صفحة المجلة التصفح البحث المساعدة عن المكتبة
       

 






رأي من الداخل في مسيرة المسلم المعاصر

أ.د. عبد الحليم عويس

بالتأكيد، واجهت هذه المجلة "المسلم المعاصر" عصْرًا كان أكبر من طاقتها، أو بتعبير آخر، من طاقة العقل المسلم الذي سيسبح في مياهها، ويتماوج فكره بين شاطئيها.

وبالتأكيد، لم يكن أحد يتصور أن الخطوات ستتسارع على هذا الشكل، وأن التحديات التي نتصور أننا سنواجهها كانت تحيط بنا منذ زمن بعيد، وأن ما نعيشه ليس إلا التطبيق لتحديات بيتت بليل، وأننا تجاهها قد أحيط بنا - من الداخل والخارج - إحاطة السوار بالمعصم.

صدرت المجلة في نهاية عام 1394/1974، وكان العرب يشعرون بنوع من الانبعاث النفسيّ، والانسجام مع الذات، بعد أن عبروا مستنقع هزيمة يونيو - حزيران - 1967م، وكانت وقفة العرب والمسلمين في رمضان 1393 (أكتوبر 1973) قد أعادت شيئًا من الأمل في مستقبلٍ تلتحم فيه الأمة على مستوى الفكر والسياسة والاقتصاد، بعد أن عاشت ربع قرن أو أكثر في تيه الأفكار الاشتراكية التي قسَّمت الأمة إلى يمين ويسار : فالأول رجعي، والثاني تقدمي. ومن عجبٍ أن تنقلب الموازين _ الآن _ فيصبح الانتماء - الآن - بعد ظهور العولمة إلى اليمين الإمبريالي هو "التقدمية"، بينما أصبحت الاشتراكية أثرًا بعد عين، ولم يبق من رجعيتها إلا رجع الصدى.

وكانت الصحوة الإسلامية تتفتح براعمها هنا وهناك، فمن مصرف إسلامي هنا، إلى محاولات لتقنين الشريعة تمهيدًا لتطبيقها هناك، إلى تفكير يظهر في الغرب نفسه يتكلم في أسلمة المعرفة ... إلى مؤتمرات تدور على الساحة العربية والإسلامية تناقش قضايا التأصيل والتفاعل الحضاري الإيجابي ... إلى دور نشرٍ إسلاميةٍ تأخذ طريقها إلى الأفق وتتجاوز الحدود، مع ترجمةٍ لشوامخ الفكر الإسلامي المعاصر إلى اللغات الحيّة.

ونظُنُّ أن الجامعات الإسلامية والمنظمات العربية والإسلامية حاولت أن تقوم بشيء يساعد على العودة إلى الذات، ومساعدة المسلمين المنسيّين الذين يطلقون عليهم "أقليات" مع أنهم "الثلث" من العالم الإسلامي (والثلث قليل) !!

كانت هذه بعض ملامح الخريطة التي وُلدت فيها مجلة المسلم المعاصر، وقد نلمح بعض هذه الملامح المنبثقة عن الواقع، والدالة على طبيعة التحديات من تلك المجموعات الثلاث التي رأى صاحب الامتياز ورئيس التحرير المسئول الدكتور (جمال الدين عطية) أنها تمثل ميادين العمل الإسلامي، وهو يقصد بها : الميدان الفكري أو العلمي، والميدان الإصلاحي (أي أوجه النشاط التربوي والإعلامي والاجتماعي وغيرها) ثم - أخيرًا - الميدان السياسي أي : تطوير النظم السياسية والقانونية.

وفي مجال إلقاء الضوء على هذه المجموعات أشار الدكتور جمال الدين عطية إلى أن المجلة ستهتم بعرض تراث الفكر الإسلامي، وبقضية الاجتهاد، الذي سيتجاوز التراث ليتصل مباشرة بالمنابع الإسلامية الأولى : الكتاب والسنة، وليلتحم بالعصر ناهلاً من علومه ومتفاعلاً مع قضاياه .."العدد الافتتاحي" كلمة التحرير : (هذه المجلة ص6،8).

ونعتقد أن المجلة - إلى حد كبير - قد نجحت في هذا المجال، وأنها قدّمت الكثير في ربع القرن المنصرم ؛ مما أثرى حياتنا الفكرية والعقلية، وأحدث نقلة نوعية في تعامل العقل المسلم مع العلوم الإنسانية بعامة، وقضايا الفقه الإسلامي بخاصة، بل أعتقد أنها قامت بدور خطير في تقريب هذا الفقه، من خلال منهجها في التواصل المباشر مع المنابع الأولى، وفي الانفتاح الكبير الذي ينظر إليه بعضهم أحيانًا على أنه تجاوز الحدود، ومال إلى التيسير على حساب التحوط والورع، أو كما يقول بعضهم: مال إلى (العصر والعقل) على حساب (النصّ والتراثّ).

ونحن لا نوافق هؤلاء في رأيهم، لأننا نعتقد أن المجلة كانت تريد أن يتعرف الإسلاميون على الآراء الأخرى، ليس من باب التسليم بها، وإنما من باب استيعابها والتعامل وفق الضوابط الأصولية الإسلامية معها.

بل أنا أقول : إن المجلة - هي وغيرها بالطبع - قامت بدور كبير في سدّ ذريعة التقنين والمنهجية بالنسبة للأحكام الإسلامية العملية القابلة للتطبيق . وبالتالي، فإنها قامت "بفرض كفاية" لرفع الإثم عن المسلمين المكلفين، ووضع الإثم على القادرين الممتنعين عن التنفيذ.

وقد نجحت المجلة في أن تتجاوز الكتابات الإسلامية التي تقف عند العرض العام للمبادئ الإسلامية .

ويجب أن نعترف - أيضًا - بأن المجلة نجحت نجاحًا محدودًا في تقديم بعض الأبحاث التطبيقية، ونجاحًا محدودًا أكثر في متابعة الدراسات الاستشراقية في كافة صورها التقليدية الحديثة (انظر المقال السابق ص9) وهو أحد الأهداف الواضحة في المقال الافتتاحي للمجلة في عددها التجريبي.

ومن إلقاء نظرة شبه إحصائية للدراسات والبحوث التي تضمنتها المجلة، نجد أنها كانت ناجحة نجاحًا كبيرًا فيما ألزمت به نفسها من (ضرورة تخطي مرحلة ردّ الفعل الدفاعية التي طبعت معظم الكتابات الإسلامية في هذا القرن، إلى مرحلة الإنتاج الإيجابي المبدع الخلاق المستقل عن مؤثرات الاستعمار والتخلف وردود الفعل الأولى، سواء منها ما تقوقع دفاعًا عن تراث الماضي، أو ما انطلق من تيار التغريب). (المرجع السابق ص10).

لكن الصراحة تلزمنا أن نقرر أن المجلة - نتيجة ظروف كثيرة - لم تستطع أن تقدم شيئًا ذا قيمة فيما يتعلق "بتطوير النظم السياسية والقانونية لما تتبناه القاعدة الشعبية التي هي مصدر السلطات بالتعبير الديمقراطي، أو الرقيبة على الســـــلطات بالنظر الإسلامي" . (المرجع السابق ص6)، فالحق أن ا لمجلة قد غلب عليها الطابع الأكاديمي على حساب الطابع الإبداعي، مما جعلها تقف في برج عاجٍ تخاطب من خلاله أقلية محدودةً من هؤلاء الذين ينشغلون بالهمّ الإسلامي، وفق هذه المنهجية الفكرية التي اختطتها المجلة لنفسها.

وبما أن المجلة دورية، وليست شهرية، كما أنها أيضًا تعايش عصرًا غير عصر جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، بل عصرًا تستلب الناس فيه أبواق إعلامية كثيرة، وهموم أكثر، وتقلبات سياسية وفكرية صاخبة؛ لدرجة أننا نستطيع أن نقول : إنه لا يكاد يمرّ عام إلا وهو يحمل في طياته ما كانت تحمله عقود كثيرة في الماضي .. وقد هبطت نسبة الاهتمام بالكلمة المقروءة لحساب الكلمة المرئية والمسموعة.

كل ذلك - وغيره - جعل المجلة عاجزة عن أن تؤثر في القواعد الشعبية، وعن أن تخلق تيارًا فكريًّا يقترب مما كانت تخلقه مجلات "العروة الوثقى" و"المنار" و"الرسالة"، ومع تسليمنا ببعض الفروق بين مجلة الرسالة التي كانت أسبوعية ومجلة دورية مثل "المسلم المعاصر"، - لكننا نستطيع أن نقول - وأَجْرُنا على الله - : إن كاتبًا مثل (محمد فريد وجدي) بما كان يصدره من دوريات ورسائل كان موفَّقًا - أيضًا - أكثر من توفيق "المسلم المعاصر" من ناحية خلق تيار فكري، وإرساء معالم رؤية إسلامية يمكن للمثقفين العاديين أن يرتبطوا بها .. مع إيماننا بأنّ هناك عوامل خارجية ساعدت المدارس السابقة،ولم تتوافر للمسلم المعاصر.

ومع ذلك نلتمس العذر "للمسلم المعاصر"، اعتمادًا على طبيعة الاختلاف بين عصرنا الذي يدور في دوّامة الإعلام المعاصر، والهموم السياسية المتجددة، وبين عصر فريد وجدي الذي كان أقل شراسة وحدة وصخبًا.

وأعتقد أن مجلتننا (المسلم المعاصر) كان لها دور كبير في أوساط المفكرين المسلمين القريبين من الإبداع، وأنها أحدثت نوعًا كبيرًا من التفاعل بين أجنحة كثيرة من أجنحة العقل المسلم، وقد بدأ الفكر يتساوق مع الحركة، كما أن الرؤية الإسلامية قد أصبحت تقبل الحوار أكثر مما كانت من قبل، كما أنها - أيضًا - مستعدة للإفادة من "الآخر" واحترام رأيه.

وقد أصبحت التفرقة شبه واضحة بين الثوابت والمتغيرات، وبين القسمات الخاصة والقسمات المشتركة.

وقد شاء الله أن يكرمني بأن أكون من الذين شاركوا بالكتابة في العدد الأول من المجلة، وقد وقفت في خندق رئيس تحريرها لكي تكون هذه المجلة "فعلاً" لا "رد فعل" ؛ وذلك عندما أراد أستاذي الكبير الدكتور محمد فتحي عثمان - أن تكون هذه المجلة "لسان اليسار الإسلامي" .. وكان هذا - في رأيي - رد فعل للضغط اليساري الذي كان سمة العصر.

ولم أكن وحدي الذي تصدّى لهذا الرأي، بل شاركني أعلام كبار من أمثال أستاذنا الدكتور يوسف القرضاوي والأستاذ الكبير يوسف كمال محمد.

والحق أن "المسلم المعاصر" في أعوامها الأولى نجحت في أن يَحْتل الحوار فيها مكانة متميزة .. ولربما كان هذا الحوار بما تمتع به من أصالة وعمق والتزام بأدب الحوار من أكبر عوامل الجذب والتشويق في المجلة . ويمكن أن يقال الأمر نفسه في الأبواب الثابتة - تقريبًا - مثل الخدمات المكتبية، والوثائق الاقتصادية، والمتابعات العلمية - والمؤتمرات، ونقد الكتب، والمشروعات العلمية، ودليل أطروحات الماجستير والدكتوراه، وببليوجرافيا الفكر الإسلامي الذي غطى بعض السنوات تحت عنوان "النشرة المكتبية".. وأدلة الباحثين، ومستخلصات الأبحاث في ختام سنوات الإصدار.

هذه الأبواب وما يتصل بها - مثل كثير من افتتاحيات المجلة كانت - بحق- مفيدة جدًا للباحثين على اختلاف مستوياتهم، ولا سيما للباحثين من الشباب، كما أنها أعطت المجلة روحًا خاصة، وأخرجتها من نطاق الأكاديمية الميتة الذي كان يسيطر على كثير من البحوث.

ومن وجهة نظري لا أعتقد أن (الأعداد المزدوجة بحجمها الكبير تحتل من نفس القارئ المكانة نفسها التي تحتلها الأعداد المفردة .. وماذا نقول في بعض الأعداد المزدوجة التي تزيد عدد صفحاتها عن أربعمائة وأربعين صفحة (انظر مثلاً العددين 51، 52).

ومع ذلك فثمة تيارات لا يمكن إغفال الدور الرائع الذي أسهمت به "المسلم المعاصر" في دعمها وطرحها بقوة على ساحة الفكر.

ولعل تيار (إسلامية المعرفة) على رأس هذه التيارات التي قامت المجلة بدور رائد يتزامن ويتناغم مع الدور الريادي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي. وكم تمنيت أن يبقى التعاون بين المعهد والمجلة موصولاً في المستويين المعرفي والعملي. وقد حظيت علوم الاجتماع والسنن الكونية والنفس والاقتصاد بأولوية في هذا الاهتمام .. وهو اهتمام تشكر عليه "المسلم المعاصر".

بقى أمران شكليان - في هذه الخواطر - أولهما : أنّ إدارة المجلة فيما يبدو لم تكن حريصـــــة على أن تكون (مدرسة) لها حضورها العلمي والفكري.. وبالتالي فهي لا تتابع أبناءها ولا مريديها.

وقد أثار هذا الشجن في نفسي تلك الرسالة التي وُجهت إلىّ كما وجهت لغيري من إدارة المجلة في عيدها الفضي .. ويبدو من بين سطورها أن المجلة - ممثلة في رئيسها وإدارتها - قد استشعرت هذا الأمر، وقد يبدو أنها قررت معالجته .. أو هكذا فهمت والله أعلم.

والأمر الشكلي الثاني .. أنني لا أفهم - بالضبط - طبيعة الدور الذي تقوم به هذه القائمة الطويلة (شبه الثابتة) التي تتصدّر غلاف المجلة، من (الأمناء) و(الأعضاء) و(المستشارين) .. لأني واثق في أن ظروف بعض هؤلاء لا يمكن أن تسمح لهم بتقديم عون للمجلة .. فهل يدخل هذا الأمر في باب الوفاء؟

وتهنئة .. لمجلتنا .. ورئيس تحريرها.. وأملنا كبير في أن تصبح (مدرسة) ... و(مؤسسة) لنا وللمسلمين ... والله يحفظها.









 سيرة ومسيرة

 شهادات ونقد ومقترحات
 قصاصات صحفية
 أبحاث ودراسات
 دعم وقفية المجلة


 جمعية المسلم المعاصر

 اتصل بنا

 


  شروط الخدمة

© جميع حقوق الملكية محفوظة لشبكة إسلام أون لاين . نت وجمعية المسلم المعاصر 2003