمية" وصفًا يولع إطلاقه المنظرون ودعاة التحديث على مذاهبهم ورؤاهم
الفكرية، وغدت الحاجة إلى "المنهجية العلمية" ضرورة تفرضها طبيعة الإبداع
والإنتاج المعرفي القائم على ملكتي الخيال والتفكير اللذين يتصف بهما
العقل الخصيب في عصر تدفق المعلومات.
2- تنبئ النظرة الفاحصة للواقع العلمي والتقني المعاصر أننا في مرحلة
تحول نحو نموذج كوني جديد New Kuhnian Paradigm (نسبة إلى نظرية فيلسوف
العلم المعاصر توماس كون T. Kuhn في بنية الثورات العلمية) يطرأ بسببه
تحول كبير علي وعى الإنسان وتصوره لنفسه وللعالم الذي يعيش فيه. ويتوقع
المحللون لنتائج الأبحاث الجارية في مجالات العلوم المختلفة أن الوجه
المادى لحضارة القرن العشرين سوف يتغير مع بدايات القرن القادم، ومن
المنتظر أن يكون لكل من التقنية وصناعة المعرفة دور خطير في تغيير
أنماط الحياة والقيم والسلوك، بعد أن تجاوزا حدودهما في تحليل العالم
بمعزل عن القيم الإيمانية الهادية.
3- أما بالنسبة للتراث العلمي والتقني للحضارة الإسلامية فإنه بالرغم
من بعض الجهود الفردية المتواضعة - لا يحظي بالاهتمام المناسب، في
الوقت الذي تكثف فيه الدول الغربية جهودها لإحياء تراثها، وتلجأ أحيانًا
إلى الاكتتاب وطلب المساعدة من الدول الغنية في العالم، والإسلامية
منها، بحجة أن التراث مشترك إنساني.
في ضوء هذه الاعتبارات تظهر أهمية تناول قضايا العلم والتقنية المختلفة
من منظور إسلامي، واعتبار هذا التناول ضرورة معرفية وحضارية في آن
معًا، تقتضي إعداد أبحاث ميدانية ودراسات تفصيلية وتحليلية مقارنة
لتفنيد مواقف التيارات الفكرية المختلفة، ولصياغة نظرية عامة للعلم
باعتباره حالة فكرية لها إطارها العقائدي، ورصيدها الحضاري، وهدفها
الإنساني . وهذا - فيما نرى - أمر ضروري لكل من يريد تعاملاً واعيًا
وفهمًا حقيقيًّا لقضايا الفكر العلمي في حدود أوضاع اجتماعية واقتصادية
وثقافية وروحية وأخلاقية لا يمكن إغفالها.
ومن هنا فإن رسالة مجلة المسلم المعاصر ينبغي أن تركز في مرحلتها القادمة
على بلورة هذه النظرية العامة في العلم والتقنية في إطار من التصور
الإسلامي المستمد من القرآن الكريم والسنة المشرفة، انطلاقًا من الإيمان
بأن المنهج الإسلامي بربانيته وعالميته - هو الأقدر على تقديم الحلول
الشافية لكل المشكلات التي تؤرق العقل عن الكون ومصير الإنسان، فضلاً
عن أنه يتسع لكل القيم النبيلة التى تجعل من المعرفة عمومًا غاية سامية
لخدمة المجتمع الإنساني بأسره، نظرًا لمالها من علاقة وثيقة بالبحث
عن الحقيقة في أعماق النفس، وفي آفاق الوجود.
ولسوف يدعم رسالة المجلة عمومًا، ويساعد على نشرها، تخصيص موقع باسمها
على شبكة المعلومات الدولية Internet لبث أهم محتوياتها باللغتين العربية
والإنجليزية، وتحقيق التفاعل والتواصل بين قرائها في كل أنحاء العالم
.
هذا والله من وراء القصد .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
|