|
المسلم المعاصر وقضية أسلمة المعرفة
أ.د. إبراهيم عبد الرحمن رجب
"المسلم المعاصر": تأريخ شخصي، ودراسة حالة:
إن الاحتفال بمرور ربع قرن على صدور مجلة "المسلم المعاصر" الغراء
يمثل مناسبة عزيزة حقًّا على نفوس جماهير قرائها من المثقفين والباحثين
والأكاديميين في أرجاء العالم العربي وخصوصا من المشتغلين بالعلوم
الاجتماعية ممن تركت المجلة بفضل الله أعمق الآثار علي حياتهم الفكرية
وعلى أنشطتهم البحثية والعلمية، وإذا بدا في هذه العبارة أدنى شبهة
بالمبالغة فلعل القارئ الكريم أن يعذرني هنا في إيراد لمحة من التاريخ
الشخصي أظنها تكفي لإثبات المقولة السابقة، كما أن إيراد هذه اللمحة
الشخصية يمثل في الوقت ذاته "دراسة حالة" لعلاقة فئة من القراء المتخصصين
في العلوم الاجتماعية بهذه المجلة ... فلقد يكون من باب الاعتراف بالفضل
لأهله أن أقرر هنا ابتداء أن $المسلم المعاصر" قد كانت بدون أي مبالغة
سببًا مباشرًا في إحداث تحول شامل في مسار حياتي الفكرية والعلمية
- بل وفي حياة عدد من الزملاء الأساتذة والباحثين المتخصصين في مهنة
الخدمة الاجتماعية (مجال تخصصي) في مصر وفي غيرها من الأقطار العربية.
جاءني يوما أحد طلاب الدراسات العليا بمعهد الدراسات العربية العالية
بالقاهرة بنسخة قام بتصويرها من بحث نشرته مجلة "المسلم المعاصر" في
عام 1982م عنوانه "أسـلمة المعـرفة" للدكتور إسماعيل راجي الفاروقي
(يرحمه الله)، وطلب مني الرأي في ما جاء بذلك المقال، ولأول وهلة فلقد
بدا لي العنوان وكأنه جامع للأضداد ! لقد كان من الثابت عندي وعند
كل المتخصصين في العلوم الاجتماعية في ذلك الوقت أن "العلم علم والدين
دين ولا يمكن أن يلتقيا بطريقة منهجية" سليمة، ورغم أن قضية مدى اتساق
ما درسته وأقوم بتدريسه من علوم اجتماعية غربية مع الرؤية الإسلامية
للحياة والكون والإنسان قد كانت همًّا شاغلاً ومشكلة مزمنة في تفكيري
منذ المراحل الأولى لتعليمي الجامعي، ورغم أنني كنت كغيري أحس بشدة
بمدى عمق وخطورة التناقض بين منطلقات تلك العلوم الاجتماعية الحديثة
وبين التصور الإسلامي، إلا أنني كغيري ممن أهمهم الأمر من أبناء جيلنا
أو حتى من الرواد الذين كنا نقرأ لهم لم نكن نعرف الطريق "المنهجي"
للخلاص من ذلك التناقض، ولم يكن بوسعنا الوصول إلى حل نزيه نرتضيه
لهذه المعضلة ... لم يكن أحدنا راغبًا أبدًا في أن يتعسف الربط بين
الآيات القرآنية والنظريات "العلمية التي كنا نتعلمها وصرنا نقوم بتدريسها
للأجيال الصاعدة من أبناء الأمة، لأننا ندرك أن مثل هذا التعسف يناقض
روح الإسلام ذاته،كما يناقض روح البحث المتجرد عن الحقيقة.
واطلعت على مقال الدكتور الفاروقي، ثم أعدت قراءته ... وعلى الفور
فإنني أدركت أن هناك أخيرًا من أبناء الأمة من وفقه الله سبحانه وتعالى
إلى الحل المنطقي الصحيح الذي كان جيلنا يتشوف إليه ! ... ولقد كان
الرجل مؤهلاً بشكل خاص جدًّا للوصول إلى الحل "المنهجي" الصحيح، فالدكتور
الفاروقي رجل أنفق حياته العلمية النظامية (من البكالوريوس إلى الدكتوراه)
متخصصًا في دراسة الفلسفة الغربية مع التركيز في مرحلة الدكتوراه على
نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا) ونظرية القيم (الأكسيولوجيا)، ثم إنه
كما قال قد استشعر النقص الشديد في معرفته بالعلوم الإسلامية، فاتجه
بعد ذلك إلى القيام بدراسات ما-بعد-الدكتوراه في الأزهر الشريف لمدة
أربع سنوات منغمسًا في دراسة جادة للعلوم الشرعية (وكان يقول أنه خلال
تلك الفترة كان يدرس كما لو كان يريد الحصول على درجة دكتوراه ثانية
في العلوم الإسلامية)، مما أهله (كما لم يؤهل لذلك غيره ممن كان قبله
أو ممن جاء بعده) للتبحر والتبصر في كل من النوعين من الأنساق الفكرية
(الغربية والإسلامية) تبحرًا وتبصرًا يسمحان لصاحبهما بالتناول النقدي
الواثق لما يتلقاه غيره كمسلمات لا تقبل الجدل، فاستطاع بذلك أن يتجاوز
الحدود والسدود التي يقف دونها من اقتصروا إما على دراسة الفكر الغربي
وحده فانبهروا به في تسطيح وضحالة وهزيمة نفسية، أو من اقتصروا على
دراسة العلوم الشرعية وحدها دون أدنى تعمق في فهم الأسس الفكرية التي
تأسس عليها العالم في العصر الحديث والتي تمارس آثارها على حياتنا
المعاصرة سواء رضينا أو لم نرضى، (وأضيف أن مجرد الإلمام أو التعرف
السريع على بعض جوانب من أي من النسقين الفكريين دون تخصص أو دراسة
جادة وإنما على سبيل الاجتهاد الشخصي أو التنفل لا يغني فتيلاً في
هذا المضمار) ذلك أن القضية المطروحة هنا قضية كبرى تتصل بإيجاد المعادلة
الصعبة للتكامل بين هذين النسقين الفكريين المختلفين ... وهو أمر يقصر
دونه المجتهدون المتنفلون مهما حسنت نياتهم، ومهما ادعى المدعون وزعم
الزاعمون!
وعلى الفور فقد بدأت ألفت أنظار الزملاء والدارسين إلى هذا المقال
المحوري، ثم إلى متابعة وتعهد كل ما تنشره مجلة "المسلم المعاصر" للفاروقي
أو لغيره ممن أنار الله بصائرهم للإسهام بجهودهم العلمية على هذا الطريق
الكريم لإصلاح فكر الأمة والخلاص من ذلك الفصام النكد بين هذه العلوم
الحديثة (وخصوصًا العلوم الاجتماعية) من جانب وبين العلوم الشرعية
من جانب آخر، ولم يخب ظننا فلم يكد يصدر عدد من أعداد المجلة بعد إلا
وطالعنا بجهد مضاف على طريق أسـلمة المعـرفة (أو إسلامية المعـرفة
أو التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية أو التوجيه الإسلامي للعلوم
الاجتماعية أيًّا كان المسمى الذي بدأ يعرف به هذا الاتجاه)، وبدأت
المؤتمرات العلمية المتخصصة في التأصيل الإسلامي للخدمة الاجتماعية
تعقد (تم عقد أربعة مؤتمرات منذ 1991)، حيث فتحت "المسلم المعاصر"
صدرها لنشر بحوثها ... وهكذا ارتبط التقدم في أعمال الباحثين مع النشر
المنتظم وتيسير التواصل العلمي من خلال المجلة مما كان له أثره العظيم
في إثراء الحركة العلمية في هذا المجال المتخصص وفي توجيه مسارها.
وكان مما زاد تقدير الباحثين للمجلة وللقائمين عليها ما درجت عليه
من الالتزام الواضح بالتحرر من أي "التزامات" أمام أي جهة أو مؤسسة
أو أي توجه شخصي، رغم ما كان يمكن لمثل تلك التنازلات (أو الإملاءات)
أن تأتي به من موارد وافرة للمجلة ... وقوفًا فيما تنشره عند حدود
ما تمليه النزاهة العلمية والبحث المتجرد عن الحقيقة، وقد أدى هذا
الموقف الأخلاقي الرفيع إلى حماية المجلة من الوقوع فيما وقعت فيه
دوريات أخرى ناطقة بلسان مؤسسات ومعبرة عن آراء شخصية مرجوحة لكبار
المسؤولين في تلك المؤسسات، وكأن السلطة الإدارية قد أصبحت عند هؤلاء
معيارًا للحق ولا قوة إلا بالله.
وفي نطاق الاعتزاز الكبير بمجلتنا الغراء، وفي ضوء ما سقناه كدراسة
حالة لتأثير المجلة على قطاع واسع من المشتغلين بالعلوم الاجتماعية
عامة وبالخدمة الاجتماعية خاصة فإنه ليشرفني فيما تبقى من هذه الكلمة
في هذه المناسبة الاحتفالية الكريمة أن أسوق بعضًا من الملاحظات التي
آمل أن تثير حوارًا مثمرًا حول توجهات المجلة في المستقبل وحول قضية
أسـلمة المعـرفة وما يحيط بها، حوارًا نأمل أن يدفع بالقضية إلى الأمام
إن شاء الله، وأن يجلو بعض الضباب الذي قد يكون قد لحق بها في السنوات
العشر السابقة بسبب التأثيرات المؤسسية المشار إليها في الفقرة السابقة.
"المسلم المعاصر": إصلاح الفكر أم الإصلاح العام
للأمة:
لا يماري عاقل في أهمية بذل كل جهد ممكن في اتجاه الإصلاح المجتمعي
العام للأمة في جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية
والعسكرية، كما لا أظن أحدا يماري _وهو يعلم_ في الأهمية الكبرى لمسألة
إصلاح الفكر كأساس لابد منه لنهضة الأمة من كبوتها، فإصلاح الفكر مكون
مهم من مكونات الإصلاح العام للأمة... ولكن من الضروري التسليم أيضًا
بأن قضية إصلاح الفكر والمنهج قضية ذات طبيعة مستقلة بذاتها، ذلك أن
الجمهور المخاطب بهذه القضية هم الجامعيون و الأفراد العلميون والباحثون
والممارسون المهنيون في مختلف التخصصات سواء في نطاق العلوم الحديثة
أو العلوم الشرعية، وهذا جمهور له طبيعته الخاصة، جمهور يتطلب طرقًا
مختلفة للوصول إليه وطرقًا مختلفة للخطاب، وهو يختلف في هذا كثيرًا
عن الجمهور الواسع أو الرأي العام ... وعلى ذلك فإنه إذا كان من الممكن
القول أن المشاركة في جهود إصلاح الأمة بالمعنى العام تعتبر واجبا
على الكافة، فإن المشاركة في جهود إصلاح الفكر وإصلاح المنهج تعتبر
فرض عين يختص بأمانته مجتمع الأكاديميين والعلميين وحدهم (دون امتناع
لمشاركتهم العامة في جهود الدعوة والإصلاح المجتمعي العام إن شاءوا،
وإن استطاعوا) دون غيرهم.
ويترتب على ما تقدم أنه قد يكون من المناسب فض الاشتباك على الصعيد
النظري بين جهود أسلمة المعـرفة من جهة وجهود الدعوة والإصلاح المجتمعي
العام من جهة أخرى، فليس من المناسب مثلاً أن يظن الدعاة أو الحركيون
أن من الواجب عليهم أن يشغلوا أنفسهم بالمشاركة "المباشرة" في جهود
أسلمة المعـرفة، وكذلك فإنه ليس من المناسب أن يتصور المشتغلون بهموم
أسلمة المعـرفة أنهم وحدهم أمل الأمة في الإصلاح العام من خلال إصلاح
الفكر،كما أنه ليس من المناسب لهم أن يستخدموا لغة الخطاب الدعوي الحركي
عند التعريف بمهمة أسلمة المعـرفة وعرضها على الآخرين... فهذا خلط
للأوراق قلما يأتي بخير كما أنه قد لا يخلو من ادعاء.
فإذا صح التحليل السابق فإنني أظن أن فاعلية "المسلم المعاصر" تتعاظم
بقدر تركيزها على قضية إصلاح الفكر وإصلاح المنهج ... قضية أسـلمة
المعـرفة... وتركيز الخطاب على جمهور قرائها ممن يهمهم هذا الأمر أيما
اهتمام من الباحثين والأفراد العلميين، مع ترك الاهتمامات الأوسع للإصلاح
السياسي و الدعوي لغيرها ممن يخاطبون الجمهور الواسع والرأي العام.
قضايا حول أسلمة المعرفة:
فيما يتعلق بمفهوم أسلمة المعـرفة فلعل الصياغة الأصلية التي قدمها
الدكتور إسماعيل الفاروقي يرحمه الله عز وجل في عام 1982م لازالت تمثل
أقوم الصياغات التي يمكن أن توجه جهود أسلمة المعـرفة، وجوهرها يدور
حول مايلي:
1- فهم واستيعاب العلوم الحديثة في أرقى حالات تطورها، والتمكن منها،
وتحليل واقعها بطريقة نقدية لتقدير جوانب القوة والضعف فيها من وجهة
نظر الإسلام.
2- فهم واستيعاب إسهامات التراث، المنطلق من فهم المسلمين للكتاب والسنة
في مختلف العصور، وتقدير جوانب القوة والضعف في ذلك التراث في ضوء
حاجة المسلمين في الوقت الحاضر، وفي ضوء ما كشفت عنه المعارف الحديثة.
3- القيام بتلك القفزة الابتكارية الرائدة اللازمة لإيجاد "تركيبة"
تجمع بين معطيات التراث الإسلامي وبين نتائج العلوم العصرية بما يساعد
على تحقيق غايات الإسلام العليا.
ولكن هذا المفهوم العام يثير فيما وراء تلك الصياغة الموفقة عددًا
من القضايا التي كشفت عنها الممارسة في السنوات الماضية، والتي يتطلب
الأمر التعامل معها بشكل مقصود إذا أردنا للمسيرة أن تحافظ على نقاء
أصولها، ومنها:
1- يلاحظ أنه بالرغم من أن أسلمة المعـرفة معنية بالتأكيد بإصلاح كل
أنواع المعارف الحديثة التي تندرج في نطاق العلوم الطبيعية والعلوم
الاجتماعية إلا أن دلالتها بالنسبة للعلوم الطبيعية تختلف كثيرًا عنها
بالنسبة للعلوم الاجتماعية، ففي حين تنصرف جهود أسلمة المعـرفة في
نطاق العلوم الطبيعية إلى إصلاح الأطر التصورية (التنظير) وتوجيه التطبيقات
(التكنولوجيا) فإن دلالتها بالنسبة للعلوم الاجتماعية لا تتوقف عند
هذه أو تلك فقط وإنما تنصرف فيما وراء ذلك إلى إصلاح المنهج ذاته،
وإلى إعادة النظر في خريطة موضوعات الدراسة المشروعة في نطاق تلك العلوم،
ويترتب على ذلك أنه يمكن القول (مع شيء من المخاطرة بالوقوع في التبسيط
الشديد) أن أسلمة المعـرفة وإن كانت تنصب على إصلاح العلوم الحديثة
عمومًا إلا أنها بالدرجة الأولى تنصرف أساسًا إلى إصلاح العلوم الاجتماعية.
2- إن مشروع أسلمة المعـرفة وإن كان "في النهاية" يستهدف تحقيق التكامل
أو الاندماج التام بين العلوم الشرعية والعلوم الاجتماعية وغيرها من
العلوم الحديثة، بحيث أنه يصبح من غير المفهوم حال الوصول إلى تلك
المرحلة النهائية من مراحل أسلمة المعـرفة الاستمرار في استخدام أي
من هذين الاصطلاحين كما لو كان مقابلاً للآخر، إلا أنه لا مناص في
كل من المدى القريب والمدى الوسيط من الشروع في بذل الجهود الجادة
لإصلاح كل من هذين النوعين من العلوم "من الداخل"، وذلك باستخدام أقصى
ما تسمح به معرفتنا الراهنة فيما يتصل باستثمار البصائر التي يمكن
أن يقدمها كل من تلك العلوم للآخر... تلك العلوم التي ما كان لأي منها
في الأصل أن ينفصل في قطاع مستقل منبتّ عن الآخر، حيث أن ذلك الانفصال
ما كان إلا نتيجة لظروف تاريخية معروفة وليس لأي اعتبارات علمية أو
منهجية.
3- إن تلك القطيعة التاريخية بين ما اصطلح على تسميته بالعلوم الشرعية
والعلوم الاجتماعية بوجه خاص قد ترتب عليها أن كلا النوعين من العلوم
قد بلور لنفسه مناهج ومفاهيم محورية متمايزة حاولت أن تستجيب لطبيعة
المهمة الأساسية التي تصور المشتغلون بكل منهما أنها تمثل سبب وجوده
وجوهر اختصاصه، وقد أدى ذلك إلى نمو عظيم لتلك المناهج والمفاهيم المحورية
لكل من النوعين من العلوم، مع التجاهل التام أو قلة الاكتراث بالنوع
الآخر من المناهج والمفاهيم، فبرع رجال العلوم الشرعية بوجه خاص مثلا
في مناهج "الاستنباط من النصوص"، كما برع رجال العلوم الاجتماعية بوجه
خاص في مناهج "استقراء واقع الناس"... ولما كانت الأمور قد سارت على
ذلك المنوال ردحا طويلا من الزمن فإن كل فريق قد أصبح يستشعر بقوة
(وبحق أيضًا في كثير من الأحيان) أن ما لديه من المناهج والمفاهيم
له قيمته الكبيرة، وله أصالته التي لا يمكن أن يماري فيها إلا من كان
أصحاب الغلو على الجانبين.
4- وإذن فإن الواجب يقتضينا -بل يفرض علينا - لتلك الاعتبارات العلمية
والعملية البدء في كل من المدى القصير والمدى الوسيط بوجه خاص -وعلى
أساس مرحلي - بجهود تبذل لإصلاح كل من النوعين من العلوم، جهود تتخذ
كنقطة بداية لها ما تميز فيه ذلك النوع من العلوم ذاته ... في الوقت
الذي تتحرك فيه بالتدريج نحو استثمار ما لدى الطرف الآخر بشكل إيجابي
... جهود يقوم بها أبناء التخصص ذاته ممن أنار الله بصائرهم وألان
قلوبهم لقبول الحق، متعاونين في ذلك مع من وفقهم الله من قرنائهم من
أصحاب النوع المقابل من العلوم ... على أن يكون الهدف البعيد (ألا
وهو الاندماج التام في نهاية المطاف) واضحًا أمام الجميع.
5- ولكن هل يعني هذا أن مجموع المناهج والمفاهيم المتعارف عليها الآن
في إطار كل من النوعين من العلوم سليم تمامًا أو أنه جاهز للنقل كما
هو (ودون أي تطوير) لتطبيقه في المجال الذي يلائمه عند أصحاب التخصص
الآخر ؟ إن الباحث المنصف لا يمكن إلا أن يسلّم بأن العزلة المصطنعة
بين النوعين من العلوم وكذا بين المتخصصين فيهما قد أدت إلى ألوان
من القصور التي لم يَسْلم منها أي منهما، ولا شك في أن استفادة كل
من النوعين من التخصصات مما لدى أصحاب التخصص المقابل تكون أعظم لو
قام كل فريق أولاً بتطوير مناهجه ومفاهيمه في ضوء ما يستفيده مما لدى
الفريق المقابل، ولكن هذا المنطق يجرنا إلى نوع من المصادرة على المطلوب،
أو من الدور المنطقي العقيم الذي يستحيل قبوله عقلاً، فلو انتظرت العلوم
الاجتماعية حتى تنتهي العلوم الشرعية من إصلاح وتطوير مناهجها لكي
تبدأ في الاستفادة من تلك المناهج في فهم النصوص، ثم حذت الأخرى حذوها
لانتظرنا إلى أبد الآبدين دون أن تتحرك أسلمة المعرفة قيد أنملة، ومن
هنا فإن من المتصور أن تقوم منهجية أسلمة العلوم الاجتماعية على التسليم
بأن مناهج ومفاهيم العلوم الشرعية بصورتها الحالية _رغم أنها تترك
مطمعًا لمستزيد وتتطلب الكثير من التطوير _ يمكن في المرحلة الحالية
أن تستثمر وبصورتها الحالية استثمارًا عظيمًا في الإطار الأشمل لجهود
أسلمة العـلوم الاجتـماعية .. تلك العلوم التي لم تكد تبدأ بعد في
استخدام بصائر الكتاب والسنة في بناء مفاهيمها وأنساقها النظرية على
أي وجه مقبول، ويبقى الباب مفتوحًا على مصراعيه أمام المشتغلين بالعلوم
الاجتماعية لاستثمار نتائج أي تقدم يتم إحرازه على ساحة تطوير مناهج
العلوم الشرعية في حينه وكلما تبلور منها شيء ذو بال.
6- وإذا كان من المفهوم أن يستشعر المتخصصون (الحاليون) في العلوم
الشرعية الحاجة في أي وقت إلى تطوير المفاهيم أو تجديد المنهج فإن
هذا الشعور ينبغي أن يكون منبثقًا من الداخل بشكل"أصيل"، بمعنى أن
تظهر تلك الحاجة إلى التطوير كاستجابة طبيعية لمراجعات يرى المتخصصون
في العلوم الشرعية أنها تزيد معارفهم عمقا أو تفصيلا، أو أنه ينتج
عنها بصائر تجعلها أكثر انطباقا على مساحات أوسع من الظواهر، في الوقت
الذي لا تخرج فيه عن الدائرة العامة لفهم السلف والخلف لأساسيات هذا
الدين، أما أن يجيء "التجديد" فيما يدعو إليه البعض "قطيعة معرفية"
تستجيب لمطالب من "خارج" النسق المعرفي الإسلامي فهو أمر لايمكن فهمه
أو تبريره "من الناحية المنهجية" وأكرر ..من الناحية المنهجية، فلا
يجوز مثلاً المطالبة بإعادة النظر في مناهج التعامل مع القرآن الكريم
أو بإعادة النظر في مناهج التعامل مع السنة المشرفة بدوافع منبعثة
من "خارج النسق الإسلامي" تستهدف أساسا "تجاوز" بعض نصوص الأحكام التي
تظنها بعض الدوائر اليوم غير مقبولة (كمسائل الحدود، والربا، والمواريث،
وشهادة المرأة وأشباهها) بزعم أن الإسلام ينبغي أن يستجيب بقوة "لحاجات"
العصر الحديث (الترجمة : أن الزمان قد تجاوز أحكام الإسلام الثابتة
في هذه القضايا بعد ما وصل الإنسان إليه من تقدم و"تنوير" ومنهجيات
"ناظمة" جديدة لم يكن للسلف بها عهد، ولكنها وصلتنا من خلال الدراسات
اللغوية الحديثة التي استخدمت في تشريح النصوص "المقدسة" عند النصارى
في نصف القرن الأخير، وأن من واجبنا تطبيقها على القرآن الكريم والسنة
الصحيحة كأي نصوص بشرية والعياذ بالله ).
7- وفي ضوء ما تقدم يصبح تكريس الجهود للقيام بإجراء البحوث لأسلمة
العـلوم الاجتـماعية في هذه المرحلة من عمر حركة أسلمة المعـرفة ليس
فقط أمرًا ضروريًّا وحسب، وإنما هو أمر نظن أنه ينبغي أن يحتل مرتبة
الأولوية الأولى من جانب المهتمين بأسلمة المعـرفة إذا أخذنا في الاعتبار
مقتضيات الحجم والخطورة، وأقصد بذلك حجم الرقعة التي أصبحت العلوم
الاجتماعية تحتلها، والتأثير الذي تمارسه على كل الأصعدة في حياة المجتمعات
المعاصرة من جهة، وفي ضوء خطورة التدمير الذي تمارسه بالتالي على حياة
الناس ببقائها على حالها من جهة أخرى، وأن أي إهمال أو تسويف في بذل
الجهود اللازمة لأسلمة العـلوم الاجتـماعية من داخلها وصوب الهدف البعيد
كما بينا آنفا إنما يعني استمرارًا وتصاعدًا لتلك المخاطر المدمرة
لحياة الأفراد والمجتمعات والتي قد لا يفلت من آثارها أحد أبدًا، ولا
يقصد بهذا أي تهوين من شأن الجهود التي ينبغي أن تبذل لإصلاح العلوم
الشرعية بقدر ما يقصد به لفت الأنظار إلى مناطق النوازل التي تحتاج
إلى ما يشبه إعلان حالة الطوارئ العلمية والبحثية، ومع الابتهال إلى
المولى جل وعلا أن يوفق العاملين لإصـلاح العـلوم الشـرعية إلى استحداث
منهجيات محددة مشفوعة بخطوات وإجراءات عملية يمكن للمشتغلين بأسلمة
العـلوم الاجتـماعية الاستفادة منها في هذه المرحلة أو بعدها.
8- ولعله أن يكون قد اتضح الآن أن طبيعة المرحلة الراهنة من مراحل
العمل لتحقيق أهداف "أسلمة المعـرفة" تشير إلى عدد من المتطلبات التي
ينبغي الالتفات إليها في المرحلة "القادمة" من مراحل تلك العملية على
الوجه التالي:
أ- يمكن القول بأن النتيجة المرتقبة لجهود أسلمة المعـرفة في المدى
القريب تتمثل في النهاية (بعد النجاح الملحوظ في الدعوة للقضية، وبيان
مبرراتها، ووضوح مفهومها) في إنتاج كـتب جامعية يمكن استخدامها في
جامعات العالم الإسلامي ... كـتب تستبعد فيها المخالفات الصارخة للعقيدة
الإسلامية وللتصور الإسلامي للكون والإنسان من جهة، وتنضاف إليها أي
شذرات من المفاهيم الإسـلامية التي تبدو ملائمة لموضوعات الدراسة من
جهة أخرى، فهذا جهد المقل يبذل لإماطة الأذى ومحاولة الإضافة المحدودة
التي تتم باجتهادات أصحابها وعلى عهدتهم - دون إمكان الزعم بأنها تنطلق
من منهج واضح لأسلمة العـلوم، أو التوهم بأن لها أي مصداقية علمية
ذاتية، والسبب في ذلك أنها لم تتعرض لأي قدر من التحقق العلمي للتثبت
من صحة الإضافات المذكورة، ويجدر القول أنه يندرج أيضًا تحت هذه الجهود
ما أصبح يعرف اليوم بأسلمة المقررات أو المناهج الدراسية في أوساط
الجامعات الإسلامية... وينبغي المسارعة إلى القول بأن هذا لا يقلل
بأي حال من شأن تلك الجهود الضرورية التي لا غنى عنها في هذه المرحلة.
ب- أما على المدى الوسيط الذي نستشرفه في المرحلة القادمة، فإن النتيجة
المرتقبة بتوفيق الله سبحانه وتعالى إنما تتمثل ( بعد وضوح منهجـــية
أسلمة العـلوم الاجتــماعية، وتطبيق تلك المنهجية في نطاق مختلف العلوم
الاجتماعية ) في إنتاج نظريات منطلقة من التصور الإسلامي للكون والإنسان،
و الوصول إلى مشاهدات وتعميمات علمية تم التحقق من صدقها الواقعي فيكون
هذا بمثابة الاختبار غير المباشر لتلك النظريات، وإذن فإن سُدى الجهود
التأصيلية في هذه المرحلة ولُحمتها إنما هو البحوث وبناء النظريات
ثم البحوث من جديد وهكذا... وإذ يتم نشـر نتائج تلك البحوث في الدوريات
العلمية وعلى رأسها "المسلم المعاصر" فإن ما يصمد منها للنقد والمراجعة
العلمية الصارمة يبدأ في التراكم بفضل الله ليكون بمثابة الروافد الفياضة
التي تصب في بحار الكتب الجامعية والمراجع العلمية المؤصلة - ساعتئذ-
تأصيلاً إسلاميًّا حقيقيًّا.
ج- أما على المدى البعيد، فإن المأمول أن تسفر الجهود التي تكون قد
بذلت في المرحلة السابقة عن اقتراب كبير بين المناهج والمفاهيم والحقائق
والنظريات التي تم التوصل إليها في نطاق أسلمة العـلوم الاجتـماعية
وبين قريناتها في نطاق جهود تطوير مناهج ومفاهيم العلوم الشرعية ...
اقترابًا يجعل الفصل بينهما أمرًا تعسفيًّا غير مبرر لا من الناحية
العلمية ولا من الناحية العملية، حيث يُتـوقع تكوين جيل من الباحثين
الذين تم تزويدهم بالعُـدّة اللازمة للبحث في نطاق كل من النوعين من
المعارف في صورتهما المتطورة، فيتحول الأمر من مجرد "التعاون" بين
الباحثين المتقابلين ليصبح انطلاقًا - بل انبثاقًا - تكامليًّا طبيعيًّا
في ذات كل باحث منفرد بما يعبر عن هذه المرحلة المتقدمة دون أي تعسف،
وهنالك يمكن الحديث عن بلوغ أسلمة المعـرفة منتهاها، حيث تكون المعارف
التي كانت في الماضي منفصلة فصلاً تعسفيًّا قد تكاملت، وحيث يمكن عند
ذلك إعلان انتهاء المراحل الانتقالية للمشروع، وحيث تعود للفكر الإسلامي
حيويته وإسهاماته الإيجابية، وإضافته النبيلة لكل فكر إنساني أصيل
دون تعال أو صدود.
9- إذا صحت هذه القراءة للموقف فإنه قد يكون من الملائم أن تتبنى مجلة
"المسلم المعاصر" الغراء الدعوة لبذل جهود بحثية مكثفة ومنظمة تستجيب
لمتطلبات المرحلة الراهنة على الوجه التالي:
أ - أين كنا ؟ وأقصد بذلك البحوث التي تتصل بحصر نتائج كل ما تم التوصل
إليه في الماضي على كل الأصعدة بدءًا مما عليه اتفاق بالنسبة لمفهوم
أسلمة المعـرفة ذاته، أو بالنسبة لمنهجية أسلمة المعـرفة سواء في العلوم
الحديثة أو العلوم الشرعية، أو بالنسبة لبحوث البنية التحتية (الطبيعة
الإنسانية أو السنن الإلهية مثلاً) أو البحوث التخصصية التي أجريت،
ولكننا لا يجب بعد ذلك أن نتوقف عند ما عليه اتفاق، بل إن من الضروري
أيضًا التعرف على أي اختلافات أصيلة في الاجتهاد بالنسبة لكل من هذه
العناصر.
ب- أين نحن؟ ويقصد بذلك تقدير الموقف لتحديد المناطق التي نقف عند
حدود المعرفة بها اليوم لتكون دليلاً يلفت أنظار الباحثين للمشكلات
البحثية التي يمكن لهم أن يبدأوا العمل من عندها ضمانًا للتراكم العلمي
المحمود، وقد ترى المجلة لخدمة أهداف هذه المرحلة نشر ثمار ما تقدم
من أعمال على أوسع نطاق ممكن ليكون في متناول الباحثين والدارسين بأقل
تكلفة ممكنة في طبعات شعبية رخيصة يمكن أن تسمى مثلاً "كتاب المسلم
المعاصر"، لتعريف الجميع بما انتهت إليه الجهود السابقة، ولتمكين المهتمين
القادرين من البناء على عمل غيرهم بطريقة علمية متسقة.
جـ - إلى أين ؟ لا أظن أن على الساحة من يستطيع القيام بقيادة جهود
أسـلمة المعـرفة بنزاهة وتجرد أكثر من مؤسسة "المسلم المعاصر" لتحررها
من أي ارتباطات تنظيمية أو مؤسسية خانقة أو معوقة، وأظن أنه سيكون
من الميسور لها - بسبب ذلك - السعي لدى الهيئات الخيرية والعلمية لتدبير
الموارد المحدودة التي يتطلبها دعم البحوث في هذا المجال.
وبعد .. فإنني لا أظن أن هناك قضية أهم ولا هدفًا أسمى يمكن أن تتبناه
مجلة "المسلم المعاصر" في ربع القرن القادم بإذن الله أعظم أو أهم
من قيادة جهود أسـلمة المعـرفة التي أصيبت باليتم المبكر، والتي افتقدت
الولي الأمين والعائل الناصح، رغم أنها تمثل أمل الأمة في إصلاح حياتها
الفكرية، التي يمكن اعتبارها منارة جهود الإصلاح العام للأمة، و"المسلم
المعاصر" تملك كما قدمنا من المقومات التي تمكنها بعون الله وفضله
من القيام على الأمانة وبلوغ الهدف.
والله الموفق والمستعان، وهو سبحانه من وراء القصد، وهو نعم المولى
ونعم النصير.
|