|
المسلم المعاصر محاولة في النقد الذاتي
أ.د. محمد كمال الدين إمام
يصعب على الإنسان أن يحاور نفسه، وأن يتجول في زوايا ما يعيشه من أحداث
ليكتب رؤية صادقة، ويسجل يصعب على الإنسان أن يحاور نفسه، وأن يتجول
في زوايا ما يعيشه من أحداث ليكتب رؤية صادقة، ويسجل نقدًا منصفًا،
فـ "المسلم المعاصر" مجلة ومؤسسة جزء من النفس، التقيت بها من خلال
الأستاذ الدكتور جمال عطية في أوائل عام 1978م، زرته على استحياء في
مكتبه بشارع عماد الديـــن في صحبــة الأخ والصديــــق د. عبد الحليم
عويس، ودار حوار هادئ حول المجلة، تاريخها وحاضرها وآمالها في المستقبل،
بدأت بعده تحرير باب دليل القارئ إلى المجلات، ولم يمض وقت طويل حتى
شاء الحظ الطيب أن أكون إلى جواره، اقترب من فكره، وأعاني معه مسئوليات
جساما، في طليعتها استمرار المجلة في أجواء تبدو هادئة، وسرعان ما
تحيط به العواصف من كل جانب، ورغم المد والجزر، فقد استطاعت المسلم
المعاصر الصمود في سنوات صعبة لنحتفل اليوم بالعام الخامس والعشرين
من بدء رحلتها إلى القارئ المترقب.
كان صدور المسلم المعاصر تعبيرًا عن أمرين: ـ
الأول: أن متغيرات كثيرة حدثت في الساحتين السياسية والفكرية في مصر
والعالم العربي، سمحت في ا لداخل لأصوات مختلفة أن تعبر عن نفسها رغم
ضيق المساحة المتاحة، وحذر السلطة في الاستقبال والقبول علي السواء.
الثاني: أن خطابًا إسلاميًّا معاصرًا في ساحة الفكر بدأ يتبلور، ولديه
الشجاعة في طرح رؤية جديدة، تبعده عن أصدقاء الأمس، ولا تزوده بأصحاب
جدد إلا في أضيق الحدود، وكان لهذا الموقف تبعاته، وحرمت المجلة -
بقرارات فوقية - من معانقة جمهور عريض من شبابنا الحائر كانت "المسلم
المعاصر" يعنيها مخاطبته، وكان إرسالها يستهدفه .
وعندما صدر العدد الافتتاحي "للمسلم المعاصر" في شوال سنة 1394 الموافق
نوفمبر سنة 1974 أعلن الدكتور جمال عطية في كلمة التحرير الأولى -
والتي كانت إعلان مبادئ - وجهة المجلة وقال إنها مجلة الريادة الفكرية
إن صح هذا التعبير، وبعد ربع قرن من العمل المتواصل، يمكننا القول
إن الأمل قد تحقق، وإن الريادة الفكرية أصبحت واقعًا، وهو ما اعترف
به مفكرون من تيارات متباينة، وشهد له باحثون في دراسات أكاديمية ذات
شأن.
بعد أقل من سبع سنوات من صدور العدد الافتتاحي وفي ندوة مهمة عن الإبداع
الفكري الذاتي في العالم العربي في إطار جامعة الأمم المتحدة ومشروع
البدائل الاجتماعية للتنمية في عالم متغير والتي عقدت في الكويت عام
1981 وفي بحث هام عن التجديد في الفكر السياسي الإسلامي منهجا وتطبيقا
للمفكر الكبير الأستاذ الدكتور أحمد كمال أبو المجد، أعلن فيه دون
تردد أن "المسلم المعاصر" هي منبر من منابر تيار المجددين الجدد وأنها
منبر منتظم يتخذ شكل المؤسسة المنظمة، وهذا يعني أن "المسلم المعاصر"
استطاعت أن تكون عند واحد من أعلام الفكر الإسلامي أهم منابر التجديد
لكونها اتخذت شكل المؤسسة وانتظمت في الصدور وبعد سنوات يعود الدكتور
كمال أبو المجد في كتابه الهام حوار لا مواجهة ليدافع في صراحة وينتمي
في وضوح إلى إعلان مبادئ العدد الافتتاحي للمسلم المعاصر.
يقول الدكتور جمال عطية في البيان الافتتاحي عن "المسلم المعاصر" إنها
مجلة الاجتهاد ... تنطلق من ضرورة الاجتهاد، وتتخذه طريقًا فكريًّا،
ولا تكتفي بالبحث في ضرورة فتح باب الاجتهاد في فروع الفقه بل تتعداه
إلى بحوث الاجتهاد في أصول الفقه ويقول الدكتور كمال أبو المجد في
كتابه حوار لا مواجهة إن الاجتهاد الذي نحتاج إليه اليوم ويحتاجه المسلمون،
ليس اجتهادًا في الفروع وحدها، وإنما هو اجتهاد في الأصول كذلك، وليس
ما تردده الكثرة الغالبة من المعاصرين من امتناع الاجتهاد في الأصول،
إلا التزامًا بما لا يلزم وتقصيرًا في بذل الجهد فيما ينفع الناس.
لقد أطلق العدد الافتتاحي للمسلم المعاصر الشرارة، وجاء الدكتور كمال
أبو المجد ومعه كوكبة من المفكرين منهم الدكتور سليم العوَّا، والدكتور
فتحي عثمان، والمستشار طارق البشري ليدشنوا سفينة الاجتهاد نظرًا وعملاً.
لبصبح ما قاله باحث أكاديمي جاد هو الأستاذ عبد الرحمن فراج في بحثه
المنشور في العدد (78) تحت عنوان "المسلم المعاصر واتجاهاتها نحو قضايا
الفكر الإسلامي قال: ( إن "المسلم المعاصر" ليست مجلة فحسب، وإنما
أقرب إلى المدرسة الفكرية التي تعد "المسلم المعاصر" لسان حالها).
وبدأت تنشر مساهمات جريئة في أعدادها الأولى، تدعو لإعادة بناء علم
أصول الفقه مثلاً، وتشدد على الأهمية البالغة لهذا العلم، باعتباره
منطق الفقه، وما يمكن أن يقدمه في تأصيل العلوم الإنسانية الحديثة،
فيما لو قام الأصوليون بتجديد هذا العلم، بعد أن لبث عدة قرون يكرر
ذاته، بفعل ما أشيع خطأ، من أن مسائل أصول الفقه قطعية، وهي مما لا
يصح الاجتهاد فيها. ومن المؤسف أن هذا الوهم ارتقى لدى المتأخرين إلى
درجة الحقيقة المطلقة، ولم يتنبه هؤلاء إلى أن الأصوليين الذين صاغوا
هذا العلم وبلوروا القواعد الأصولية، إنما اهتدوا إلى تلك القواعد
في سياق ما اكتنف حياتهم من استفهامات وحاجات تشريعية زمنية انبثقت
في داخل الاجتماع الإسلامي آنذاك. مما يعني توالد استفهامات وحاجات
تشريعية جديدة، تواكب مسار الاجتماع الإسلامي وتحولاته عبر التاريخ،
لا تتسع لاستيعابها القواعد الموروثة، فيضطر الفقيه لإعادة إنتاج الفتاوى
ذاتها، من دون أن يدرك العصر واستحقاقاته، لأنه يظل يجول في مدارات
التراث، وكلما توغل في تلك المدارات غاب عن حاضره ومشاغله.
ونفس التقويم يأتي في سياق ما كتبه د. حسن حنفي في مؤلفه الذي صدر
أخيرًا عن جمـال الـدين الأفغـاني (*) وأطلق فيه على هذه المدرسة "مجموعة
المسلم المعاصر" وللتصريح أهميته لأنه يصدر عن منبر الاختلاف.
فـ "المسلم المعاصر" - باعتراف تيارات مختلفة - وبعد ربع قرن من أول
إصداراتها - قطعت أشواطًا في سبيل غايتها، واكتسبت الريادة الفكرية،
وسار علي دربها وبتشجيع منها، ومن خلال البارزين من كتابها دوريات
أخر، من أبرزها المنعطف في المغرب، والقرن 21 في تونس، والاجتهاد في
لبنان، وإسلامية المعرفة، والتجديد، وأخيرًا المنار الجديد.
ومنذ العدد الافتتاحي أشـارت المسلم المعاصر إلى هدفين رئيسيين من
أهـدافها: ـ
الهدف الأول: فكري يتمثل في اجتهاد يتجاوز التراث مرتين، مرة تجاوز
الواعي الدارس المستفيد من التراث إلى أصول الهدي الإلهي الذي أنزله
الله، ويستتبع ذلك أن يكون اعتماده علي المنابع الأولى الكتاب والسنة
يستلهمهما المقاصد والأهداف ويستوحيهما المبادئ والأصول، .... ومن
هنا كان الاهتمام بالكتاب والسنة وأصول الفقه والمبادئ العامة للشريعة
مقدمًا علي ما سواها من العلوم الإسلامية التقليدية.
ويتجاوز الاجتهاد الذي تدعوا المجلة إلى ممارسته التراث مرة أخرى واعيًا
ودارسًا مستفيدًا أيضًا ليلتحم بالعصر ناهلاً من علومه ومتفاعلاً مع
قضاياه، ومتفهمًا لمشكلاته، ثم رائدًا متطلعًا إلى مستقبل أفضل.
والرأي عندي أن المجلة في مجالي تجاوز التراث قد أصابها التوفيق في
جانب، وانحسر دورها في الجانب الآخر، حالفها التوفيق في تحريك المياه
الآسنة في الحياة الفقهية بإنتاج فكري يصطبغ بمنهج التجديد، ويحقق
التجاوز الواعي للتراث، جاء ذلك في كتابات قدمها أعلام كبار من أمثال
الشيخ الغزالي، والدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور أحمد كمال أبو المجد،
والدكتور جمال عطية، والمستشار طارق البشري، والدكتور سليم العوا والأستاذ
فهمي هويدي والدكتور محمد عمارة، وغيرهم كثيرون وجاءت بعد ذلك أبحاث
جامعية قدمها شباب جاد، منهم د. سيف عبد الفتاح، وهبة رؤوف، و د. فوزي
خليل، و د . محمد المنسي، والقائمة فيها أسماء وأطروحات لها صداها
في مختلف العلوم الفقهية وجانب من منظومة العلوم الاجتماعية.
أما التجاوز الثاني: فلم يحالفه التوفيق لأن مجال أسلمة المعرفة لم
يتحرك إلى الأمام بخطي حثيثة، ولم يجد منهجًا يضبطه أو إنتاجًا يمثل
تصوره في تخطيط داعيته الأول المرحوم الفاروقي، وأهم نقد يوجه إلى
هذا المجال أنه لم يضبط منهج تجاوزه للتراث، ولم يهتم بوضع قواعده
الأصولية، فأدى تجاوز التراث للتعامل المباشر مع الأصول، إلى خلل في
تقدير الفقه المذهبي، وفي حالات متطرفة أصبح تجاوز التراث لونًا من
التعالي على التراث، وأصبح الاتصال المباشر بالنص يتجاهل الآليات المعتمدة
لفهم النص، بثقه زائدة بالعقل تجعل تأويل النص أهم من استيعابه، وعقلنة
النص أعلى في الترجيح المعاصر من الدخول إلى عالمه.
أما الهدف الثاني الذي جعلته افتتاحية المجلة من أهدافها الرئيسية
هو إقامة جسور الحوار بين الفكر الإسلامي وغيره من الأفكار والمبادئ
والتيارات، وإقامة جسور التعاون بين الاتجاه الإسلامي وبين كل المخلصين
لنهوض العرب والمسلمين وان اختلفت مناهجهم.
والرأي عندي أن هذا الهدف الكبير للمسلم المعاصر لم يتحقق منه شئ علي
مدى ربع قرن، ولذلك في نظري أسبابه ودواعيه.
أول هذه الأسباب أن "المسلم المعاصر" أنصب اهتمامها علي إبراز خطابها
الجديد وتثبيته في الدنيا الجديدة، وظنت أن دعوتها إلى الحرية من الالتزامات
الحركية الحديثة تكفي لاحتضان الآخر، لكن خطابها الجديد لم يوثق صلتها
بالآخر الذي ظل قلقًا من الانتماءات القديمة للأشخاص والأسماء، وهكذا
بقيت "المسلم المعاصر" حركة فكرية لم تتواصل مع جذورها، ولم تلتق لقاء
أكفاء مع مخالفيها.
والسبب الثاني: أن "المسلم المعاصر" ابتعدت عن الموضوعات الساخنة في
مجالي الفكر والتشريع والتي شغلت العقل الإسلامي بل وشغلت الآخر في
ربع قرن الفائت من حياتها، والرأي عندي أنها ضحت بالمواكبة من أجل
الاستمرارية، وحتى لا تفتقد المصداقية. فإن بدت معارضة اختنقت، وإن
ظهرت مروضة احترقت.
والسبب الثالث: يتعلق بصناعة النشر والتي تحتاج إلى مال ورجال، و"المسلم
المعاصر" افتقدت في الربع قرن القدرة المادية على دعم أهدافها وتحقيق
طموحاتها، فلم يصدر كتاب المسلم المعاصر، ولم تتوالى ندوة المسلم المعاصر،
بل أن غيبة رجالها الأول وتفرقهم في البلاد جعل أبوابًا هامة تغيب
من صفحاتها وفي مقدمة ذلك باب الحوار الذي أغني السنوات الأولى، وفقدت
المجلة توهجها بغيابه في السنوات الأخيرة . والجانب الاقتصادي للمجلة
ينبغي أن يتحرك في رافدين:
الأول: يتمثل في تدفق مالي من أهل الفكرة والقدرة يكسب المجلة ـ بعد
ربع قرن ـ من صمودها الذاتي ـ موارد ثابتة وميزانية مستقرة.
والثاني: تنظيم جديد يكفل ديمومة الجانب المؤسسي "للمسلم المعاصر"،
ولولا المديرة الدقيقة الواحدة، الأستاذة مهجة مشهور التي وهبت فكرها
ووقتها للمجلة لما انتظم صدورها أيام العسر وما أكثرها واليسر وما
أقلها.
وفي الختام أقول إن في الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع المعاصر كثيرًا
من الثرثرة برئت منه المجلة، واستطاعت التعبير عن خطاب متماسك في أمة
منقسمة، ونجحت في ترتيب أوراقها حيال عمل إسلامي فطر على الارتجال،
وأحسبها _ دون أن أزكي على الله أحدًا - قاعدة انطلاق لتيار فكري الحاجة
إليه ملحة، والواقع يستدعيه، وآمالنا في المستقبل توجبه، تيار يعيد
شباب الفقه، يجدد عقل الأمة، شريطة أن تلتف حوله النخبة التي تؤمن
أن الاجتهاد فريضة، وتوقن أن الشريعة وجدت لتبقي، وشريطة أن يعرف حملة
الفقه أنهم من قادة الأمة بل في المقدمة منهم وإن كانوا ليسوا وحدهم
في الميدان، وأن يعرف المفكرون أن احتكار الحقيقة لا يكون إلا لمعصوم،
وإن كل خطاب بشري فيه الصواب والخطأ، وأن احترام الآخر ركن الحوار
لا شرطه، وأن المجتمع لا يقوم إلا بحاكم ومحكوم، والفكر القائد هو
الذي يقرب المسافات بينهما، ليقترب الحق من الجميع، ويبتعد الباطل
عن الجميع، دون تدافع إلى موقع أو تنازع على سلطة.
|